الفصل الثاني والعشرون:مفترق الأقدار
حلم يتحقق:
في ميناء سلطنة الريحان البهي، حيث الأمواج تتهادى على الشاطئ الرملي كأنها تهمس بقدوم الغائبين. في وسط الحشود المنتظرة، وقفت ياسمين بعينيها الزمرديتين تحدقان في الأفق، وقد تحققت نبوءة قلبها عندما بدت سفينة النسر تقترب من الشاطئ كطائر أبيض يعود إلى وكره.
ما إن رست السفينة حتى اندفعت ياسمين كالنسمة الخفيفة، لتلقي بنفسها بين ذراعي أخيها نجم الدين وقد انهمرت دموعها فرحاً.
"أخي الحبيب! لقد عدت سالماً! حمداً لله على سلامتك!"
احتواها نجم الدين بحرارة، وعيناه تترقرقان بالدموع. "ياسمين، يا فرحة قلبي، ها قد عدت إليكِ كما وعدتك."
التفت نجم الدين إلى قمر الدين التي كانت تقف متأثرة بلمسة المشهد. "يا أختي، هذه هي الأميرة قمر الدين ابنة السلطان. وقمر، هذه هي أختي ياسمين."
انحنت ياسمين بإجلال. "مرحباً بسمو الأميرة، لطالما سمعت عن جمالك ولكنكِ بالحقيقة أجمل."
ردت قمر الدين بابتسامة رقيقة. "الجمال الحقيقي في تواضعك وصفاء قلبك يا ياسمين."
في تلك الأثناء، كان غالب ومرجانة ينزلان من السفينة بطريقتهما المعتادة. قالت مرجانة وهي تتأرجح: "أخيراً أرض ثابتة! لقد مللت من التأرجح كالفطيرة في المقلاة!"
فرد عليها غالب: "بل أنت كالفطيرة المحلاة، حلوة وممتلئة!"
اجتمع حولهم أهالي الميناء معربين عن فرحتهم بعودة الفريق، وكانت التحيات تتعالى من كل صوب.
التفت نجم الدين نحو أخته مستأذناً: "ياسمين، يجب أن أتوجه إلى القصر فوراً لتسليم السيف الأسطوري إلى مقام السلطان."
أجابته ياسمين بفهم: "اذهب يا أخي وأدِّ الأمانة، فأنت رجل الواجب قبل كل شيء."
انطلق نجم الدين ومعه قمر الدين ومرجانة وغالب متجهين نحو القصر، تاركين ياسمين واقفة تتبعهم بنظرة ممزوجة بالفخر والحب، وهي تعلم أن أخاها قد عاد مختلفاً، يحمل في قلبه أسراراً وأماني جديدة.
أمل في ظلام الليل:
في غرفة الضيافة الفاخرة بقصر الريحان البهي، حيث تتسلل أنوار الفجر الأولى عبر النوافذ الزجاجية، كان الأمير عدنان يرقد على سريره، وجهه الشاحب يكاد يذوب في بياض الوسائد. حوله وقف والداه، السلطان ناصر والسلطانة زهرة، وقد أنهيا صلاة الفجر وجلسا يتلوان آيات القرآن الكريم بصوت خافت.
كانت زهرة تمسك بالمصحف، وعيناها الحزينتان لا تفارقان وجه ابنها بينما تردد بخشوع: "وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ".
أما ناصر فكان جالساً على كرسي بجانب السرير، يمرر مسبحة من العقيق بين أصابعه ويتمتم: "اللهم اشفه شفاء لا يغادر سقماً، اللهم ألبسه ثوب الصحة والعافية".
دخل طبيب القصر بحذاء خفيف، فانحنى أمام السلطانين ثم تقدم ليفحص الأمير. وضع يده على جبين عدنان الحار، ثم استمع إلى نبضه الضعيف.
"كيف حاله يا طبيب؟" سألت زهرة بصوت مرتجف.
أجاب الطبيب وهو يهز رأسه بحزن: "الحالة لا تزال خطيرة يا مولاتي. السم يتمدد في جسده، والأعشاب التي نستخدمها لا تكفي لعلاجه".
قال ناصر بصوت مكسور: "أليس هناك أمل؟"
"كما قلت من قبل... الأمل الوحيد في عشبة الزعفران البري، فهي وحدها تستطيع تطهير جسده من هذا السم القاتل. ولكن الوقت ينفذ، فإذا لم نعثر عليها قبل غروب شمس اليوم..."
لم يكمل الطبيب جمله، لكن عينيه قالتا ما لم يستطع لفظه. سقطت دموع زهرة على صفحات المصحف وهي تهمس: "يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث".
أمسك ناصر بيد زوجته وقال بصوت فيه بقية أمل: "لا تيأسي من روح الله، فـ فرق البحث لا تزال تبحث في كل زاوية من السلطنة".
عاد الطبيب إلى ترتيب أدواته، بينما واصل الوالدان جلوسهما بجانب ابنهما، تتعالى أصواتهما بالدعاء والابتهال، راجين الرحمة من رب السماء لينزل على قلب هذا الشاب الذي كادت أن تغلبه غدرات الدنيا.
نار الحرب تشتعل:
في قاعة العرش بقصر الصخر الأسود،وقف الأمير حازم بن ناصر في منتصف القاعة محاطاً بقادة جيشه. كانت عيناه تتقدان بشرر النصر المنتظر، وصوته يدوي في أرجاء المكان كالرعد القادم.
"أيها القادة الأشداء، لقد حان وقت الأخذ بالثأر! دم أخي ووالديّ يصرخان من تحت التراب!"
ارتفعت سيوف القادة إلى الأعلى مرددين: "النصر للأمير!"
أشار حازم إلى الخريطة الكبيرة المعلقة على الجدار. "الضربة الأولى ستوجه إلى حصن الصقر في أطراف سلطنة النجم الساطع. إنه مفتاح الطريق إلى عاصمتهم."
قال القائد العام وهو ينحني: "كل شيء جاهز يا مولاي. الجنود متحمسون للقتال."
"ليعلم الجميع أننا لن نترك أحداً على قيد الحياة! فالحرب نار لا تبقى ولا تذر!"
همس أحد القادة بحذر: "ألا نخشى أن يقال إننا نهاجم بدون إنذار؟"
انفجر حازم غاضباً: "الإنذار؟! وهل أنذرونا قبل أن يقتلوا الأمير عدنان ووالديّ؟! الدماء لا ترد إلا بالدماء!"
أمر حازم قائلاً: "انطلقوا فوراً! ولتكن ضربتكم كالصاعقة! فليشهد هذا الفجر بداية نهاية سلطنة النجم الساطع! وبعدها يحين وقت الريحان البهي."
خرج القادة مسرعين لتنفيذ الأوامر، بينما بقي حازم واقفاً أمام عرش أبيه، عيناه تحدقان في الفراغ وكأنه يرى أشباح الماضي والحاضر تتراقص أمامه.
في الخارج، بدأت صفوف الجنود تتحرك كالسيل الجارف، والسيوف تلمع في ضوء الفجر، والرماح تتجه صوب السماء كأنها تستعد لالتقاط أنفاس الأبطال قبل المعركة. كانت نار الحرب قد اشتعلت، والدماء على وشك أن تسيل، والأميرة قمر الدين ونجم الدين لا يزالان في طريقهما إلى القصر، غافلين عن العاصفة التي تجتاح المنطقة.
استعدادات المواجهة:
في قاعة العرش بسلطنة النجم الساطع، جلس السلطان حسان بن القاسم محاطاً بمستشاريه وقادة جيشه. كان الجو مشحوناً بالقلق والترقب، حين دخل الأمين بن صالح مسرعاً، وجهه يعكس خطورة الأنباء.
"يا مولاي، لقد وصلت أنباء مؤكدة من جواسيسنا في الصخر الأسود!"
التفت السلطان حسان إليه باهتمام بالغ. "ما الخبر يا أمين؟"
"الأمير حازم قد بدأ بتحريك جيوشه تجاه حدودنا! الهجوم وشيك على العاصمة!"
ساد صمت مطبق في القاعة، ثم انبرى القائد العام للجيش قائلاً: "لقد تجهزنا لهذه اللحظة يا مولاي. الحصون محصنة، والجنود في مواقعهم."
نهض السلطان حسان من عرشه، وعيناه تلمعان بالعزم. "الحمد لله الذي منحنا الوقت الكافي للاستعداد. لن نكون غافلين."
أمر السلطان بتفقد الاستعدادات: "ليتوجه كل قائد إلى موقعه، وليتفقد جميع القوات تحصيناتنا وتجهيزاتنا."
قال الأمين بن صالح: "لقد أرسلنا تعزيزات إلى جميع القلاع الحدودية وعلى حدود العاصمة، كما جهزنا الأسطول البحري للتدخل إذا لزم الأمر."
"لا نريد الحرب، لكننا لن نسمح لأحد أن يعتدي على أرضنا وشعبنا."
أضاف المستشار العسكري: "خطتنا تعتمد على الدفاع في البداية، ثم الرد المضاد عندما تتهالك قوات العدو."
"احكموا تحصيناتكم، وأحكموا صفوفكم. وليعلم كل جندي أنه يدافع عن أرضه وعرضه ودينه."
بدأ القادة في الخروج لتنفيذ الأوامر، بينما بقي السلطان حسان واقفاً أمام نافذة القاعة، يتطلع نحو الحدود البعيدة. كانت الشمس تشرق على سلطنته، لكن قلبه كان غائصاً في ظلال الحرب القادمة، متسائلاً عن مصير ابنه معتصم في الريحان البهي، وعن مستقبل شعبه في هذه المحنة.
صدمة في القصر:
في قاعة العرش الفاخرة بقصر الريحان البهي، جلس السلطان فخر بن المنصور على عرشه مثقلاً بالهموم. فجأة انفتحت الأبواب الكبيرة لتدخل الأميرة قمر الدين وهي تركض نحو والدها بحركة طفولية.
"أبـي! أبـي!"
نهض السلطان فخر لاحتضان ابنته، وعيناه تفيضان بالدموع. "قمر! يا نور عيني! لقد عدتِ إليّ!"
"أعتذر لك يا أبي على هروبي، لكنني لم أستطع..."
قاطعها السلطان بحنان: "لا عليكِ يا ابنتي، المهم أنكِ عدتِ سالمة."
في هذه اللحظة، تقدم نجم الدين بانحناءة محترمة. "السلام عليكم يا صاحب الجلالة."
رد السلطان: "وعليكم السلام يانجم الدين هل أتممت مهمتك؟"
"نعم يا مولاي، لقد أتممت المهمة التي كلفتني بها."
مد نجم الدين السيف الأسطوري نحو السلطان. "تفضل يا صاحب الجلالة، هذا هو السيف الأسطوري الذي طلبته."
أخذ السلطان السيف مندهشاً من جماله. "لقد وفيت بالوعد، وسأكافئك خير مكافأة."
لكن نجم الدين هز رأسه بهدوء. "لا أريد مالاً ولا جاهاً يا مولاي. أنا أقدم هذا السيف مهراً ليد كريمتكم المصونة الأميرة قمر الدين."
ساد صدمة في القاعة. ارتفع حاجبا السلطان من الدهشة. "ماذا؟! أتطلب يد ابنتي؟!"
"نعم يا مولاي، بكل احترام وإجلال."
انفجر السلطان غضباً: "الآن عرفت الحقيقة! لقد خطفت ابنتي لتجبرني على الموافقة على أطماعك! أيها الحراس! اقبضوا على هذا المتطاول!"
تقدمت قمر الدين بسرعة: "لا يا أبي! لقد كان شريفاً معي! هذا اختياري!"
"اختيارك؟! وهل يعقل أن تفضلي بحاراً على أمير سلطنة؟!"
في ذروة الموقف، بينما وضع الحراس سيوفهم على رقبة نجم الدين، دخل الأمير معتصم إلى القاعة مسرعاً.
"ماذا تفعلون؟! توقفوا! نجم الدين صديقي وقد أنقذ حياتي من قبل!"
التفت السلطان فخر مندهشاً: "ماذا تقول أيها الأمير؟"
"هذا ماحدث! لقد دافع عني ضد قطاع الطريق وتحمل طعنة قاتلة بدلاً مني. نجم الدين هو رجل شريف ونبيل."
أضاف معتصم: "كما أؤكد لكم أن الأميرة قمر الدين كانت ترفض الزواج بي منذ البداية وأظن أنك كنت تعلم هذا يا صاحب الجلالة، بالاضافة إلى أن قلبي متعلق بفتاة أخرى."
صدمة جديدة هزت السلطان. "فتاة أخرى؟!"
التفت معتصم إلى نجم الدين: "نجم الدين هذه الفتاة هي شقيقتك."
قال نجم الدين مصدوماً: "ماذا؟"
رد معتصم: "نعم يانجم الدين الفتاة التي أسرت قلبي هي شقيقتك ياسمين، وها أنا أمام السلطان أتنازل عن خطبتي من الأميرة قمر الدين، وأطلب يد شقيقتك ياسمين على كتاب الله وسنة رسوله الكريم."
أمر معتصم الحراس بالابتعاد عن نجم الدين، الذي وقف مندهشاً من التحولات المفاجئة. نظر نجم الدين إلى معتصم ثم قال: "إن كانت ياسمين توافق، فأنا موافق."
هز معتصم رأسه مبتسماً: "لقد وافقت منذ لحظة معرفتها بحقيقتي."
أدرك السلطان فخر أن الأقدار قد رسمت طريقاً مختلفاً عما كان يخطط له. نظر إلى ابنته التي كان ترجوه، ثم إلى نجم الدين الواقف بشموخ، ثم إلى الأمير معتصم الذي أثبت نبله وحكمته. كانت معادلة القلوب قد اكتملت، والحقائق قد انكشفت، والأقدار قد أبت إلا أن تكتب قصة حب مختلفة عما خطط له الجميع.
أمل في لحظات اليأس:
فجأة انفتحت أبواب القاعة بعنف، ودخل الحارس وهو يلهث: "يا مولاي! الأمير عدنان... حالته قد ساءت! الطبيب يخشى أن تكون هذه الليلة هي ليلته الأخيرة!"
انطلق الجميع مسرعين نحو جناح الضيافة، حيث وجدوا الطبيب يحاول إنعاش الأمير عدنان الذي شحب لونه وكادت أنفاسه تتوقف. كانت زهرة تبكي بمرارة بينما كان ناصر يحاول تهدئتها، لكن عينيه كانتا تفيضان بالدموع.
تقدم نجم الدين بقلق: "ما الذي يعاني منه الأمير؟"
أجاب الطبيب بصوت مرتجف: "سم قاتل يا بني نتيجة طعنة غادرة من أخيه... ولا أمل إلا بعشبة الزعفران البري النادرة لكنها غير موجودة."
قال نجم الدين بثقة: "هذه العشبة موجودة في مؤن سفينتي! أحضرتها معي من رحلتنا!"
نظر الجميع إليه باندهاش، فأكمل: "لقد جمعتها من جزيرة الشيطان دون أن أعرف قيمتها حينها!"
أمسكت زهرة بيد نجم الدين: "أنقذه يا بني! وستكون روحي فداءً لك!"
سحب نجم الدين يده وانحنى بأحترام للسلطانة: "العفو ياسيدتي لا تقولي هذا! سأذهب لأحضار العشبة فوراً."
انطلق نجم الدين كالسهم خارج القاعة، وكل خطوة من خطواته كانت تحمل أمل إنقاذ حياة الأمير الشاب. بينما عاد الجميع إلى جانب السرير، حيث كانت زهرة تهمس في أذن ابنها: "اصبر يا ولدي، فالأمل مازال موجوداً!"
كانت الدموع لا تزال تنهمر، لكن نظرة الأمل عادت إلى عيني الوالدين، بينما وقف معتصم وقمر الدين وغالب ومرجانة يدعون في صمت، والطبيب يستمر في محاولاته اليائسة للحفاظ على شرارة الحياة في جسد الأمير المغيب.