الفصل الثالث والعشرون:بمهب العاصفة
سباق الموت:
انطلق نجم الدين في ممرات القصر كالريح العاصف، تتبعه خطوات الأمير معتصم الثقيلة. ما إن وصلا إلى ساحة الميناء حتى انهالت عليهما أصوات الناس المتضاربة.
قال رجل عجوز وهو يهز رأسه بحزن: "السلطنتان العظيمتان تسقطان في براثن الأمير حازم... إنه يزعم أنهم قتلوا أخاه ووالديه!"
رد شاب بحار: "بل هي أكذوبة شيطانية، فقد رأيت بعينيَّ السلطان ناصر وزوجته يدخلان القصر!"
قال تاجر: "ويُشاع أن حازم احضر مرتزقة من بلاد وراء البحار، يدفع لهم ذهباً ليضمن ولاءهم!"
صاح صياد: "المدينة على شفا الهاوية، والناس بين مصدق ومكذب!"
التفت نجم الدين إلى معتصم وقال: "الوقت ثمين، والحرب ستندلع، وحياة الأمير عدنان معلقة بخيط رفيع!"
أجاب معتصم: "فلننطلق إلى السفينة، وليكن سعينا إنقاذاً للجميع!"
ركض الاثنان نحو سفينة النسر، وتسلقا ظهرها بسرعة البرق. بدأ نجم الدين يقلب صناديق المؤن بيدين مرتعشتين، بينما وقف معتصم يراقب في لهفة.
قال نجم الدين: "معتصم... إنني أطلب منك يا صديقي خدمة غالية!"
أجاب معتصم: "ما هي؟"
"اذهب وأحضر ياسمين إلى القصر، فلا أطمئن عليها في هذه الأجواء الخطيرة!"
"سأعود بها قبل أن تلمس الشمس منتصف السماء!"
انطلق معتصم كالسهم نحو منزل نجم الدين، بينما واصل نجم الدين بحثه عن العشبة المنقذة. كانت الأقدار تدق طبول المعركة، والأبطال يتسابقون مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تندلع نار الحرب التي تهدد بابتلاع الجميع.
في قلب العاصفة:
في قاعة الاجتماعات بقصر النجم الساطع، كان الجو ثقيلاً كالرصاص. جلس السلطان حسان بن القاسم محاطاً بقادة جيشه ومستشاريه، وقد بدت على وجوههم آثار التعب والقلق.
قال القائد العام وهو يضع خريطة على الطاولة: "يا مولاي، الخسائر فادحة في القرى الشمالية، والعدو يتقدم بسرعة نحو العاصمة."
أضاف قائد المشاة: "المرتزقة الأجانب يقاتلون بوحشية لا تعرف الرحمة، وهم مسلحون بأسلحة غريبة لم نر مثلها من قبل."
نهض السلطان حسان، وعيناه تعكسان ثقلاً كبيراً: "لقد بلغتني الأنباء أن حازم استدعى هؤلاء المرتزقة من بلاد ما وراء البحار بذهب مسلوب من خزائننا!"
قال الأمين بن صالح: "المهم الآن هو حماية المدنيين، فلقد أمرنا بنقلهم إلى القلاع الآمنة."
أصدر السلطان أوامره بصوت حازم: "ليتراجع الجيش إلى الخط الدفاعي الثاني، وليتم إخلاء القرى الواقعة في طريق الزحف."
أضاف: "استخدموا تكتيك الكر والفر، ولا توقعوا بأنفسكم في مصائدهم."
قال قائد الأسطول: "سفن العدو تحاصر موانئنا، ولا نستطيع كسر الحصار."
رد السلطان: "حافظوا على السفن التجارية في الموانئ الداخلية، ولا تخاطروا بالخروج."
التفت إلى الأمين بن صالح: "كم عدد الضحايا حتى الآن؟"
أجاب المستشار بصوت مكتوم: "آلاف القتلى، وعشرات القرى دمرت بالكامل."
ساد صمت مطبق في القاعة، ثم قال السلطان: "اللهم انصرنا على من عادانا، وارحم من استشهد من أبنائنا."
كانت العاصمة على موعد مع معركة مصيرية، والجميع يعلم أن الأيام القادمة ستحدد مصير السلطنة، بينما كان نجم الدين ومعتصم يتسابقان مع الزمن لإنقاذ الأمير عدنان، الذي قد يكون مفتاح إنهاء هذه الحرب الدموية.
بصيص أمل في ظلام اليأس:
عاد نجم الدين إلى جناح الضيافة حاملاً عشبة الزعفران البري، يتبعه الأمير معتصم ومعه ياسمين وفاطمة. دخل الجميع الغرفة حيث كان السلطانان فخر وناصر والسلطانة زهرة وقمر الدين وغالب ومرجانة والطبيب ينتظرون في قلق.
قال نجم الدين وهو يناول الطبيب العشبة: "سمعت في السوق أنباءً مفزعة! حازم يزعم أن السلطنتين قتلوكم أنتم وعدنان يا اصحاب الجلالة، ويستخدم هذه الكذبة لتبرير هجومه!"
صرخ ناصر: "أي كذب هذا؟!"
أضاف نجم الدين: "ويستعين بمرتزقة من بلاد ما وراء البحار، وقد دمر قرى كثيرة والآن في طريقه إلى عاصمة سلطنة النجم الساطع!"
قال معتصم بحزم: "يجب أن أعود إلى سلطنتي لأساند والدي!"
حاول السلطان فخر ثنيه: "الطرق مدمرة والقرى محاصرة، ولن تستطيع الوصول!"
في هذه اللحظة دخل المستشار جابر بن زهير مسرعاً: "أنباء كارثية! جيوش حازم تقترب من أسوار العاصمة، وعدد المرتزقة يفوق جيوش السلطنتين!"
همّ السلطان ناصر بالوقوف: "سأظهر للشعب أننا أحياء وسأكشف كذبه بأنه هو من أراد قتلنا وقتل أخيه!"
منعه السلطان فخر: "سيقتلك قبل أن تثبت الحقيقة!"
قال جابر: "لا نملك قوات كافية لمواجهتهم! يجب أن نتحرك بحكمة."
في اللحظة الحرجة، فتح الأمير عدنان عينيه بصعوبة، وهمس بصوت بالكاد مسموع: "عندي... حل..."
انحنى الجميع حوله، فقال وهو يكافح للتنفس: "في الأندلس... قادة... وعلماء... يحترمونني... إن ارسلت... رسالة لهم... سيساعدوننا..."
أسرع نجم الدين بإحضار الورق والقلم والمحبرة، وجلس بجانب السرير مستعداً للكتابة. أخذ عدنان يُملي عليه الرسالة بكلمات متقطعة، لكنها واضحة:
"بسم الله الرحمن الرحيم... من عدنان بن ناصر... إلى إخواننا في الإيمان وأصحاب المروءة في الأندلس... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... أما بعد..."
توقف عدنان لالتقاط أنفاسه، ثم واصل: "فإنني أستغيث بكم في محنتي... فقد انتشر الظلم في بلادنا... وتجرأ أخي حازم على سفك الدماء... واستعان بالمرتزقة من بلادكم..."
أشار الطبيب إلى ضرورة الإسراع، فأكمل عدنان: "وأنا أتوسل إليكم... بإسم العلم الذي جمعنا... وبإسم الإنسانية التي تجمعنا... أن تمدوا إلينا يد العون..."
سعل عدنان سعالاً شديداً، ثم همس: "والله يشهد أننا سنكون لكم خير حلفاء... وخير إخوان..."
لم يتمكن عدنان من متابعة الحديث، ففقد وعيه مجدداً. أسرع الطبيب بطحن عشبة الزعفران البري ومزجها بالماء، ثم بدأ في إعطائها للأمير بيد مرتجفة.
قال الطبيب: "السم يتفشى في جسده، والعشبة تحتاج وقتاً!"
أنهى نجم الدين كتابة الرسالة، ثم ختمها بخاتم عدنان الذي سلمه إياه السلطان. كان الورق يحمل بين طياته أمل سلطنتين في النجاة.
قال السلطان ناصر: "الوقت ينفذ، والحرب ستندلع!"
أضاف معتصم: "الرسالة تحتاج إلى من يصل بها إلى الأندلس!"
قال نجم الدين: "سفينتي أسرع ما في الميناء!"
قالت قمر الدين: "سأذهب معك!"
رفض السلطان فخر: "ماذا تقولين؟! لن اسمح لكِ! إن المخاطرة كبيرة!"
ردت قمر: "الخطر أكبر إن لم نفعل!"
كانت الغرفة تشهد صراعاً بين اليأس والأمل، بين الخوف والشجاعة، بين الموت والحياة. والجميع يدركون أن هذه الرسالة قد تكون آخر أمل لإنقاذ السلطنتين من الدمار.
أوهام النصر:
في قاعة العرش بقصر الصخر الأسود، وقف الأمير حازم بن ناصر متوكئاً على سيفه، وعيناه تتقدان بنشوة الانتصار. دخل عليه قادة جيشه واحداً تلو الآخر، يبشرونه بانتصارات متتالية.
قال القائد العام وهو ينحني: "يا مولاي، لقد سقطت القلاع الشرقية بيدنا، وجيوش النجم الساطع تتراجع!"
أضاف قائد المرتزقة الأجنبي: "قواتنا دمرت خمس قرى في اليوم الواحد، ولن يقف أمامنا شيء!"
ضحك حازم ضحكة شريرة: "لقد حان وقت الإجهاز على النجم الساطع، ثم نلتفت إلى الريحان البهي!"
قال مستشاره بحذر: "لكن جنودنا منهكون، والقوات تحتاج إلى راحة!"
صاح حازم غاضباً: "لا راحة حتى تسقط آخر قلعة! من يتكلم عن الراحة فهو جبان!"
أمر حازم بإحضار الخريطة، وأشار إلى مواقع متقدمة: "اضربوا هنا وهنا! لا تتركوا لهم طريقاً للهرب!"
قال قائد الاستخبارات: "لكن الأنباء تشير إلى أن السلطان ناصر وزوجته ما زالا على قيد الحياة!"
انفجر حازم غضباً: "أكاذيب! لقد قتلوا على يد أعدائنا! ومن ينشر هذه الشائعات فهو خائن!"
أمر حازم بتعزيز القوات على الحدود مع الريحان البهي: "استعدوا للهجوم القادم! سنفاجئهم قبل أن يتنفسوا!"
في غمرة نشوته، لم يكن حازم يدري أن رسالة استغاثة قد انطلقت من غرفة أخيه في قصر الريحان البهي، تحمل في طياتها بداية نهاية أحلامه التوسعية. كانت أوهام النصر تعمي بصيرته عن الحقائق التي تنسج خيوط مصيره المحتوم.
وداع على الرصيف:
على رصيف الميناء، حيث تلامس الأمواج الحجارة البيضاء، وقف نجم الدين يضم أخته ياسمين بين ذراعيه. كانت دموع الفراق تملأ عينيها الزمرديتين.
"ياسمين، يا قرة عيني، إنني أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه."
أجابت ياسمين بصوت مكسور: "عدني أن تعود سالماً يا أخي، فـ قلبي لا يحتمل فراقك مرة أخرى."
التفت نجم الدين إلى الأمير معتصم وقال: "أستودعك أغلى ما أملك، فليكن حظك منها حسناً."
رد معتصم وهو يمسك بيد ياسمين: "ستكون في حرز حريز، وأعدك بأن أحميها بدمي وروحي."
قالت ياسمين: "سأنتظر عودتك يا أخي، وسأدعو لك في كل صلاة."
أجاب نجم الدين: "وأنتِ يا ياسمين، كوني قوية كما علمتك، فأنتِ من حملت اسم أمنا رحمها الله."
احتضن معتصم نجم الدين وقال: "اذهب يا صديقي، وعد إلينا منصوراً، فالأمل يرحل معك على ظهر السفينة."
صعد نجم الدين وقمر الدين ومرجانة وغالب إلى سفينة النسر، بينما وقف معتصم وياسمين على الرصيف يودعانهم. كانت الأشرعة تنتفخ بالرياح، وكأنما البحر نفسه يسرع في طريقهم.
قالت قمر الدين من على ظهر السفينة: "لا تخافي يا ياسمين، فسيعود أخوكِ وبصحبته النصر."
أجابت ياسمين: "وسيعود وبصحبته فرحنا جميعاً."
انطلقت السفينة كالطائر العملاق، تحمل في جوفها الأمل والاستغاثة، وتترك على الشاطئ قلوباً تنتظر وتدعو. كان البحر يهمس بأمواجه، والريح تنشد بأجنحتها، والنجوم ترسم بأضوائها درب العودة المظفرة.
صحوة جديدة:
بعد ساعات من الرعاية المتواصلة، بدأ الأمير عدنان يفتح عينيه ببطء، ليجد والديه منحنيين عليه، وعيونهم تفيض بالدموع والفرح. كانت أنفاسه أصبحت أكثر انتظاماً، ولون الدماء عاد إلى وجهه.
هتفت زهرة: "حمداً لله على سلامتك! لقد عادت إليك الحياة يا ولدي!"
قال ناصر وهو يمسك بيد ابنه: "لقد منّ الله علينا بك، فأنت أغلى من كل كنوز الدنيا يا بني."
تقدم الطبيب بسرعة ليفحص الأمير، ثم أعلن: "لقد نجحت العشبة في تطهير جسده من السم، ولكن عليه بالراحة التامة."
أغلق عدنان عينيه لحظة، وتذكر كلمات أخيه المسمومة وهو يطعنه: 'لن أسمح لك بأخذ ما أفنيت عمري من أجله!' ثم فتحهما بعزم وقال:
"لقد حاول الموت أن يغلبني، ولكن إرادة الله كانت أقوى. وسوف أكون من الآن فصاعداً سيفاً مسلولاً في وجه الظلم."
قالت زهرة: "لا تتعجل يا بني، فالصحة أولاً."
رد عدنان: "لا وقت للانتظار يا أمي، فالحرب تدور رحاها، والشعب ينادي قائده."
أضاف ناصر: "سنكون معك في كل خطوة."
قال عدنان بصوت هادئ لكنه حازم: "لقد أخطأ حازم، ظن أن القوة في السيف والبطش، ولكنه نسي أن للحق سيف أقوى من كل سيوفه."
أمسكت زهرة بيده: "أنت أقوى منه يا بني، فقوتك في حكمتك وإيمانك."
رد عدنان: "سأعلمه أن العرش لا يُؤخذ بالغدر، ولا يُحفظ بالظلم. وسأريه أن قوة الإيمان تهزم قوة الطغيان."
كانت كلمات عدنان تخرج من أعماق قلبه، تحمل قوة الرجل وحكمة الحاكم، وتنبيء ببطل جديد يولد من بين أنياب الموت، مستعداً لمواجهة التحديات وإصلاح ما أفسدته يد الطغيان.