الفصل الخامس عشر: الاختطاف
الأسر في المغارة:
في مغارة سرية تحت الأرض بالجزيرة الذهبية، حيث الظلام يكاد يكون دامساً والرطوبة تتساقط من جدران الصخور، كانت قمر الدين مقيدة بحبال متينة إلى صخرة كبيرة، وفمها مكمم بقماش سميك. كانت فاقدة للوعي، وجسدها النحيل يرتخي تحت وطأة الأسر.
إلى جانبها، وقف رجلان يتحدثان بصوت خافت. سالم، وهو رجل كبير في السن، له لحية بيضاء وعينان حادتان، وعزيز، شاب في مقتبل العمر، قوي البنية.
"هل تأكدت من أن القارب لا يزال سليماً؟" سأل سالم.
"نعم يا عم سالم، إنه مخبأ في الخليج الصغير كما تركته." رد عزيز.
"هذه الفتاة ستجلب لنا ثروة طائلة. جمالها نادر، وستباع في سوق الجواري بوزنها ذهباً."
"لكنها محجبة، أليست هذه علامة على صلاحها؟"
"في أسواق النخاسة، يدفع الأثرياء أكثر للجواري المحجبات، فهن يعتبرن أكثر تحفظاً وأقل مشاكل."
"وكيف سنخرج من الجزيرة؟"
"سننتظر حتى الليل، ثم ننطلق إلى أقرب سلطنة. هناك سوق كبير للعبيد على الساحل الشمالي."
"ألا تخشى أن يكون لها أهل يبحثون عنها؟"
"ومن سيعرف؟ الجزيرة معزولة، ونحن الوحيدون هنا. عندما نبيعها، سنختفي كالظلام."
نظر عزيز إلى قمر الدين بشفقة خفية، لكن طمع المال غلب على ضميره. بينما كان سالم يعد العدة للرحلة، كانت قمر الدين تبدأ في استعادة وعيها ببطء، تسمع أصواتهم البعيدة، وتشعر بالرعب يتملكها.
رسالة الأبن البار:
في جناح السلطان ناصر بقصر الصخر الأسود، كان الجو مشحوناً بالترقب. دخل الخادم سعيد حاملاً رسالة مغلقة، وعيناه تلمعان بالأمل.
"يا مولاي، وصلت رسالة من الأمير عدنان!"
أخذ السلطان ناصر الرسالة بيد مرتجفة، وفتحها بسرعة. كانت زوجته زهرة تقف إلى جانبه، تتنفس بصعوبة من شدة القلق.
قرأ السلطان الرسالة بصوت عالٍ:
"إلى والدي العزيز وأمي الحبيبة،
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وصلتني رسالتكم فحزنت عندما سمعت بما يفعله أخي حازم. لا تخافا، فأنا في الطريق إليكم، ومعي قافلة من كبار العلماء والأطباء. سنصل خلال أيام قلائل، وسنعمل معاً لإنقاذ سلطنتنا من براثن التدمير.
لا تعلما، فالحكمة خير من القوة، والعلم خير من السيف. سأعود بعون الله قادراً على مساعدتكم في إصلاح ما أفسده الجهل والطمع.
ابنكما البار...
عدنان"
سقطت دموع الفرح من عيني السلطان ناصر، بينما انحنت زوجته زهرة تقبل يديه.
"الحمد لله! لقد سمع الله دعاءنا!"
"عدنان دائماً كان الأكثر حكمة وبراً. لقد اختار العلم ليخدم شعبه، والآن حان وقت خدمته الحقيقية."
"لكن كيف سنحميه من حازم؟"
"سنجهز كل شيء لاستقباله. سنبعث الحراس الأوفياء لمرافقته في الطريق."
"أخيراً، أصبح لدينا أمل حقيقي."
غادر سعيد الغرفة وهو يبتسم، بينما جلس السلطان وزوجته يخططان لاستقبال ابنهما المنتظر، ممتنين لله الذي منحهم فرصة جديدة لإنقاذ سلطنتهم من الهاوية.
ذكريات الأمير العادل:
في قاعة العرش بقصر الريحان البهي، دخل المستشار جابر بن زهير حاملاً رسالة مختومة بختم السلطان ناصر. جلس السلطان فخر والسلطان حسان في انتظار ما تحمله من أخبار.
"يا مولاي، وصلت رسالة من السلطان ناصر. يقول إنه سيؤخر عزل حازم حتى قدوم ابنه الأكبر عدنان ليتولى شؤون السلطنة."
سلم جابر الرسالة للسلطان فخر الذي قرأها ثم أومأ برأسه موافقاً.
"عدنان... هذا الأمير الشاب الذي زارنا قبل عشر سنوات!" قال السلطان فخر.
"نعم، أتذكره جيداً!" رد السلطان حسان. "كان شاباً في ريعان الشباب، لكن حكمته فاقت عمره."
"لقد أقام في قصرنا ثلاثة أيام، وكان يدرس في مكتبتنا كطالب علم متعطش."
"وأتذكر كيف ناقش مستشارينا في شؤون الزراعة والري، وأعطانا نصائح غيّرت من طرق زراعتنا للأفضل!"
"كان متواضعاً رغم علمه، يحترم الكبير والصغير."
"فليحفظ الله والداه، فقد قاموا بتربية أمير يليق بالعرش."
"إن عدنان هو الأمل الحقيقي لسلطنة الصخر الأسود. سيكون حاكماً عادلاً مثل أبيه."
"علينا دعم ناصر في خطته. فعدنان يستحق الفرصة."
"سننتظر قدومه، ونرى كيف ستتطور الأمور."
غادر جابر القاعة وهو يعلم أن اسم عدنان أصبح رمزاً للأمل والسلام بين السلطنتين.
التضامن والأمل:
جلست مرجانة على صخرة ذهبية تبكي بحرقة، دموعها تتساقط على حجرها. كانت تمسك بطرف حجابها وتتمتم بصوت مكسور.
"يا رب، احفظ سيدتي وأعدها إلي سالمة."
جلس غالب بجانبها، يمسك بيدها محاولاً تهدئتها.
"لا تبكي يا مرجانة، فنجم الدين لن يتوقف عن البحث حتى يجدها."
"لكن الجزيرة خطيرة! وقد تكون تعرضت لشيء خطير!"
"أنسيتِ كيف واجهت الوحش الأسطوري؟ إنها قوية وشجاعة!"
في تلك اللحظة، وقف براء وهو يربط سيفه بحزم.
"لن أترك نجم الدين يواجه المخاطر وحده. سألحق به."
قال غالب: "وانا سأذهب معك!"
لكن براء أشار إليه: "لا، أنت ابقَ هنا لحماية مرجانة. سأذهب أنا وحدي."
نظر براء إلى بقية الطاقم: "استمروا في البحث في المناطق القريبة."
انطلق براء مسرعاً في اتجاه الجبال الشمالية، حيث رأى نجم الدين يختفي قبل قليل. كان يعلم أن الوقت ثمين، وأن كل دقيقة قد تكون حاسمة في إنقاذ قمر الدين.
بقي غالب يحاول تهدئة مرجانة، بينما توزع بقية الطاقم للبحث في المناطق المحيطة، كل منهم مصمم على العثور على الأميرة المفقودة.
القراءة المشتركة:
أمام منزل نجم الدين، تحت ظل شجرة زيتون معمرة، جلس معتصم وياسمين على بساط بسيط. بينهما كتاب قديم تجليدته من الجلد، مفتوح على صفحة تتحدث عن أسرار البحار والنجوم.
"انظري يا ياسمين، كيف يصف الكاتب هنا حركة النجوم في الليل وكأنها خريطة سماوية!" قال معتصم متحمساً.
"نعم، وأعجبني كيف ربطها بتيارات البحر!" ردت ياسمين وهي تقلب الصفحة بنعومة. "كما لو أن الكون كله يتناغم في إيقاع واحد."
"تماماً كما تتوافق النفوس عندما تلتقي." قال معتصم بصوت هادئ.
"أتعجب كيف أن هذه النجوم التي تبعد عنا مسافات شاسعة، يمكنها أن ترشدنا إلى الطريق."
"مثلما يجد القلب طريقه إلى القلب المناسب، حتى دون بوصلة."
"ما أجمل هذه الفقرة التي تتحدث عن البحارة الذين يتبعون النجوم للوصول إلى بر الأمان."
"وكم يشبه ذلك من يبحث عن الحب، يتبع نور القلب حتى يجد مرساه."
كانا يتبادلان النظر بين الحين والأخر، وعيونهما تفيض بالتفاهم والإعجاب. كان الحوار بينهما يتدفق بانسيابية، وكأن أفكارهما كانت تسبق كلماتهما.
"أشعر أنني أفهم هذا الكتاب أكثر عندما أقرأه معك." قالت ياسمين بخجل.
"لأن بعض الكتب كبعض القلوب، تحتاج إلى من يتشارك في قراءتها." رد معتصم مبتسماً.
استمرا في القراءة حتى غروب الشمس، وكأن العالم من حولهما قد توقف ليمنحهما هذه اللحظات الثمينة من التناغم والفهم المتبادل.
الباب السري:
بعد ساعات من البحث المضني في الجبال الشمالية، سمع نجم الدين صوت وقع أقدام خلفه. التفت ليجد براء يقترب منه.
"ما الذي أتى بك هنا؟ ألم أقل إنني سأبحث وحدي؟"
"لن أتركك تواجه الخطر بمفردك يا نجم الدين. نحن إخوة في الرحلة والحياة."
"هذه المناطق خطيرة، وقد أخسرك كما خسرناها!"
"وقد نجد معاً ما نبحث عنه!"
استمر الاثنان في البحث، حتى لاحظ نجم الدين آثار أقدام على الأرض. تتبعها باهتمام، ثم توقفت فجأة عند منطقة تكثر فيها أوراق الأشجار الذهبية.
"انظر! الآثار تختفي هنا!"
بينما كان يتقدم بحذر، ضغطت قدمه على شيء معدني يصدر صوتاً خفيفاً. انحنى يزيل الأوراق بيده، ليكتشف باباً حديدياً مخفياً في الأرض.
"يا إلهي! إنه باب سري!"
وضع عينيه عند فتحة صغيرة في الباب، فرأى قمر الدين مقيدة إلى صخرة، وفمها مكمم، وعيناها مليئتان بالخوف. ثار غضبه من المنظر فكاد يصرخ، لكنه كتم غضبه.
"لقد وجدتها! إنها هنا بالأسفل!"
"دعنا نعود لجلب التعزيزات! لا تدخل وحدك!"
"لا! لن أتركها لحظة أخرى في هذا الجحيم!"
بقوة وحزم، فتح نجم الدين الباب الحديدي وانطلق إلى الداخل، تاركاً براء في الخارج في حيرة من أمره، لا يعرف هل يتبعه أم يذهب لطلب المساعدة.
كانت المغارة مظلمة ورطبة، ولم يكن نجم الدين يعلم ما الذي ينتظره في الأسفل. كل ما يعرفه أنه وجد حبه، وسيفعل أي شيء لإنقاذها.