نجم وقمر - الفصل الثامن عشر: الحق والطغيان - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نجم وقمر
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثامن عشر: الحق والطغيان

الفصل الثامن عشر: الحق والطغيان

المواجهة الأخوية: بعد أن غادر القادة، التفت حازم إلى عدنان بعينين تملؤهما الغضب. "لن أتحدث معك على انفراد! من أنت حتى تأمرني؟" قال حازم بغضب. "أنا أخوك الأكبر، وأمير هذه السلطنة الشرعي هل نسيت هذا؟!" رد عدنان بثبات. "أمير؟! لقد هربت لسنوات وتعود الآن لتأخذ ما لم تبنِه!" رد حازم بسخرية. "الشرعية لا تُكتسب بالهرب أو البقاء، بل بالحق والعدل." رد عدنان بحكمة ثابتة. "حق؟! وما حقك أنت هنا؟ لقد هربت و تركت السلطنة وأهلها لسنوات!" قال حازم بغضب. "لم أهرب، بل ذهبت لأتعلم كيف أخدم شعبي بشكل أفضل." رد عدنان بثبات هادئ. "خدمة الشعب؟! كلمات جميلة تقال في القصور!" رد حازم بتهكم. في هذه اللحظة، توجه حازم إلى والده بنبرة غير لائقة: "تكلم أيها الأب الضعيف، كيف تسمح له أن يتحدث إليّ هكذا؟" وقف عدنان بينهما بحزم: "لا تتجاوز حدودك مع والدك! فالحكم الشرعي له وليس لك!" "الحكم الشرعي؟! سأريكم ما يستحقه الحكم!" همس حازم لعدنان بنبرة تهديدية: "ستندم على عودتك، أيها الأخ العزيز." قبل أن يخرج، أعلن السلطان ناصر: "بحكم سلطتي، أعزلك يا حازم من ولاية العهد وأعين عدنان بدلاً منك." احمر وجه حازم غضباً، لكنه تماسك وقال: "كما تأمر... يا صاحب الجلالة." خرج حازم من القاعة، وعيناه تشعان بالحقد والغضب. بعد مغادرته، التفت عدنان إلى والديه: "اسمحا لي بالانصراف للراحة من عناء السفر." "بالطبع يا بني." قال ناصر. "وسأتواصل مع سلطنة الريحان البهي لترتيب زيارة خاصة لهم." "لما هذه العجلة يا بني؟ خذ قسطاً من الراحة." قالت زهرة. "لأن السلام بين السلطنتين يجب أن يعود بأسرع وقت." "كم اشتقنا إليك يا عدنان." قال ناصر. "وأنا أيضاً أشتقت إليكم يا أبي، لكن واجبي تجاه شعبنا كان يستحق التضحية." "لقد أصبحت رجلاً أفضل مما توقعنا." قالت زهرة. "الفضل لكم، فأنتم من علمتموني أن القيادة الحقيقية هي في خدمة الشعب، لا في السيطرة عليه." غادر عدنان القاعة، تاركاً والديه فخورين به، لكن قلوبهم قلقة من رد فعل حازم الذي خرج وهو يحمل في صدره نار الحقد والرغبة في الانتقام. النار الكامنة: دخل حازم إلى جناحه وأغلق الباب بعنف، ثم أخذ يتمشى في الغرفة بخطوات سريعة مضطربة. كانت عيناه تتقدان بنار الغضب، ويداه ترتجفان من شدة الحنق. "كيف يتجرأ؟! كيف يعود بعد كل هذه السنوات ويأخذ ما هو لي؟!" توقف أمام النافذة المطلة على حدائق القصر، حيث كان يمكنه رؤية الأضواء تتلألأ في أجنحة القصر الأخرى. "لطالما كان المفضل لديهم... حتى حين كان غائباً!" اقترب من خزانة ملابسه، وفتحها بعنف، ثم أخرج خنجراً مطعماً بالجواهر كان هدية من والده في عيد ميلاده الثامن عشر. "حان وقت أستخدام هديتك يا أبي العزيز!" جلس على كرسي بالقرب من المدفأة، وأخذ يمسح الخنجر بقطعة قماش بحركات متشنجة. "الفرصة الذهبية قد حانت... و لابد أن أنتهزها." نظر إلى الخنجر بعينين ضيقتين، ثم قام إلى خزانة الأدوية في زاوية الغرفة. أخرج قارورة صغيرة تحتوي على مسحوق أبيض. "سيكون هذا رفيق الخنجر في رحلته." بدأ بفرك شفرة الخنجر بالمسحوق بحرص، وعيناه لا تفتران عن المراقبة. كانت كل حركة من حركاته تحمل نية مبيتة، لكنه كان حريصاً على ألا يظهر ذلك. "ليس الليلة... يجب أن أنتظر اللحظة المناسبة." وضع الخنجر المسموم في غمده، ثم أخفاه تحت وسادة كرسيه. جلس مرة أخرى، وتنهد تنهيدة عميقة. "سيظنون أن الأمر حادث... أو عمل من أعمال الأعداء." نظر إلى انعكاس صورته في المرآة، وهمس: "السلطنة ستكون لي... و بأي ثمن." كانت خطته تتبلور في ذهنه، لكنه احتفظ بها لنفسه، ينتظر اللحظة المناسبة لتنفيذها، حين يكون الجميع غير متوقعين لأي شيء. معركة الأمواج: عندما دخلت السفينة منطقة الأمواج الهائجة، ارتفعت الأصوات بالتكبير والاستغاثة بالله. وقف نجم الدين في مقدمة السفينة، ممسكاً بدفة القيادة بيديه القويتين. "الجميع إلى مواقعهم! قاسم، ثبت الدفة! مهيب، شد الأشرعة! جاد، أغلق نوافذ الغرف!" كانت الأمواج تضرب السفينة بعنف، والمياه تتسرب إلى الداخل بكميات كبيرة. هرع كل فرد إلى مهمته بجدية وحزم. في الغرفة، كانت مرجانة تحتضن قمر الدين بخوف. "دعينا ندعوا الله معاً يا مرجانة. إنه نعم المعين وسينجينا مما نحن فيه." "لكنني خائفة! السفينة قد تنقلب!" "توكلي على الله، فهو خير حافظاً لا تقلقي." كان نجم الدين يتسلق الصاري الرئيسي رغم شدة الرياح، محاولاً توجيه السفينة بين الأمواج العاتية. كانت الأشرعة تتمزق، والمياه تغمر سطح السفينة، لكن الجميع كان يعمل بإصرار. بعد ساعات من الكفاح، بدأت الأمواج تهدأ تدريجياً، وظهرت بشائر النجاة. عندما وصلت السفينة إلى مياه أكثر هدوءاً، تنفس الجميع الصعداء. نهض غالب متعباً، وقال: "دعوني أطمئن على بقرتي كاملة الدسم! لا بد أنها جائعة من الخوف!" ردت مرجانة من خلف باب الغرفة: "البقرة بخير، لكنها تريد منك طبق حلوى كتعويض!" ضحك الجميع، وبدأوا في إصلاح ما أتلفته العاصفة، شاكرين الله على النجاة. رسالة السلام: دخل الحرس إلى قاعة العرش برفقة مبعوث من سلطنة الصخر الأسود، وكان المبعوث يرتدي ملابس رسمية ويحمل رسالة مغلقة بختم الأمير عدنان. "يا صاحب الجلالة، هذه رسالة من الأمير عدنان بن ناصر." تقدم السلطان فخر وأخذ الرسالة بترحاب، ثم فتحها وقرأ محتواها بصوت مسموع: "إلى صاحب الجلالة السلطان فخر بن المنصور، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أتقدم إليكم بأصدق مشاعر الاحترام والإجلال، وأرجو من حضرتكم التكرم بالموافقة على زيارتي المتواضعة لسلطنتكم المباركة. أتمنى أن تكون هذه الزيارة بداية لعهد جديد من التعاون والصداقة بين سلطنتينا. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير، الأمير/عدنان بن ناصر." رفع السلطان فخر رأسه من الرسالة مبتسماً، ثم قال للمبعوث: "بلغ الأمير عدنان أن أبواب سلطنتنا مفتوحة له في أي وقت. إننا نرحب به ترحيباً حاراً، وننتظر قدومه بفارغ الصبر." "شكراً يا صاحب الجلالة. سأبلغ الأمير بردكم الكريم فوراً." بعد مغادرة المبعوث، التفت السلطان فخر إلى مستشاريه: "يبدو أن عدنان يحمل نفس حكمة والده. ربما تكون هذه بداية لعهد جديد من السلام." بينما في تلك اللحظة في قصر سلطنة النجم الساطع، دخل مبعوث آخر من سلطنة الصخر الأسود إلى قاعة العرش برفقة احدى الحراس، حيث كان السلطان حسان يجتمع بمستشاريه. تقدّم المبعوث بانحناءة محترمة وسلم الرسالة إلى الحاجب الذي قدمها بدوره للسلطان. "يا صاحب الجلالة، هذه رسالة من الأمير عدنان بن ناصر." فتح السلطان حسان الرسالة وقرأها بصوت واضح: "إلى صاحب الجلالة السلطان حسان بن القاسم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أتوجه إليكم بأسمى كلمات التقدير والاحترام، وأود إبلاغكم أن محاولة الهجوم على سلطنتكم قد تم إحباطها بحمد الله. كما أعتذر عميق الاعتذار عن جميع الأفعال الخاطئة التي صدرت من شقيقي حازم، والتي لا تمثل بأي حال رغبة شعبنا أو قيادتنا الشرعية. أتطلع إلى عهد جديد من التعاون والصداقة بين سلطنتينا، وإلى توقيع اتفاقيات تعزز الأمن والازدهار لشعبينا. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير، الأمير/عدنان بن ناصر" وضع السلطان حسان الرسالة ثم نظر إلى المبعوث بنظرة طمأنينة: "بلغ الأمير عدنان أننا نقدر خطوته الشجاعة، ونرحب بالتعاون بين السلطنتين. إننا نعتبر هذه الرسالة بداية لمرحلة جديدة من العلاقات الطيبة بيننا." "شكراً لكم يا صاحب الجلالة، سأبلغ الأمير بردكم الكريم فوراً." بعد مغادرة المبعوث، التفت السلطان حسان إلى مستشاريه: "يبدو أن الأمير عدنان يحمل في قلبه حكمة نادرة. ربما تكون هذه نهاية لحقبة الصراعات وبداية لعهد السلام." كانت كلمات الرسالة قد نشرت جوًا من التفاؤل في القاعة، حيث بدأ الجميع يتناقشون في خطط التعاون المستقبلية بين السلطنتين. الثقة والأمومة: جلست ياسمين في غرفتها، تمسك بين يديها بالقلادة التي أهداها لها معتصم، وعيناها تسبحان في بحر من التأمل. كانت كلماته الأخيرة تدور في خاطرها: "منذ أن عرفتكِ، أصبح للحياة معنى جديد." "أمير... من كان يظن أن قلبي سيختار أميراً؟" دخلت فاطمة الغرفة بخطوات متثاقلة، وقد بدت عليها علامات الإعياء. نهضت ياسمين مسرعة وأجلستها بلطف. "اجلسي يا خالتي فاطمة، لا تتعبين نفسك." "شكراً لك يا ابنتي، الهدية كانت جميلة جداً." "أنتِ تستحقين أكثر من ذلك. لقد كنتِ لي كالأم طوال الوقت." "لكنني أراكِ قلقة. ما بكِ يا ابنتي؟" "خالتي فاطمة، تعرفين ذلك الشاب معتصم؟" "نعم، ما به؟" "إنه... أمير سلطنة النجم الساطع." اصفرّ وجه فاطمة من الدهشة، ثم ابتسمت ابتسامة عريضة. "أمير؟! الحمد لله! هذه بشرى سارة!" "لكنني خائفة. أنا فتاة بسيطة، وهو أمير." "وهل الأمير ليس بشراً؟! الحب يشرف عندما يكون نزيهاً." "وأخي كان يعلم بأنه أمير، ووالد الأمير موافق على ما يحدث." "انظري كيف كتب الله لكِ الخير! هذه نعمة عظيمة." "لكن الناس سيتكلمون." "دعي الناس تتكلم، فالكلام لا يغير من الحق شيئاً." "أنتِ محقة... أنا أحبه حقاً يا خالتي." "وهو يحبكِ، وهذا واضح من خلال تصرفاته. استمري في الدعاء، واتركي الباقي على الله." احتضنت ياسمين فاطمة بشدة، وشعرت بأن قلبهما أصبحا كقلب واحد، تملؤهما المحبة والأمل في مستقبل مشرق. مواجهة الضباب القاتل: وقف نجم الدين على ظهر السفينة، محدقاً في الضباب الكثيف الذي بدأ يلوح في الأفق. جمع طاقمه وقمر الدين ومرجانة والرجلين الجديدين حوله. "اسمعوا جميعاً، الضباب الذي أمامنا ليس كأي ضباب عادي. إنه ضباب الشيطان، لا يُقاتل بالسيوف بل بالإيمان والعقل." قال قاسم: "كيف نواجه ما لا نراه؟" "سيحاول تشويش أفكاركم، وإثارة مخاوفكم، وإيهامكم بأمور غير حقيقية. القوي من يتمسك بعقله وإيمانه." سألت قمر الدين: "ماذا نفعل عندما يهاجمنا؟" "اربطوا قلوبكم بالله، ورددوا آيات القرآن. لا تصدقوا ما ترونه إلا بعد التأكد. إذا رأيتم شيئاً يخيفكم، فاستعيذوا بالله من الشيطان." قال الرجل العجوز: "لقد رأيت هذا الضباب يدمر عقول أقوى البحارة." "لن يدمّرنا إن تمسكنا بإيماننا بالله." أمسك نجم الدين بمصحف ووضعه على طاولة في منتصف السفينة. "هذا كتاب الله، وسيكون نبراسنا. من يشعر بضعف فليأتِ هنا." بدأ الضباب يلف السفينة، وتحول النهار إلى ليل. سمع الجميع أصواتاً غريبة، ورأوا ظلالاً تتحرك. "اثبتوا! لا تتبعوا الأصوات! لا تنظروا إلى الظلال!" كان نجم الدين واقفاً كالجبال، عيناه ثابتتان، ويداه ممسكتان بالدفة بقوة. "يا رب، احفظنا من شر هذا الضباب، وأرشدنا إلى الطريق المستقيم." بدأت السفينة تدخل في عمق الضباب، والأصوات تتعالى، والظلال تكثر. فجأة، صرخت مرجانة: "أحذروا! أنا أرى وحوشاً ضخمة قادمة!" "لا تصدقي ما ترين! استعيذي بالله يامرجانة!" كانت المعركة الحقيقية قد بدأت، معركة الإيمان ضد الخداع، والعقل ضد الوهم. والسؤال يظل معلقاً: هل سيتمكنون من العبور بسلام؟