نجم وقمر - الفصل الحادي والعشرون: نار الحرب - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نجم وقمر
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الحادي والعشرون: نار الحرب

الفصل الحادي والعشرون: نار الحرب

الافتراء والاستيلاء: في قاعة العرش بسلطنة الصخر الأسود، وقف حازم بن ناصر على المنصة العالية، محاطاً بقادة الجيش. كانت عيناه تلمعان بنيران الانتقام والطموح الجامح. "أيها القادة الشرفاء، لقد وقعت جريمة بشعة! سلطنتا الريحان البهي والنجم الساطع قد اغتالتا الأمير عدنان!" ارتفعت أصوات الاستنكار والغضب في القاعة. "لقد خانوا الأمانة، ودنسوا حرمة الضيافة! ولم يكتفوا بقتل الأمير عدنان، بل قتلوا والديّ أيضاً!" "الانتقام! الانتقام!" صاح الجنود. "لقد اختطفوا السلطان ناصر والسلطانة زهرة، وقتلوهم! ولن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الجريمة!" "نحن معك يا مولاي!" صاح أحد القادة. "لن نسمح لهؤلاء الخونة بالتمادي في جرائمهم! سنذهب لأخذ ثأرنا وإنقاذ شرفنا!" بدأت طبول الحرب تدق في أرجاء القصر، وانتشرت الأخبار المزيفة في كل أنحاء السلطنة. كان حازم ينسج خيوط الكذب بمهارة، مستغلاً حب الشعب لعدنان ووالديه لتحقيق مآربه. "جهزوا الجيوش! استعدوا للحرب! سنعلمهم درساً لن ينسوه!" كانت الخطة الشيطانية قد اكتملت، والحرب أصبحت وشيكة، والأبرياء على وشك أن يدفعوا ثمن كراهية رجل واحد وحقده. الحدس الأخوي: جلست ياسمين أمام نافذة منزل نجم الدين، تحدق في الأمواج العالية التي تضرب الشاطئ بعنف. كانت عيناها الزمرديتان تحملان نظرة حالمة، وقلبها يخفق بإيقاع غريب. "ما بكِ يا ياسمين؟ أراكِ شاردة البال منذ الصباح." قالت فاطمة وهي تقترب منها. "أشعر بشيء غريب يا خالتي فاطمة. كأن قلبي يخبرني أن أخي في الطريق إلينا." "هذا شعور جميل. فربما يكون قد اقترب من نهاية رحلته." "لكنني أشعر بالقلق أيضاً. الأمواج عالية والرياح قوية. أتمنى أن يكون في أمان." "لا تقلقي، فأخوكِ من أمهر البحارة، والله يحميه من كل سوء." "إنه شجاع وقوي، لكن قلبي لا يزال يخفق بشدة." "هذه مشاعر الأخت الحنون. عندما يعود، سنسمع منه أجمل القصص عن رحلته." نظرت ياسمين إلى الأفق البعيد، وكأن عينيها تبحثان عن سفينة أخيها بين الأمواج. كانت تشعر في أعماقها أن اللقاء قريب، وأن الفرحة على الأبواب. الحقيقة المرة: قرب الفجر، دخل الحارس إلى قاعة العرش حيث كان السلطان فخر جالساً في انتظار أي تطور جديد. "يا مولاي، وصل السلطان ناصر والسلطانة زهرة." "أدخلهما فوراً!" دخل السلطان ناصر وزوجته زهرة إلى القاعة، وكانت علامات التعب والإرهاق بادية عليهما. "فخر، ما هذا الاستقبال في هذه الساعة؟" سأل ناصر. "لقد أنقذتكما من خطر محدق!" "أي خطر؟ وأين عدنان؟!" سكت السلطان فخر لحظة، ثم قال بصوت حزين: "عدنان... لقد تعرض لمحاولة اغتيال." "ماذا؟!" صرخت زهرة. "من فعل هذا؟" سأل ناصر بلهفة. "كل الدلائل تشير إلى أن حازم هو المنفذ." "حازم؟! ابني؟!" قال ناصر وهو يرتجف. "لقد جئتما إلى هنا لأن حازم كان ينوي قتلكما كما حاول قتل عدنان." سقطت زهرة على ركبتيها تبكي: "لا... هذا مستحيل!" "أريد أن أراه! خذني إلى عدنان يافخر!" طلب ناصر. "اتبعاني." سار الجميع إلى جناح الضيافة حيث كان عدنان يرقد في غيبوبة. عندما رأى الوالدان ابنهما الشاحب والدماء على ملابسه، انهارا تماماً. "يا ولدي! يا نور عيني!" بكت زهرة وهي تمسح وجهه. "من أجل ماذا فعل هذا؟ من أجل السلطنة؟ فلتذهب السلطنة الى جهنم! كيف لأخ أن يقتل أخاه هكذا؟!" صاح ناصر وهو يمسك بيد ابنه الباردة. بينما كان الوالدان منحنيان على فراش ابنهما، فتح عدنان عينيه بصعوبة، ونظر إليهما بنظرة ضعيفة لكنها مليئة بالحب والارتياح. "أبي... أمي.... هل... أنتما... بخير؟" "نعم يا ولدي، نحن بخير، بفضل الله ثم صديقنا السلطان فخر." قال ناصر وهو يمسك بيد ابنه. "حازم... كان يريد... قتلكما..." "لا تفكر في هذا الآن، فقط ركز على التعافي." قالت زهرة وهي تمسح دموعها. "أشعر... أنني... سأموت... لا أريد... أن أرحل... دون رضاكما عني..." "لا تقل هذا الكلام! ستشفى وستنجو!" قالت زهرة بحزم وهي تحتضنه. "أنت قوي يا بني، ستتغلب على هذا." أضاف ناصر. حاول عدنان الابتسام، لكن الألم كان أقوى منه. "أنا... فخور... بكوني... ابنكما..." "ونحن فخورون بك أكثر مما تتخيل." قال ناصر. "أنت أفضل الأبناء، وأطيب قلب يا عدنان." بكت زهرة. لكن السم كان يؤثر في جسده بشكل كبير، وبدأ وعيه يغيب مرة أخرى. "أشعر... بالنعاس..." "حارب يا بني! ابق معنا!" نادته زهرة. لكن عدنان أغمض عينيه وفقد وعيه مرة أخرى. التفت السلطان فخر إلى الوالدين: "هناك أمل، لو وجدنا عشبة الزعفران البري. فرق البحث تبحث عنها في كل أنحاء السلطنة." "أي أمل، حتى ولو كان ضئيلاً، سنتمسك به." قال ناصر. بقي الوالدان جالسين بجانب فراش ابنهما، يمسكان بيديه، ويدعوان الله أن يمنحه فرصة أخرى للحياة. إعلان الحرب: في قاعة الاجتماعات بقصر النجم الساطع، كان السلطان حسان يجتمع بقادة الجيش ومستشاريه عندما دخل الأمين بن صالح. "يا مولاي، أخبار خطيرة من سلطنة الصخر الأسود!" "ما الخبر؟" "الأمير حازم يعلن الحرب على سلطنتنا وسلطنة الريحان البهي، ويتهمنا بقتل شقيقه عدنان ووالديه!" ساد الصمت المطبق في القاعة، ثم انفجر الجميع بالاستنكار. "كذب وافتراء!" صاح القائد العام للجيش. "كيف يتهمنا بجريمة هو من ارتكبها؟" قال المستشار الأول. وقف السلطان حسان، وعيناه تلمعان بالغضب والحزم. "هذه ليست مجرد اتهامات كاذبة، بل هي خطة شيطانية لشن الحرب." "ما توجيهاتك يا مولاي؟" "أولاً: سنرسل رسائل إلى جميع السلطنات المجاورة نوضح فيها الحقيقة. ثانياً: سنجهز الجيش للدفاع، ولكن لن نبدأ بالهجوم. ثالثاً: سنعمل على إثبات براءتنا بكشف الحقائق." "وماذا عن السلطان ناصر وزوجته؟" "هم تحت حمايتنا في الريحان البهي، وسنعمل على إعادتهم إلى عرشهم." بدأت الاستعدادات الحربية، والجميع يدركون أن مواجهة شرسة قادمة، لكنهم مصممون على الدفاع عن حقهم وكشف زيف الاتهامات. طريق العودة: كانت سفينة النسر تشق عباب البحر بلطف، وكأن الأمواج نفسها تتناغم مع فرحة العائدين. الشمس تميل نحو الغروب، تلوّن السماء باللون البرتقالي، بينما كانت الرياح المؤاتية تملأ الأشرعة بنعمة لم يحسوها في رحلة الذهاب. على ظهر السفينة، كانت مرجانة تدور كفراشة سعيدة، تنتقل من مكان إلى آخر وهي تردد: "سنأكل طعاماً طازجاً! سنشرب شراباً بارداً! سننام في أسرّة ثابتة!" وقف غالب يتظاهر بالغضب: "وأنسيتِ أنكِ ستأكلين حصتي أيضاً؟ كأنك جيش جرار يقتحم مائدة الطعام!" "بل سأطعمك من يدَي يا حبيبي!" ردت مرجانة وهي تضحك. "سأعد لك أطيب الأكلات!" "أطيب الأكلات؟ أم أكثرها كمية؟" قال غالب مازحاً. "أخشى أن تتحول السفينة إلى مطبخ متحرك وأنتِ طباخته!" "بل سأكون زوجتك التي تطعمك حتى تشبع!" "إذا أطعمتيني كما تقولين، فسأحتاج إلى سفينة أكبر لأحمل بطني!" كانت ضحكاتهما تملأ السفينة، بينما كان بقية الطاقم يشاركان في الفرحة بطريقته. قاسم يفحص الدفة برضا، ومهيب يصقل السيف بابتسامة، وصخر يصلح الحبال وهو يهمس بشكر الله. في ركن هادئ من السفينة، جلست قمر الدين تحدق في الأفق البعيد حيث تلوح معالم السلطنة. كانت عيناها تعكسان قلماً خفياً، وكفّاها تتشابكان في حيرة. "ما الذي يقلقكِ يا قمر؟" قال نجم الدين وهو يقترب منها برفق. "أخاف من مواجهة والدي... بعد كل ما حدث." "قلب الأب أرحم من أن يحمل ضغينة لابنته." "لكنه قد يكون غاضب من هروبي... ومن بقائي معك كل هذه الفترة." "إن كان هناك غضب، فسيكون غضب حب وخوف. ولو علم كيف كانت رحلتنا، لعلم أنكِ كنتِ في أيد أمينة." "أتدري يا نجم الدين؟ لقد كانت هذه الرحلة أجمل أيام حياتي، رغم كل المخاطر." "لأنها كانت رحلة حرية... رحلة اكتشفتِ فيها نفسك." "اكتشفت فيها قلبي أيضاً." همست بصوت خافت. تقدم نجم الدين خطوة، وعيناه الزمرديتان تلمعان في ضوء الغروب. "وأنا أيضاً اكتشفت أن البحر الواسع لم يعد يكفيني... فقلبك أصبح بحراً أبحر فيه طوال حياتي." "سأكرر سؤالي هل يليق بالبحر أن يلتقي بالقمر؟" "وأنا سأكرر أجابتي البحر والقمر لا يفترقان... كما لن نفترق نحن." مد يده فمسك بيدها برقة. "سأكون بجانبك عندما تواجهين والدك. سأخبره كيف كانت شجاعتك، وكيف ضحيت من أجل حريتك." "وإن رفض؟" "فسأظل أنتظر حتى يرى في عينيكِ نفس البراءة التي أراها الآن." كانت كلماته تنساب كالنغم، تذيب جليد خوفها. شعرت بأن قلبهما يخفقان في إيقاع واحد، وكأن الأمواج حولهما تتراقص على نغم مشاعرهما. في تلك اللحظة، صاح قاسم من أعلى الصاري: "السلطنة! أرى أنوار السلطنة في الأفق!" التفت الجميع نحو الاتجاه الذي يشير إليه. بدأت ملامح السلطنة تظهر تدريجياً، كحلم يتحقق بعد غياب طويل. قال نجم الدين وهو يضغط على يد قمر: "ها قد عدنا... لكننا عدنا مختلفين." "عدنا وأنا أعرف من أكون... وماذا أريد." "وهل تعرفين ما تريدين الآن؟" "أريد قلباً يحترم حريتي... ويداً تمسك بيدي في رحلة الحياة... أريدك أنت يانجم الدين." كانت الكلمات تخرج من أعماق قلبها، صادقة ونقية. في ضوء الغروب البرتقالي، بدت قمر الدين كملكة من ملكات الأساطير، قوية وجميلة، تعرف دربها وتقبل عليه بثقة. بدأت السفينة تقترب من الميناء، حيث كانت الأنوار تتلألأ كالنجوم في الليل، ترحب بالعائدين بعد رحلة مليئة بالأخطار والأسرار، حاملين معهم سيفاً أسطورياً وأملاً في غد أفضل، وقصة حب ولدت في أحضان البحر.