الفصل الحادي عشر:قلوب بعين العاصفة
العناية والاهتمام:
دخل نجم الدين حاملاً قمر الدين إلى غرفتها على السفينة، يتبعه غالب ومرجانة ورماح يحمل أبريق ماء وكأساً وحزمة أعشاب طبية ومناشف نظيفة. وضع نجم الدين قمر الدين على السرير برفق، ووجهه يعكس القلق والحزم.
"ما الذي حدث لها؟" سألت مرجانة وهي تبكي.
"لا أعلم، لكننا سنعرف." أجاب نجم الدين.
بدأ نجم الدين بترطيب جبهة قمر الدين بمنشفة مبللة، ثم قدم لها بعض الأعشاب الطبية لاستعادة وعيها. كانت يداه ترتجفان قليلاً وهو يعتني بها.
بعد بضع دقائق، بدأت قمر الدين تفتح عينيها ببطء، تنظر حولها في حيرة.
"ماذا حدث؟"
"لقد فقدتِ وعيك على سطح السفينة." قال نجم الدين بصوت هادئ.
التفت نجم الدين إلى مرجانة: "هل تأكل جيداً هذه الأيام؟"
ظنت مرجانة أنه يسألها عن نفسها، فأجابت: "نعم، آكل جيداً كما تعلم!"
"بالهناء والشفاء، لكنني أقصد الأميرة قمر الدين."
"آه! في الحقيقة، هي لم تأكل جيداً منذ أيام. كانت تتناول فقط لقيمات قليلة."
فهم نجم الدين السبب، فالتفت إلى رماح: "يجب أن نعد لها طعاماً مغذياً. أحضر لها اللحوم الطرية والفواكه الطازجة. ما حدث لها نتيجة ضعف من قلة الطعام."
"فوراً يا نجم الدين." قال رماح وخرج مسرعاً.
نظرت قمر الدين إلى نجم الدين بعينين ضعيفتين، وشعرت بموجة من الامتنان تغمرها. كان يعتني بها بطريقة لم تعهدها من قبل.
"شكراً لك." همست بصوت خافت.
"لا تشكرينني فهذا واجبي. الآن، استريحي، وسنعتني بكِ."
التفت نجم الدين إلى غالب: "لنتركها ترتاح."
خرج نجم الدين وغالب من الغرفة، تاركين قمر الدين مع مرجانة. في تلك اللحظة، أدركت قمر الدين أن مشاعرها تجاه نجم الدين بدأت تتغير، لم يعد مجرد قائد سفينة، بل أصبح شخصاً مميزاً في حياتها.
الامتنان والدعابة:
بعد خروج نجم الدين، ظلت قمر الدين تحدق في الباب الذي غادر منه، وعيناها تعكسان إعجاباً عميقاً وامتناناً. كانت تفكر في رجولته ورقته، وكيف جمع بين الشجاعة والرحمة، وبين الحزم واللطف.
"ما هذا الرجل؟ يبدو كما لو أن البحر نفسه قد تجسد في هيئة إنسان."
فجأة، قطع صوت تأملها صوت نحيب مرجانة المبالغ فيه: "يا إلهي! كدت أفقدكِ يا سيدتي! لو لم يمسك بكِ نجم الدين لسقطت على الأرض كالثمرة الناضجة!"
التفتت قمر الدين إلى مرجانة مبتسمة: "اهدأي يا صديقتي، فأنا بخير الآن."
"ولكنكِ كدتِ أن تموتي! كنتِ كالزهرة الذابلة! كالطائر الجريح! كال..."
"كفى يا مرجانة! إنك تبالغين دائماً!"
"لكنني خائفة عليكِ! أنتِ مثل الأخت لي!"
في لحظة حماس مفاجئة، قفزت مرجانة لتحتضن قمر الدين، لكن جسدها الممتلئ كاد يسحق قمر الدين النحيلة.
"آه! على رسلكِ يا مرجانة! سأفقد وعيي مرة أخرى!"
"آسفة! آسفة! نسيت أنني كالدب الكبير!"
"أنتِ كالدب الظريف فقط!"
جلست مرجانة على حافة السرير، وقالت بنبرة جدية: "ألم يبدُ نجم الدين رائعاً وهو يعتني بكِ؟ كأنه فارس من الحكايات الخيالية!"
"إنه رجل طيب، وهذا يكفي."
"أكثر من طيب! إنه شهم وشجاع! وأنتِ... ألم تلاحظي كيف كانت يداه ترتجفان وهو يحملكِ؟"
"كان قلقاً على مسؤوليته لا أكثر."
"لا! هذا ليس قلق مسؤولية! بل شيء آخر."
ضحكت قمر الدين، ثم أمسكت بيد مرجانة: "شكراً لكِ يا صديقتي، أنتِ تضيئين حياتي حتى في أصعب اللحظات."
"وهل هناك لحظة أصعب من أن تكوني محاطة برجال وسيمين وبحارة مغامرين؟"
كانت قمر الدين تشعر بأن قلبها بدأ ينفتح على مشاعر جديدة، وأن هذه الرحلة قد تكون بداية لقصة حلمت بها طويلاً.
مجلس الأزمات:
في قاعة الاجتماعات بقصر الريحان البهي، اجتمع القادة والمسؤولون من السلطنتين، والجو مشحون بالقلق والجدية. جلس السلطان فخر والسلطان حسان على رأس الطاولة، والأمير معتصم واقف أمام خريطة كبيرة.
"أيها الحضور، لدينا ثلاث قضايا عاجلة." بدأ السلطان فخر.
"أولاً: نقص المؤن بعد حرق القلاع الشرقية. لقد فقدنا مخازن الحبوب والأسلحة الرئيسية."
قال وزير التموين: "المؤن لن تكفي لأكثر من أسبوعين، والشعب بدأ يشعر بالقلق."
رد السلطان حسان: "سلطنة النجم الساطع ستزودكم بكل ما تحتاجونه. لدينا مخازن ممتلئة، وسنرسل قوافل المساعدات فوراً."
"ثانياً: الرد على الهجوم." تابع معتصم. "لا يمكننا ترك هذا العدوان بلا رد."
قال قائد الجيش: "قواتنا مستعدة للرد، لكنني أنصح بالحكمة. فلندعم دفاعاتنا أولاً قبل التفكير في الهجوم."
"ثالثاً: البحث عن الأميرة قمر الدين." قال السلطان فخر بصوت حزين. "وهل صحيح أن أمير الصخر الأسود هو من خطفها؟"
أجاب مسؤول الاستخبارات: "ليس لدينا دليل قاطع، لكن الشائعات تنتشر، وحازم بن ناصر لا ينفي ذلك."
"بل إنه يستخدم هذه الشائعات لزعزعة استقرارنا." أضاف معتصم.
"إذاً، ماذا نفعل؟" سأل السلطان فخر.
"أقترح أن نركز على الدفاع وتأمين المؤن أولاً." قال السلطان حسان. "ثم نرسل وفداً دبلوماسياً إلى الصخر الأسود للتحقيق في أمر الأميرة."
"وإذا رفضوا التعاون؟"
"حينها سيكون الرد العسكري خيارنا الوحيد."
كان القرار صعباً، لكن الجميع أدركوا أن الوحدة والتعاون هما السبيل الوحيد لمواجهة هذه الأزمات المتعددة.
دموع الوالدين:
في جناح السلطان ناصر بن سليمان بقصر الصخر الأسود، جلس السلطان وزوجته زهرة على أريكة مزينة بنقوش فضية. كانت زهرة تمسك بمنديل تمسح به دموعها، بينما كان ناصر ينظر من النافذة بعينين حزينتين.
"يا زهرة، أين أخطأنا في تربية حازم؟ كيف أصبح هذا الشاب المتعطش للدماء؟"
"لا تلوم نفسك يا ناصر. لقد أعطيناه كل الحب والتعليم، لكن الطمع أعمى قلبه."
"أخشى أن يكون مصيره الهلاك. لقد حذرته لكنه لا يسمع."
"إنه يشبه عمه سراج الدين، الذي قاده طموحه الزائد إلى حتفه."
"لكن سراج على الأقل كان يحارب من أجل قضية الثأر لزوجته التي قتلها المعتدون، وإن كان قد احتل ارضهم ف كان هذا رداً لشرف زوجته، أما حازم فيحارب من أجل الغرور فقط."
"هل تتذكر عندما كان طفلاً؟ كان يبكي إذا جرح عصفوراً، والآن يحرق القلاع ويدمر القرى."
"لقد تغير تماماً. وكأن شيطاناً سكن قلبه. على عكس أخيه عدنان تماماً."
"ماذا سنفعل يا ناصر؟ لا أستطيع أن أرى ابني يسير نحو الهاوية. لو كان عدنان هنا، لكان منعه من تصرفاته هذه."
"لقد حاولت النصح فلم يستمع، وحاولت التهديد فاستهزأ بي. لم يعد بيدي حيلة."
"لن ندعه يهلك نفسه! يجب أن نجد طريقة لإيقافه."
"لكن كيف؟ الجيش كله تحت إمرته، والقادة يؤيدونه طمعاً في الغنائم."
"سنصلي وندعو الله أن يهديه. فقلب الابن لا يمكن أن يقسو للأبد."
جلس الزوجان يتضرعان إلى الله، دموعهما تختلط بدعوات خاشعة، يأملان أن يرى ابنهما نور الحق قبل فوات الأوان.
خواطر القلب:
في منزل نجم الدين، جلست ياسمين على مقعدها الخشبي، تحاول التركيز في كتاب النحو العربي، لكن خواطرها كانت تتجول بعيداً. كانت ذكرى لقاءاتها مع معتصم تملأ قلبها، وابتسامته اللطيفة لا تفارق مخيلتها.
"ما هذا الذي يحدث لي؟ لماذا أفكر فيه طوال الوقت؟"
دخلت فاطمة إلى الغرفة تحمل طبقاً من الفواكه الطازجة، فلاحظت شرود ياسمين.
"ما بكِ يا ابنتي؟ أراكِ شاردة البال."
"لا شيء يا خالتي فاطمة، فقط أفكر في الدروس."
"الدروس لا تجعل الخدين يحمران هكذا! أخبريني، هل لهذا الأمر علاقة بذلك الشاب الوسيم الذي نراه في السوق؟"
"معتصم؟ لا... لا أعتقد."
"معتصم؟ إذاً له اسم! لم تخبريني به من قبل!"
"إنه مجرد صديق لأخي، يطمئن عليّ بين الحين والآخر."
"صديق لأخيكِ؟ لكنه يزورنا كثيراً هذه الأيام! وهندامه أنيق، وكلامه مهذب، وكأنه من أسرة نبيلة!"
"لا أعرف شيئاً عن أسرته، لكنه طيب القلب ومتواضع."
"القلوب الطيبة كنز نادر. لكن احترسي يا ابنتي، فالحب يأتي كالنسيم الهادئ قبل أن يتحول إلى إعصار."
"لا تتحدثي هكذا! إنه فقط... رجل لطيف."
"اللطف قد يكون بداية لأجمل القصص. ولكن تذكري يا ياسمين، اطلبي من الله أن يرشدك إلى ما فيه الخير."
"أعلم ذلك. وأعلم أن أخي قد لا يوافق بهذا."
"ثقي بالله أولاً، ثم بقلبك. فالقلوب النقية لا تضل طريقها."
غادرت فاطمة الغرفة، تاركة ياسمين مع أفكارها المتضاربة. كانت تشعر أن مشاعرها تجاه معتصم تزداد قوة، لكنها تخشى أن تكون مجرد أوهام، أو أن يكون هو ليس كما تظن.
التحذير الغامض:
خرجت قمر الدين من غرفتها، وتوجهت إلى نجم الدين وهو منهمك في فحص أحد الأشرعة. وقفت بجانبه بتردد، ثم تحدثت بصوت ناعم.
"أريد أن أشكرك على ما فعلته من أجلي."
التفت نجم الدين مبتسماً: "لا داعي للشكر، فما فعلته كان واجبي."
"لكنك تجاوزت الواجب، فقد كنتَ شديد اللطف والاهتمام."
"كل إنسان يستحق العناية عندما يكون في الحاجة إليها."
بدأ الاثنان في الحديث، وتناقشا في أمور البحر والحياة، وكان الحوار بينهما يتدفق بانسيابية، وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل.
فجأة، صاح ظافر من أعلى الصاري: "يا نجم الدين! هناك شيء ما في الأفق!"
تسلق نجم الدين بسرعة لينظر عبر المنظار، فرأى قارباً صغيراً مهترئاً، وعليه رجل عجوز يشير بيده طالباً النجدة.
"غيّروا الاتجاه نحو القارب! هناك شخص بحاجة للمساعدة!"
عندما اقتربت السفينة، اكتشفوا أن الرجل العجوز كان بحاراً سابقاً، تعرض لحادثة أودت بحياة طاقمه كله، وأصابته بالعمى. كان يعيش على القارب منذ سنوات، يتغذى على ما يصطاده من السمك وماء المطر.
"لا تَقتربوا! هذه الرحلة نهايتها الموت!" حذرهم الرجل بصوت أجش.
"أنا نجم الدين بن راشد، وقد أرسلني السلطان في مهمة."
"نجم الدين؟ سمعت عنك! لكن حتى أنت لا تستطيع مواجهة أسرار هذا البحر!"
"الثقة بالله ثم بالمهارة تزول كل المخاطر."
أمر نجم الدين جاد بأن يأخذ الرجل إلى غرفة للراحة. قبل أن يغادر الرجل، أمسك بذراع نجم الدين وقال: "هذا البحر مليء بالسحر، إن فكرت في مخاوفك، ستجدها حقيقة أمام عينيك."
"أنا لا أخشى إلا الله."
فجأة، أغمضت قمر الدين عينيها وقالت: "لا!"
سألها نجم الدين بقلق: "فكرتِ في شيء ما؟"
"أنا آسفة."
في تلك اللحظة، سمعوا صوتاً قوياً يأتي من تحت البحر، كأنه زئير وحش عملاق.
"جميعكم إلى مواقعكم! استعدوا لأي طارئ!" صاح نجم الدين.
أمسك بيد قمر الدين وأسرع بها إلى غرفتها: "لا تخرجي من هنا حتى آتي إليكِ!"
أغلقت قمر الدين الباب وراءها، وقلبها يدق بشدة، وهي تتساءل ما الذي يخبئه لهم هذا البحر الغامض.
الشر المتأهب:
في قاعة الاجتماعات بقصر الصخر الأسود، تجمع القادة العسكريون حول طاولة كبيرة عليها خريطة مفصلة للبحار والطرق التجارية. كان الأمير حازم بن ناصر واقفاً عند رأس الطاولة، وعيناه تتقدان بحماس شرير.
"لقد حان الوقت للضربة القاضية! هذه المرة سنستهدف شريان الحياة الحقيقي لسلطنة النجم الساطع."
قال القائد البحري: "سفنهم التجارية تحمل ثروات هائلة، وتعتبر مصدر رزقهم الرئيسي."
"بالضبط! عندما ندمر أسطولهم التجاري، سنخنقهم اقتصادياً، وسيتوسلون لنا من أجل الطعام!"
"لكن هذه السفن تحمل بضائع مدنية، وغالباً ما يكون طاقمها من التجار المدنيين."
"لا مكان للشفقة في الحرب! سيكون تدمير هذه السفن رسالة واضحة: إما الاستسلام أو الموت جوعاً!"
"ما التكتيك الذي ستتبعه يا مولاي؟"
"سننقسم إلى ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى ستستهدف السفن القادمة من الشرق، والمجموعة الثانية ستقطع طريق السفن المتجهة إلى الغرب، والمجموعة الثالثة ستنصب كميناً عند مضيق التنين."
"وماذا عن الأسطول الحربي لسلطنة النجم الساطع؟"
"سيكونون مشغولين بحماية سواحلهم مع الريحان البهي! هذه هي روعة خطتنا!"
"هل نأسر الناجين؟"
"لا! لن نترك أحداً ليروي القصة! يجب أن يكون المصير مجهولاً ليزيد الرعب!"
"حسناً يا مولاي، سننفذ أوامرك."
"تذكروا! من خلال هذه الضربة، سنثبت أننا الأقوى، وأن البحار هي ملك لنا وحدنا!"
خرج القادة لتنفيذ المهمة، بينما بقي حازم في القاعة يحدق في الخريطة، مبتسماً ابتسامة منتقمة. كان يشعر بلذة الانتقام والقوة، غير مدرك أن خطته هذه قد تقوده إلى مصيره المحتوم.