الفصل السادس عشر: الإنقاذ
المواجهة والغفران:
نزل نجم الدين بسرعة إلى المغارة، وأسرع نحو قمر الدين التي كانت ترتعد خوفاً. أخرج خنجره وبدأ يقطع الحبال التي تقيدها، بينما كانت تحاول تحذيره بإشارات يائسة، لكن القماش المكمم لفمها منعها من الكلام.
فجأة، سمع نجم الدين صوت خطوات خلفه، ثم تلقى ضربة قوية على رأسه من سالم. سقط أرضاً ونزف الدم من جبينه. تقدم عزيز ليوجه له ضربة قاضية، لكن براء دخل مسرعاً وصد الهجوم بسيفه.
"لا تلمسه!"
نهض نجم الدين متأثراً بإصابته، وانضم إلى براء في القتال. بعد صراع قصير، تمكنا من إخضاع الرجلين وتقييدهما.
أسرع نجم الدين إلى قمر الدين، وفك القماش عن فمها بحرص، ثم قطع الحبال المتبقية. همّ ليحتضنها لكنه تراجع محافظاً على الأدب.
"هل أنتِ بخير؟"
"نعم... لكن رأسك ينزف!"
"لا تهتمي بي... أنا بخير."
التفت نجم الدين إلى الرجلين المقيدين، وعيناه تتقدان غضباً.
"أنتما تستحقان الموت لما فعلتموه!"
"ارحمنا! نحن مسلمان!" توسل سالم.
"نحن لم نرد إلا العودة إلى أهلنا!" أضاف عزيز.
"كيف تفسرون اختطاف فتاة بريئة؟" قال نجم الدين.
"لقد جرفنا البحر إلى هذه الجزيرة منذ أشهر. قاربنا تحطم، وعائلاتنا تنتظرنا في فقر مدقع." رد سالم.
"كانت هذه الفتاة فرصتنا الوحيدة للعودة إن قمنا ببيعها سنأخذ كثير من الاموال وسنتمكن من العودة لأهلنا." اضاف عزيز.
"بيع الإنسان حرام، حتى في أشد الظروف." قال نجم الدين.
"لكن الجوع يجعل الإنسان يفعل ما لا يريد." رد سالم.
"الأرزاق على الله. كان عليكم أن تطلبوا المساعدة لا أن تخطفوا الأبرياء." قال براء.
نظر نجم الدين إلى براء ثم قال: "سنأخذهم معنا. سنوفر لهم عملاً شريفاً في السلطنة، يكسبون منه ما يكفي لعودتهم إلى أهلهم."
"هل تعني بهذا أنك تسامحنا؟" قال سالم.
"نعم، ولكن بشرط أن تتوبا إلى الله ولا تعودا إلى هذا الفعل مجدداً." رد نجم الدين.
"نعدك! لقد تعلمنا الدرس." رد عزيز.
خرج الجميع من المغارة، تاركين وراءهم ظلام الأسر، متجهين نحو نور الأمل والمغفرة.
اللقاء والعناية:
كان الطاقم مجتمعاً حول النار، والقلق بادٍ على وجوههم. مرجانة تبكي بصوت عالٍ، بينما يحاول غالب تهدئتها.
"لا تبكي يا مرجانة، فسيدتك ستكون بخير."
"لكنني خائفة عليها! لو حدث لها مكروه ماذا سأفعل من دونها!"
"لن يحدث لها شيء بإذن الله... لكن عندما تعود، لا تركضي نحوها كالبقرة المنطلقة فتقعين!"
ضحكت مرجانة بين دموعها: "أعدك أنني سأتمهل!"
فجأة، صاح قاسم: "انظروا! لقد عادوا!"
ظهر نجم الدين وقمر الدين وبراء من بين الأشجار، ومعهما الرجلان المقيدان. هرع الجميع نحوهم، وبدأت مرجانة تركض بحماس لكنها تعثرت في طرف فستانها وسقطت أرضاً.
"قلت لكِ لا تركضي كالبقرة!" قال غالب وهو يحاول مساعدتها، لكنه تعثر وسقط بجانبها.
بعد أن نهضا، ركضت مرجانة إلى قمر الدين واحتضنتها بقوة.
"سيدتي الحمدلله على سلامتك! لقد خفتُ عليكِ كثيراً!"
"لا تخافي ياصديقتي، فأنا بخير."
بينما كان الطاقم يطمئن على نجم الدين وجرح رأسه، تقدمت قمر الدين إليه:
"دعني أعالج جرحك."
"لا داعي، إنه خدش بسيط."
"بل يجب تنظيفه جيداً."
جلست قمر الدين بجانب نجم الدين، وبدأت تنظف جرحه بعناية. كانت يداها ترتجفان قليلاً، وعيناها تفيضان بالامتنان.
"شكراً لك... لقد أنقذتني."
"لم أفعل سوى واجبي."
"بل فعلت أكثر من ذلك... لقد ضحيت بنفسك من أجلي."
"إنكِ تستحقين أكثر من ذلك."
نظر نجم الدين إلى قمر، ورأى في عينيها مشاعر لا تستطيع كلماتها التعبير عنها. كانت اللمسات الرقيقة بينهما تتحدث بلغة أعمق من الكلام.
أخيراً، وقف نجم الدين وأعلن: "سنستريح الليلة، وغداً نستكمل رحلتنا مع ضيفينا الجدد الى جزيرة الشيطان."
كانت النجوم تتلألأ في السماء، والنار تدفئ القلوب، والجميع يشعرون بأنهم أصبحوا عائلة واحدة تربطهم روابط أعمق من مجرد رحلة بحرية.
الاستعداد للقاء الابن البار:
في جناح السلطان ناصر بقصر الصخر الأسود، كان الجو يسوده التوتر والترقب. دخل الخادم سعيد إلى الغرفة بخطى سريعة، وعيناه تبرقان بالأمل.
"يا مولاي، مولاتي، بشّراكم! لقد وصلت الأخبار السارة!"
نهض السلطان ناصر من مقعده: "ما الخبر يا سعيد؟"
"قافلة الأمير عدنان على مشارف السلطنة! سيصلون خلال يومين على الأكثر!"
وضعت السلطانة زهرة يدها على صدرها: "الحمد لله! عدنان سيعود إلينا أخيراً!"
قال السلطان ناصر: "سعيد، أرسل فوراً فرقة الحرس الخاصة. ليأخذوا الطرق السرية ويؤمنوا طريق القافلة."
"سمعاً وطاعة يا مولاي. سأختار أفضل الرجال لهذه المهمة."
"ليكن الأمر في غاية السرية. لا يجب أن يعلم حازم بشيء."
"فهمت يا مولاي. سأذهب بنفسي لأشرف على الترتيبات."
بعد أن غادر سعيد، جلس السلطان ناصر وزوجته يتطلعان إلى بعضهما بعيون دامعة.
"عدنان... كم اشتقت اليك يا بني!" قال ناصر.
"أتذكر يوم رحيله كما لو كان بالأمس!" قالت زهرة. "كان يبلغ من العمر عشرين ربيعاً فقط، لكن حكمته فاقت عمره."
"لطالما كان مختلفاً عن أخيه. يفضل المكتبات على قاعات العرش، والكتب على السيوف."
"كم أشتاق إلى رؤية وجهه! هل سيبدو مختلفاً؟"
"لقد مرت عشر سنوات يازهرة بالطبع سيبدو شكله مختلفاً... لكن قلبه سيظل كما هو."
"هل تعتقد أنه سيقبل بتحمل مسؤولية السلطنة؟"
"لطالما كان عدنان يدرك واجبه. سيفعل ما هو أفضل للشعب."
"لكنني أخشى من مواجهة حازم. كيف سنخبره؟"
"سنواجه الأمر عندما يحين الوقت. الآن، دعينا نركز على استقبال عدنان."
بدأ الزوجان في التخطيط لترتيبات الاستقبال، ممتزجين بمشاعر الأبوية والحنين، ومتطلعين إلى لم شمل العائلة بعد غياب طويل.
حنين الأب:
في جناحه الخاص بقصر الريحان البهي، جلس السلطان فخر بن المنصور على كرسيه المطل على النافذة، يحمل بين يديه قلادة صغيرة كانت هدية منه لقمر الدين في عيد ميلادها الخامس عشر. كانت عيناه تسبحان في بحر من الذكريات.
"أين أنتِ الآن يا قمر؟ هل تفكرين فيّ كما أفكر فيكِ؟"
تذكر يوم ميلادها، وكيف كانت تضحك حين ارتدت القلادة، وكيف قفزت في أحضانه شاكرةً إياه.
"هل أغضبتكِ كثيراً برغبتي في تزويجك؟ لكنها المصلحة يا ابنتي."
تذكر آخر مرة رآها فيها، وكيف كانت عيناها تفيضان بالتمرد والأسى. هل كان قاسياً عليها؟ هل كان يجب أن يستمع لرغبتها؟
"لو عرفتِ كم الليالي التي لم أنم فيها، وكم التفكير الذي يشغل بالي منذ غيابك."
كان يشعر بغصة في قلبه، غصة تزداد مع كل يوم يمر دون أن يعرف مصيرها. هل هي آمنة؟ هل تأكل جيداً؟ هل يسيء أحد معاملتها؟
"يا رب، احفظها لي، وأعدها إليّ سالمة. سأغفر لها كل شيء، فقط دَعني أراها مرة أخرى."
لكن في أعماقه، كان يعلم أن الأمر ليس بهذه البساطة. فمسؤولياته كسلطان تفرض عليه اتخاذ قرارات صعبة، وقرار الزواج من الأمير معتصم كان أحدها.
"حتى لو عدتِ، يا قمر، فالقرار لم يتغير. لكن على الأقل سأطمئن عليكِ."
وضع القلادة في صندوق صغير، وأغلقه بحزن. كانت نار الشوق تحترق في قلبه، لكن نار الواجب كانت أقوى.
القلبان المتوافقان:
جلس الأمير معتصم على شرفة غرفته، محدقاً في النجوم المتلألئة. كانت صورة ياسمين لا تفارق مخيلته، وعيناها الزمرديتان تلمعان في ذاكرته.
"ياسمين، كم أنتِ غريبة! تأتيني كالنسمة الهادئة في ليلٍ مضطرب."
تذكر كيف كانت تناقشه في الكتب بذكاء، وكيف كانت تضحك برقة حين يروي لها حكايات عن رحلاته.
"أجد في عينيكِ صدقاً لم أجده في قصور الملوك و السلاطين. وفي قلبكِ طهراً يذكرني بأن الحياة قد تكون جميلة."
كان يشعر أن قلبه ينفتح لها أكثر كما تتفتح الزهرة للشمس. لكنه كان يعلم أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود.
"كيف سأواجه السلطان فخر؟ كيف سأقول له أنني لا أرغب في الزواج من أبنته؟ لكن الحب الحقيقي يستحق التحدي."
تلك اللحظة في منزل نجم الدين…
جلست ياسمين على حصيرها في الغرفة، تمسك بكتاب لكن عيناها كانتا على النافذة. كانت تفكر في معتصم، في لباقته ورقته.
"معتصم، من تكون أنت؟ أشعر أنني أعرفك منذ زمن طويل."
تذكرت كيف كان ينظر إليها بإعجاب، وكيف كان يصغي لها باهتمام حين تتحدث.
"أجد في حوارنا متعة لا أجدها في الكتب. وكأن كلماتنا حبات لؤلؤ تنظمها خيوط المصير."
كان قلبها يخفق بقوة حين تتذكر كيف وضع الحجاب على رأسها بلطف. لكنها كانت تشعر بقلق خفي.
"أخي سيغضب إذا علم. وهو الآن في رحلة خطيرة. لكن هل يمكن للقلب أن يكتم مثل هذه المشاعر؟"
في اللحظة نفسها…
رفع معتصم عينيه إلى السماء: "يارب، إن كنت قد كتبت لي هذه المحبة، فسهل لي طريقها."
وهمست ياسمين: "اللهم إن كان خيراً فأكتبه لي."
كانت المشاعر تتطابق بين القلبين، وكأن الأقدار تربطهما بخيوط غير مرئية، تنتظر اللحظة المناسبة ليكتشفا أن حبهما كان متبادلاً منذ النظرة الأولى.
المؤامرة الظلامية:
في قاعة الاجتماعات بقصر الصخر الأسود، وقف الأمير حازم بن ناصر أمام خريطة كبيرة، محاطاً بقادة جيشه. كانت عيناه تتقدان بطموح شرير.
"لقد حان الوقت للاستيلاء على سلطنة النجم الساطع! سلطانها غائب، وجيشها مشتت!" قال حازم.
قال القائد الأول: "لكن لماذا لم يرد الريحان البهي على هجومنا على قلاعهم الشرقية؟"
"هذا ما يحيرني! ربما هم يخططون لشيء لا نعلمه." رد حازم.
سأل القائد الثاني: "وماذا عن شائعات اختطاف الأميرة قمر الدين؟ لم يردوا عليها أيضاً!"
"هنا تكمن المؤامرة! الخائن الذي بيننا هو من أخبرهم أن الشائعات كاذبة! لهذا هم صامتون!" قال حازم.
"من يمكن أن يكون هذا الخائن؟" سأل القائد الثالث.
"لا أعلم، لكنني سأكشفه قريباً! الآن، لنركز على خطتنا." رد حازم.
"ما هي أوامرك يا مولاي؟" سأل القائد الاول.
"سنقسم الجيش إلى ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى ستهاجم من الغرب، والثانية من الشرق، والثالثة ستنفذ هجوماً مفاجئاً من البحر." قال حازم.
"وماذا عن المدنيين؟" سأل القائد الثاني.
"لا مكان للرحمة! من يقف في طريقنا سيهلك!" رد حازم.
خلف باب القاعة...
كان الخادم سعيد واقفاً في الظلام، يصغي باهتمام لكل كلمة. كانت عيناه تتسعان من الرعب وهو يسمع الخطة الشيطانية.
"يا للهول! يجب أن أحذر السلطان ناصر فوراً!"
انسحب سعيد بخفة من الممر، وقلبه يدق كالمطرقة. كان يعلم أن عليه أن ينقل هذه المعلومات الخطيرة قبل فوات الأوان، قبل أن تتحول السلطنة إلى ساحة للدمار والموت.