الفصل العاشر: قلوب في بحر الأزمات
الحوت والرحمة:
كانت السفينة تهتز بعنف، والأمواج تتكسر على جوانبها. ظهر الحوت العملاق، يرفع رأسه الضخم من الماء، وعيناه الواسعتان تلمعان تحت اشعة الشمس.
"إنه حوت ! استعدوا للهجوم!" صاح جاد.
"لا! توقفوا!" صاح نجم الدين بصوت عالٍ. "أعرف هذا الحوت! لقد التقينا من قبل!"
نظر الطاقم إلى نجم الدين في ذهول. كانت قمر الدين تشده بذراعها، عيناها مفتوحتان على اتساعهما من الخوف والدهشة.
"كيف تعرفه؟" سألت بصوت مرتجف.
"قابلته قبل ثلاث سنوات، عندما كان يحمي صغاره. تركناه بسلام، وتركنا بسلام."
بدأ نجم الدين يهمس بنغمة غريبة، كأنها أغنية قديمة تتردد في أعماق البحر. كانت نغمة متناغمة مع صوت الأمواج، تملأ الجو بسحر غريب.
"ما هذا؟! هل تستخدم السحر؟" همست قمر الدين.
"اعوذ بالله هذا ليس سحراً، إنها لغة التفاهم مع مخلوقات البحر."
بدأ الحوت يهدأ تدريجياً، ثم أقترب من السفينة بهدوء. ضخامة جسده كانت تثير الرعب، لكن عينيه كانتا تعكسان ذكاءً وغموضاً.
"إنه يتذكرني!" قال نجم الدين مبتسماً.
"كيف يمكنك التأكد من ذلك؟" سأل قاسم بقلق.
"انظروا! إنه يوجهنا!"
بدأ الحوت يسبق السفينة، وكأنه يقودها في مسار معين. كانت حركاته رشيقة رغم ضخامته.
في هذه الأثناء، كانت مرجانة تحاول النهوض، لكنها تعثرت مرة أخرى وسقطت فوق غالب.
"آه! انكِ تسحقينني!"
"أنا أحاول ولكن الأرض تهتز!"
"ليست الأرض، إنها السفينة!"
"أين الفرق؟ كلاهما يهتز!"
كانت محاولات غالب للتحرر من تحت مرجانة تثير الضحك، خاصة عندما كان يحاول دفعها بيديه لكنها لا تتحرك.
"يا غالب، أنت قوي! ادفع بقوة أكثر!"
"أنا أحاول ولكنك ثقيلة مثل الفيل!"
"هذا لأنني مليئة بالكرامة!"
أخيراً، تمكن غالب من التحرر، لكنه سقط يلهث من شدة الدفع. جلست مرجانة إلى جانبه تضحك.
"أنت أضعف مما كنت أظن!"
"وأنتِ أثقل مما كنت أظن!"
كانت قمر الدين تشاهد وهي تضحك، لكن عينيها كانتا عائدتين إلى نجم الدين وهو يقف في مقدمة السفينة، يتواصل مع الحوت العملاق. شعرت بإعجاب شديد لشجاعته وحكمته.
"يا لشجاعته! " همست لنفسها.
بعد ساعة، اختفى الحوت في أعماق البحر، تاركاً السفينة تسير في مسار آمن. كان الجميع يشعرون بالرهبة من التجربة، والامتنان لقيادة نجم الدين التي أنقذتهم من كارثة محققة.
لقاء في السوق:
في سوق السلطنة، كانت ياسمين تتجول مع فاطمة بين البسطات، تختار بعض الحاجيات للمنزل. كانت عيناها الزمرديتان تلمعان ببراءة، ووجهها يشع بالنقاء.
"انظري يا خالتي فاطمة، هذه الفواكه طازجة جداً!"
"نعم يا ابنتي، فلنشتري بعضاً منها."
في تلك اللحظة، كان الأمير معتصم على رأس فرقة من الحرس يبحثون عن الأميرة قمر الدين. حين رأى ياسمين من بعيد، أوقف حراسه بأدب.
"استمروا في البحث، وسألحق بكم بعد قليل."
تقدم معتصم نحو ياسمين بخطوات هادئة، ووجهه يشرق بابتسامة لطيفة.
"السلام عليكم يا ياسمين."
التفتت ياسمين مبتسمة: "وعليكم السلام يا معتصم! ما الذي جاء بك إلى السوق؟"
"أبحث عن... صديق مفقود. وأنتِ، كيف حالك؟"
"بخير والحمد لله. وهل وجدت صديقك؟"
"ليس بعد، لكن الأمل لا يزال موجوداً."
قالت فاطمة: "لقد كانت ياسمين شجاعة جداً، لم تبكِ كثيراً منذ رحيل أخيها."
"لكن هذا لا يعني أنني لا أشتاق إليه." قالت ياسمين بحزن خفيف.
"أخوكِ رجل شجاع، وسيعود حتماً." قال معتصم بنبرة مطمئنة.
"هل تريد أن تتناول معنا بعض الفواكه؟" سألت ياسمين ببراءة.
"شكراً لكِ، لكن يجب أن أعود إلى... عملي."
"ما هو عملك يا معتصم؟ لم تخبرني من قبل."
"أنا... أعمل في مجالات عديدة وجميعها في خدمة السلطنة."
"كم هذا رائع! كان الله في عونك."
نظر معتصم إلى عيني ياسمين الزمرديتين، وشعر بدفء غريب يغمر قلبه. كانت براءتها وتواضعها يفتنان قلبه أكثر من أي جمال آخر.
"ياسمين، إذا احتجتِ لأي شيء، فأنا هنا."
"شكراً لك، وللطف قلبك."
"بل أنتِ اللطيفة."
تبادلا نظرة حانية، ثم انصرف معتصم وهو يشعر أن قلبه قد التصق بهذه الفتاة المتواضعة التي لا تعرف من هو، وتعامله كإنسان عادي، لا كأمير.
التعاون الملكي:
في قاعة العرش بقصر الريحان البهي، جلس السلطان فخر بن المنصور منحنياً على كرسيه، الحزن بادٍ على محياه، والهمّ يثقله. كانت أخبار ابنته المفقودة قد أنهكته، وأضافت عبئاً ثقيلاً إلى قلبه.
فجأة، دخل الحرس وأعلن: "يا مولاي، السلطان حسان بن القاسم من سلطنة النجم الساطع يطلب الإذن بالدخول."
"أدخله فوراً."
دخل السلطان حسان إلى القاعة بخطوات واثقة، لكن عينيه تعكسان التعاطف والتفهم. تقدم نحو صديقه القديم.
"فخر... لقد سمعت بالخبر المحزن. لا تقلق، فابنتك ستكون في أمان."
"حسان، أشكرك على حضورك. لقد أصبحت الليالي طويلة بغيابها."
"لقد جئت لأقدم لك كل الدعم. سنبحث عنها في كل مكان، وسنضع جميع مواردنا تحت تصرفك."
"هذا كرم منك، لكن الحرب المحدقة بنا..."
"لا تذكر الحرب الآن! فلنركز على العثور على قمر الدين أولاً. إنها مثل ابنتي."
"لكن تحركات الصخر الأسود تزداد خطورة."
"دعهم يتحركون! فاتحادنا أقوى من أي تهديد. سنواجههم معاً عندما يحين الوقت."
"أخشى أن يكونوا قد اختطفوها."
"لا تقل ذلك! فابنتك ذكية وشجاعة، وهي قادرة على حماية نفسها."
"لكن قلبي لا يطمئن."
"ثق في الله أولاً، ثم بنا. لقد أرسلت فرق البحث إلى كل المدن المجاروة، وسنعثر عليها."
"شكراً لك يا صديقي. هذا الموقف يذكرني بأيام شبابنا."
"نعم، عندما كنا نواجه المصاعب معاً. وهذه محنة أخرى سنتخطاها سوياً."
جلس السلطانان يتناقشان في خطط البحث والتحالف، وكانت قاعة العرش تشهد لحظة تاريخية من الوحدة والتعاون، تثبت أن الصداقة الحقيقية تظهر في أوقات الأزمات.
الأنباء المروعة:
عندما عاد الأمير معتصم إلى قصر الريحان البهي، شاهد حراساً يرتدون زيّ سلطنة النجم الساطع، فعلم أن والده موجود في القصر. دخل إلى قاعة العرش بسرعة، وقد بدت عليه علامات التعب من البحث.
"السلام عليكم يا صاحب الجلالة."
"وعليكم السلام يا بني. ما أخبار البحث؟"
"لم نعثر على أي أثر للأميرة حتى الآن، لكن فرق البحث لا تزال تبحث في كل زاوية."
التفت معتصم إلى والده: "أبي، سعدت برؤيتك."
احتضن والده بحرارة، لكن السلطان حسان لاحظ في عيني ابنه نظرة تقول إن هناك ما يريد إخباره به على انفراد.
في تلك اللحظة، دخل أحد الحراس مسرعاً، وجهه شاحب من هول ما يحمله من خبر.
"مولاي! أنباء كارثية من الحدود الشرقية!"
"ما الخبر؟ تحدث!"
"القلاع الشرقية... لقد أحترقت بالكامل! جميع الحصون الدفاعية دمرت!"
"ماذا؟! كيف حدث هذا؟"
"هجوم مفاجئ في الظلام... لم نستطع الدفاع... سقط الجميع!"
ساد صمت رهيب في القاعة. ثم قال السلطان فخر بصوت متهدج: "هذا يعني أن الحرب قد بدأت."
رد السلطان حسان: "بل هذا يعني أن خطة الصخر الأسود كانت أسرع مما توقعنا."
نظر معتصم إلى والده والسلطان فخر، ثم قال بعزيمة: "حان وقت الرد! لا يمكننا ترك هذا العدوان يمر دون عقاب."
كانت الأنباء قد غيرت كل الأولويات، فلم يعد البحث عن الأميرة هو الشغل الشاغل فقط، بل إن مصير السلطنتين بأكمله أصبح على المحك.
الغرور والعقاب:
في قاعة العرش بسلطنة الصخر الأسود، دخل الأمير حازم بن ناصر ممتشياً فخوراً، يرافقه مجموعة من قادة الجيش وقد علت وجوههم علامات الغبار والدخان. جلس حازم على العرش بزهو، وأخذ يتناول عنقود عنب ببطء، متباهياً بانتصاره.
"هل رأيتم يا رجال؟ هكذا تُكتب الانتصارات! بضربة واحدة محكمة!"
قال أحد القادة: "لقد أحرقنا قلاعهم واسلحتهم وجميع المخازن، وسقطت الحصون كأوراق الخريف."
"هذه مجرد البداية، فالمجد الحقيقي ينتظرنا!"
فجأة، دخل السلطان ناصر بن سليمان إلى القاعة، وجهه يعكس الغضب وخيبة الأمل. تقدم نحو ابنه بخطوات ثقيلة.
"حازم! ما الذي فعلته؟! أحرقت القلاع الشرقية؟!"
"نعم يا أبي! وقد كان انتصاراً ساحقاً!"
"انتصار؟! إنها حماقة! لقد أشعلت نار حرب لن تستطيع إخمادها!"
"بل أشعلت نار المجد التي ستضيء اسمنا في التاريخ!"
"وما هذه الشائعات التي تنتشر عن اختطافك للأميرة قمر الدين؟"
"الشائعات تفيدنا! دعهم يعتقدون أننا خطفناها، فهذا سيزيد من ارتباكهم!"
"اسمع يا بني، لقد تجاوزت كل الحدود! طريقك هذا لن يقودك إلا إلى أحد مصيرين: الموت أو الأسر!"
"أنا لست طفلاً تخيفه كلماتك! لقد حان وقت حكم الجيل الجديد!"
"الجيل الجديد؟! أنت تهزم نفسك بنفسك! عندما تدرك خطأك، سيكون الوقت قد فات! ياليت عدنان كان هنا، لكان اوقفك عن تهورك هذا."
"أبي لا تذكر أسم هذا الجبان أمامي، أنا من سيجلب المجد لهذه السلطنة وليس هو."
"وا اسفاه عليك يابني... وا اسفاه."
خرج السلطان ناصر من القاعة حزيناً، تاركاً ابنه المتغطرس يجلس على العرش، غير مدرك أن نبوءة والده قد تتحقق قريباً، وأن غروره قد يكون سبب دماره.
مشاعر متضاربة:
على سطح السفينة تحت ضوء النجوم، جلس غالب ومرجانة على صندوق حبال، يتشاركان قطعة حلوى.
"مرجانة، أنت كالفراشة التي ترفرف حول قلبي!"
"بل أنت كالنحلة التي تلاحق كل زهرة تراها!"
"ولكنكِ أنت الزهرة الوحيدة في بستاني!"
"وهل تقول النحلة ذلك لكل زهرة تراها؟"
"لا، فالنحلة تعرف أن في البستان زهرة واحدة فقط تستحق العسل!"
كانت قمر الدين تقف على بعد، تبتسم لمنظرهم الجميل، لكن عينيها تحملان حزناً عميقاً. شعرت بالوحدة رغم أنها محاطة بالناس.
في الطرف الآخر من السفينة، كان نجم الدين يوجه طاقمه في إصلاح شراع متمزق. بعد أن انتهى، لاحظ قمر الدين واقفة بمفردها، فتقدم نحوها.
"ألا تشعرين بالبرد؟ يمكن أن أحضر لك معطفاً."
"لا، أنا بخير. شكراً لك."
"يبدو عليكِ التعب. ربما يجب أن تأخذي قسطاً من الراحة."
"أنا متعبة، لكن ليس من السفر أو مشقة الرحلة، بل من التفكير."
"أحياناً، تكون الأفكار أثقل من الأحمال."
"كم هي محظوظة مرجانة! تجد من يحبها بصدق، دون تكلّف أو خداع."
"الحق يقال، إن مشاعرهما صادقة، وهذا ما يجعلها جميلة."
فجأة، شحب وجه قمر الدين، واتسعت عيناها، وضعت يدها على جبينها ثم همست بصوت بالكاد يُسمع:
"أشعر... كأن الدنيا تدور بي..."
لم تكمل جملتها حتى بدأت ركبتاها ترتخيان، وسقطت جسدها النحيل كالورقة الذابلة. لكن نجم الدين كان أسرع من البرق، فامتدت ذراعاه القويتان وأمسكا بها قبل أن تصطدم بالأرض.
"سمو الأميرة! ماذا حدث؟!"
لم ترد. عيناها مغلقتان، ووجهها شاحب، ونبضها ضعيف كخيط رفيع. حملها نجم الدين بحذر، وركض بها نحو غرفتها، صارخاً:
"أحضروا الماء والاعشاب الطبية بسرعة!"
كان قلبه يدق كالمطرقة، وعيناه تعكسان ذعراً لم يشعر به من قبل. في تلك اللحظة، أدرك أن هذه الأميرة التي حملها بين ذراعيه لم تعد مجرد مسؤولية، بل أصبحت شيئاً ثميناً يخشى عليه وكأنه يحمل كل الدنيا بين يديه.