الفصل التاسع عشر: الاختبار الأعظم
وساوس الضباب:
بدأ الضباب الكثيف يلف السفينة، وتحول النهار إلى ظلام دامس. سمع الجميع أصواتاً تهمس في آذانهم، ورأوا ظلالاً تتحرك من حولهم.
"لا تصدقوا ما تسمعونه! لا تتبعوا ما ترونه!" صاح نجم الدين.
رأت قمر الدين صورة والدها يناديها: "تعالي يا ابنتي، لقد اشتقت إليكِ!"
كادت تنجرف نحو الصوت، لكنها تذكرت كلمات نجم الدين: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!"
أما غالب، فرأى مرجانة تسقط في البحر: "أنقذني يا غالب!"
همّ بالقفز، لكن نجم الدين أمسك به: "إنها خدعة! اثبت! مرجانة ها هي بجانبك!"
كان الرجل العجوز يرى أشباح رفاقه القدامى ينادونه: "تعال معنا!"
ردّ بصوت مرتجف: "اللهم احفظني من وسواس الخناس!"
سالم وعزيز رأيا أهلهما يتضورون جوعاً: "أنقذونا!"
كادا يقعان في اليأس، لكن نجم الدين ناداهما: "هذه أوهام، أنهم ليسوا حقيقيون!"
أما مرجانة، فقد سمعت أصوات أطباق الحلوى تناديها: "تعالي وتناولينا!"
ردت بثبات: "لا حاجة لي بطعام الشيطان!"
ظل نجم الدين ثابتاً في مكانه، يردد الآيات القرآنية، ويوجه طاقمه:
"اثبتوا يا إخوة! الإيمان درعنا، والقرآن سلاحنا!"
بعد ساعات من الكفاح، بدأ الضباب يتراجع تدريجياً، وظهر نور الشمس من جديد. كان الجميع منهكين، لكنهم منتصرين بفضل تمسكهم بإيمانهم.
قال نجم الدين بصوت متعب: "انظروا! ها هي جزيرة الشيطان تلوح في الأفق!"
نظر الجميع إلى الجزيرة البعيدة، وهي تبدو كحلم مخيف ينتظرهم.
الاستعداد للمهمة:
في جناح الأمير عدنان بقصر الصخر الأسود، كان يرتدي زياً رسمياً مزركشاً بالفضة، يستعد للانطلاق إلى سلطنة الريحان البهي. دخل عليه والداه وهما يظهران عليهما علامات القلق.
"يا بني، لما لا تؤجل الرحلة يومين؟ لقد أعددنا لك احتفالاً كبيراً بمناسبة عودتك." قالت زهرة.
"أمي الحبيبة، شكراً لكما، لكن ما أفعله الآن أهم من أي احتفال."
"ما هذا الاستعجال يا عدنان؟" سأل ناصر.
"يجب أن أصلح ما أفسده حازم، وأعوض السلطنتين عن الخسائر التي تسببت بها سياساته الطائشة."
"لكن الطريق قد يكون خطراً." قالت زهرة.
"الحرس السري سيكون معي، وسأكون بحماية الله أولاً قبل أي شيء."
"ونعم بالله يا بني لكنني اخترت لك أفضل الرجال." قال ناصر. "سيختلطون بين حرسك الشخصي، ولن يعرفهم أحد."
"شكراً لك أبي."
"فقط احذر يا بني، فحازم قد يحاول الانتقام."
"لن أدع خوفاً يوقفني عن فعل الصواب."
"نحن نثق بك، لكن قلوبنا ستظل معك حيثما ذهبت." قالت زهرة.
"أعدكما بأنني سأعود حاملاً بشرى السلام لشعبنا."
انحنى عدنان يقبل أيدي والديه، ثم انطلق إلى موكبه، ممتطياً حصانه الأبيض، وعيناه تتقدان بعزمٍ وإصرار على تحقيق المصالحة والعدالة.
رسالة المصارحة:
جلس الأمير معتصم في جناحه، وأخذ يراسل والده السلطان حسان برسالة يخط فيها مشاعره وأفكاره.
"أبي الحبيب،
أكتب إليك وأنا ممتلئ القلب بالأمل والقلق. لقد اعترفت لياسمين بحقيقتي كأمير، وقد تقبلت الأمر برغم خوفها. وقد سبق أن أبلغتكم ب نيتي بالارتباط بها، وأعتزم الآن أن أصرح للسلطان فخر بن المنصور برغبتي في الزواج منها.
أعلم أن الطريق قد يكون صعباً، لكن قلبي يميل إليها، وهي تستحق كل التقدير والاحترام. أرجو منكم دعمي في هذه الخطوة.
ابنكم المطيع..
الأمير/معتصم"
دعا معتصم أحد حراسه الموثوقين وسلمه الرسالة.
"خذ هذه الرسالة إلى والدي في سلطنة النجم الساطع، ولا تتأخر."
"سمعاً وطاعة يا سمو الأمير."
بعد مغادرة الحارس، جلس معتصم يتأمل في مستقبله مع ياسمين. تذكر كيف كانت تخاف من ردة فعل أبيه السلطان وأخيها نجم الدين، وكيف كانت عيناها تلمعان بالحب مع الخوف.
"ياسمين، كم أتمنى أن أراكِ سعيدة بجانبي، و لا تخافين من شيء."
كان يعلم أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود، لكنه كان مستعداً لمواجهة أي تحديات من أجلها.
"إن كان الله قد كتب لنا أن نكون معاً، فسيهيء لنا السبل."
جلس يتفكر في اللحظة التي سيلتقي فيها بالسلطان فخر، وكيف سيعرض عليه طلبه بكل احترام وصدق. كان قلبه مليئاً بالأمل بأن القلوب ستتفتح لحبهما، كما انفتح قلب والده من قبل.
أولى خطوات الجزيرة:
وقف الجميع على شاطئ الجزيرة الغامض، حيث كانت الأشجار العملاقة تحجب معظم ضوء الشمس، والأصوات الغريبة تملأ المكان.
"ما هذا المكان المرعب!" قالت مرجانة وهي تتشبث بذراع غالب.
"لا تخافي يا بقرتي الحلوة! إن رأيتِ شيئاً مخيفاً، فاعلمي أنه مجرد غزال قبيح!" قال غالب بمحاولة فكاهية.
"غزال؟! ولكنني أسمع همسات!"
"تلك الهمسات ربما تكون معدتي تتذمر من الجوع!"
ابتسمت مرجانة رغم خوفها، بينما التفتت قمر الدين إلى نجم الدين:
"ماذا تتوقع أن نجد هنا؟"
"الحق أقول لكِ... لا أدري. هذه أرض مجهولة، وقد تخبئ ما لا عين رأت."
"ألا تخشى أن نعود خاليي الوفاض؟"
"المهم أن نعود بأرواحنا سالمة."
تقدم جاد باقتراح: "لما لا ننقسم إلى مجموعات؟"
"لا!" رد نجم الدين بحزم. "القوة في وحدتنا. إذا تفرقنا، أصبحنا فريسة سهلة."
بدأوا بالتقدم بحذر، ولفت انتباههم نقوش غريبة على الصخور، وأشجار متشابكة بشكل غير طبيعي. سمعوا صوت عصافير لكن لم يروا أي طيور، وشموا رائحة عطر غريبة تملأ الهواء.
فجأة، ظللت سحابة داكنة السماء، وهبت رياح قوية. سمع الجميع صوتاً غامضاً يهمس:
"من يتجرأ على دخول مملكتي؟"
أمسكت مرجانة بيد غالب بقوة، بينما تقدم نجم الدين للأمام:
"نحن مسافرون، نبحث عن شيء فقدناه!"
رد الصوت بصوت مرعب: "ما تبحثون عنه سيجلب لكم الهلاك!"
في تلك اللحظة، انفتح باب خفي في إحدى الصخور، وكشف عن ممر مظلم يقود إلى أعماق الجزيرة. كان الاختيار صعباً: الدخول إلى المجهول، أو العودة خاليي الوفاض.
الحفل والقلق الخفي:
في قاعة الاحتفالات الفاخرة بقصر الصخر الأسود، حيث المشاعل الذهبية تضيئ المكان وتنتشر الزهور العطرة، كان الحفل على شرف عودة الأمير عدنان في أوجه. لكن في ركن هادئ بعيداً عن الضيوف، وقفت السلطانة زهرة إلى جانب زوجها السلطان ناصر، تبدو على محيَاها علامات القلق.
"ناصر، قلبي لا يطمئن لسفر عدنان. أتخوف عليه من الغدر."
"لا تخافي يا زهرة، فقد أخذنا كل الاحتياطات. الحرس السري يرافقه في كل خطوة."
"لكن نظرة حازم قبل مغادرته كانت تحمل شراً يقلقني."
"حازم غاضب، وهذا طبيعي. لكنه لن يقدم على أي تصرف يضر بأخيه."
"لماذا لم يحضر الحفل إذن؟! أليس هذا دليلاً على أنه يخطط لشيء ما؟"
"ربما يحتاج إلى وقت وحده ليهدأ. الغضب قد يدفع الإنسان إلى الانعزال."
"أتمنى أن يكون الأمر كما تقول. لكنني أشعر في قلبي أن هناك عاصفةً قادمة."
"دعينا نتمتع بهذه اللحظة، وندعو الله أن يحفظ ابننا عدنان ويعود إلينا سالماً."
"اللهم احفظه بحفظك، وارعاه بعينك التي لا تنام."
تبادلا نظرة حزينة، ثم عادا إلى الضيوف مبتسمين، لكن قلوبهما كانتا تحملان همّاً غامضاً، وخوفاً من مستقبل مجهول.
الاستقبال الملكي:
وصل موكب الأمير عدنان إلى قصر الريحان البهي، حيث استقبله السلطان فخر بن المنصور والأمير معتصم في البهو الرئيسي بحفاوة بالغة. كانت الطبول تدق والأعلام ترفرف مرحبة بالضيف الكريم.
"مرحباً بك يا أيها الأمير في سلطنتنا." قال السلطان فخر.
"شكراً لجلالتكم على هذا الاستقبال المشرف." رد عدنان بانحناءة محترمة.
"لقد سمعنا الكثير عن حكمتك، ويسرنا أن نرى ذلك بأنفسنا." أضاف معتصم.
دخل الجميع إلى قاعة الضيافة الفاخرة، حيث جلسوا على مقاعد من الحرير المطرز بالذهب.
"أود أن أعبر عن خالص اعتذاري عن كل ما حدث من شقيقي حازم." قال عدنان.
"الخطأ ليس خطأك، وأنت بريء منه." رد السلطان فخر.
"و مع ذلك، سأعمل على تعويض كافة الخسائر التي لحقت بسلطنتكم."
"هذا كرم منك، لكن الأهم هو بناء مستقبل أفضل لشعبينا."
"أوافقكم الرأي. ولذلك أريد أن نعمل على اتفاقية تعاون دائمة بين سلطنتينا."
"هذا شرف لنا أيها الأمير." قال معتصم.
بعد حديث طويل شمل خطط التعاون المستقبلية، التفت السلطان فخر إلى الخدم:
"ارشدوا الأمير إلى جناح الضيافة ليرتاح من عناء السفر."
"شكراً لحسن ضيافتكم." قال عدنان وهو ينهض.
"نوماً هنيئاً، وغداً نكمل حديثنا." ودعه السلطان فخر.
غادر عدنان القاعة بحماية حراسه، تاركاً وراءه انطباعاً طيباً وبداية واعدة لعلاقة جديدة بين السلطنتين.
الغدر الأخوي:
دخل الأمير عدنان إلى جناح الضيافة الفاخر، وأخذ الخدم في ترتيب أمتعته ومغادرتهم واحداً تلو الآخر بينما خلع عباءته. وعندما استدار، وجد خادماً يرتدي زيّ سلطنة الصخر الأسود يقترب منه، وفجأة شهق شهقة مؤلمة نتيجة شعوره بآلام مبرحة أخترقت بطنه.
أنزل الخادم اللثام عن وجهه ليظهر أنه حازم، وعيناه تلمعان بالحقد.
"اغفر لي يا أخي، لكنني لن أسمح لك بأخذ ما أفنيت عمري من أجله!"
حرك حازم الخنجر داخل جسد أخيه، وهمس بصوت مسموم:
"طوال حياتنا، كنت المفضل لدى أبي وأمي. كنت الذكي، الحكيم، المثالي! أما أنا فلم أكن سوى الظل الخافت لهذه العائلة!"
"حازم... لم... أكن... أتوقع..." تحدث عدنان بصعوبة.
"هل كنت تتوقع أنني سأسمح لك بالعودة والاستيلاء على كل شيء؟ لقد خططت لهذه اللحظة منذ أن أعلنوا عزلي عن الأمارة!"
"كنت... سأتنازل... لك... عن العرش... بعدما أتأكد... من صلاح حالك." قال عدنان وهو يحاول إيقاف النزيف.
"لا أريد منك أن تشفق عليّ... أريد أخذ ما أستحق بيدي."
لاحظ حازم بداية تأثير السم على أخيه، فتوسعَت حدقتاه بالتشفي وقال:
"انظر! لقد بدأ مفعول السم! سيصبح جسدك كالصخر ثقيلاً!"
"لا... أرجوك..." همس عدنان والدماء تسيل من شفتيه.
"لا تطلب الرحمة! فبعدك سأتخلص من أبيك وأمك! لا مكان للضعفاء في سلطنتي!"
عندما سمع عدنان تهديد أخيه بقتل والديه، امتلكته قوة مفاجئة للحديث:
"حازم... أتوسل إليك... لا تؤذِ والديّ... افعل بي ما شئت لكن... اتركهما."
"أما زلت تفكر فيهما؟! لا تقلق سأجعلكما تلتقيان في جهنم!"
طعنه حازم طعنة أخيرة قاتلة، ثم سحب الخنجر وهو يضحك ضحكة مجنونة.
سقط عدنان على الأرض، والدماء تنزف من جروحه العميقة. حاول الزحف نحو الباب لكن جسده خذله.
"أشهد... أن لا... إله... إلا... الله..."
لم يستطع إكمال الشهادة وأختنق صوته بالدم، وأسلم أمره لنهايته. بينما كان حازم يغادر الغرفة، نظر إلى أخيه الممدد على الأرض وقال:
"وداعاً أيها الأمير المثالي!"
أغلق الباب بقسوة، تاركاً عدنان ينزف وحيداً في الغرفة، بينما كانت صور والديه آخر ما علق في ذهنه قبل أن ينجذب تجاه مصيره المحتوم.