الفصل التاسع: مفاجآت البحر
الخطف غير المتعمد:
كانت سفينة النسر قد ابتعدت مسافة طويلة عن الشاطئ تحت ضوء الشمس الذهبي. كان براء يتفقد عنبر الشحن فسمع صوت همسات غريبة. تقدم بحذر نحو زاوية مظلمة بين الصناديق، ففوجئ بوجود قمر الدين ومرجانة مختبئتين.
"ما هذا؟ من أنتما؟ وكيف صعدتما إلى السفينة؟"
"نحن... نحن راكبتان ضلتا الطريق!" قالت مرجانة بسرعة.
"لا تكذبي! لقد رأيتكما تختبئان!"
أمسك براء بذراع كل منهما وسحبهما إلى سطح السفينة حيث كان نجم الدين واقفاً يتفقد الأشرعة.
"يا نجم الدين! لقد وجدت متسللتين مختبئتين في العنبر!"
التفت نجم الدين وغضب واضح على وجهه: "من أنتما؟ وكيف تجرئان على الصعود إلى سفينتي دون إذن؟"
"سفينتك؟ ألا تعرف من أكون؟" قالت قمر الدين بتعالٍ.
"لا أبالي من تكونين! لقد عرضت حياة الجميع للخطر الآن!"
"أنا الأميرة قمر الدين ابنة السلطان فخر بن المنصور!"
"الأميرة؟! وماذا تفعلين هنا؟ هل هذه مزحة؟"
في تلك اللحظة، سمع غالب الضجة فتقدم مسرعاً. عندما رأى مرجانة، صرخ: "مرجانة! ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟"
"غالب! الحمد لله أنك هنا! أنقذنا من صديقك الغاضب سيضربنا!"
"أنت أيضاً معهم؟ أتعرف هذين الفتاتين؟" سأل نجم الدين غالب.
"نعم... هذه مرجانة خطيبتي وصديقتها..."
"صديقتها هي الأميرة!" قال براء.
"الأميرة؟!" صرخ غالب مندهشاً.
بدأت المشادات تتصاعد. كانت قمر الدين تحاول شرح موقفها، ونجم الدين يرفض الاستماع، ومرجانة تحاول الاختباء خلف غالب، وغالب يحاول تهدئة الجميع.
"اسمعني يا رجل! أبي سيدفع لك أي مبلغ إذا أوصلتنا!" قالت قمر الدين.
"لا أريد أموال أبيكِ! أريد أن أركز على مهمتي!"
"لكننا لا نستطيع العودة الآن!"
"سأعيدك فوراً!"
التفت نجم الدين إلى قائد الدفة: "غير الاتجاه! سنعود إلى السلطنة!"
"لا يمكننا يا نجم الدين! لقد ابتعدنا مسافة كبيرة، والرياح ضدنا!"
"ماذا؟! لا يمكن!"
قام نجم الدين قفز في مكانه وغضب حتى احمر وجهه، ثم أمسك بقبعته ورمها على الأرض.
"حسناً! سأتحمل مسؤوليتكما! لكن لن تكون الرحلة مريحة! ستجلسان في زاوية ولا تتحركان!"
"من تعتقد نفسك؟ أنا أميرة!"
"وهنا أنا قائد السفينة! وإذا لم تعجبك الأوامر، فيمكنك السباحة عائدة!"
أخذ نجم الدين يشرح لهما تعليمات السلامة بغضب، وكانت كل جملة يقولها تزيد الموقف كوميدية. بينما كان غالب يحاول مسك مرجانة التي كانت تتعثر في كل اتجاه بسبب اهتزاز السفينة.
بعد أن انصرف نجم الدين، جلست مرجانة على صندوق وأخذت تتنهد: "كاد قلبي يخرج من صدري!"
فجأة، أخرجت من جيبها قطعة حلوى وبدأت تأكلها بهدوء. نظرت قمر الدين إليها ثم ابتسمت، متذكرة المواجهة الهزلية التي حدثت بينها وبين نجم الدين.
"هل رأيتِ كيف كان وجهه يحمر؟ كأنه فلفل حار!"
"أنتِ من تسببتِ في هذا الموقف!"
"لكن كان ممتعاً، أليس كذلك؟"
ضحكت قمر الدين بصوت خافت، وكانت أول مرة تضحك فيها منذ أيام. ربما كانت هذه الرحلة، رغم كل مفاجآتها، بداية لشيء جميل.
تفكير في العزلة:
دخل نجم الدين إلى غرفته في السفينة وأغلق الباب بقوة، ثم جلس على كرسيه الخشبي وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة. وجهه كان لا يزال محمراً من شدة الغضب، وعيناه تتقدان بنيران الغضب.
"يا للعجب! أميرة متسللة! وماذا بعد؟ ربما سيصعد السلطان نفسه في المرة القادمة!"
قام يمشي في الغرفة الضيقة جيئة وذهاباً، ثم توقف أمام النافذة الصغيرة يحدق في الأمواج المتلاطمة.
"اللهم لا شأن لي بما حدث، وأعوذ بك من الحيرة بعد اليقين."
جلس مرة أخرى وأخذ يتنفس بعمق، محاولاً تهدئة أعصابه. ثم أخذ يسبح على اصابعه ويذكر الله بصوت خافت.
"سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم."
بدأ غضبه يخفت تدريجياً، وحل محله التفكير العميق. أخذ يرتب أفكاره واحدة تلو الأخرى.
"الآن، ماذا أفعل؟ لا يمكنني العودة، والاستمرار في الرحلة معهما يشكل خطراً عليهما وعلى المهمة."
نظر إلى الخريطة الملاحية المعلقة على الحائط.
"إذا استمررنا في مسارنا الحالي، فسنصل إلى جزيرة الشيطان خلال شهر. لكن كيف أحميهما من الأخطار؟"
قام وفتح صندوقاً خشبياً صغيراً، وأخرج منه مخطوطة قديمة عن الجزيرة الأسطورية.
"يقال أن الجزيرة محمية بأسرار سحرية، وأن من يدخلها لا يعود. كيف سأحميهما من هذا المصير؟"
جلس يفكر طويلاً، ثم قرر أخيراً:
"سأخصص لهما غرفة منفصلة، وأضع حراساً عليهما. ولن أسمح لهما بالنزول عند وصولنا إلى الجزيرة."
همس وهو يهز رأسه: "يارب، سلم ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين."
كان يعلم أن هذه المفاجأة غير المتوقعة قد غيرت كل خططه، لكن إيمانه الشديد بأن كل شئ بإرادة الله جعله يتقبل الموقف، وإن كان ذلك على مضض.
الاختفاء المروع:
في قاعة الاجتماعات بقصر الريحان البهي، كان السلطان فخر بن المنصور والأمير معتصم وجلساء القادة من السلطنتين منشغلين بمناقشة خطط الدفاع. كانت الخرائط منتشرة على الطاولة الكبيرة، والجميع يبدون جادين ومتفانين في العمل.
"لقد أكملنا نقل المؤن إلى القلاع الشرقية، وأصبحت مستعدة لمواجهة أي هجوم." قال أحد القادة.
"ممتاز. والتحصينات البحرية؟" سأل السلطان فخر.
"السفن الحربية في مواقعها، وحراسة السواحل على أكمل وجه." رد الأمير معتصم.
فجأة، دخل الحارس والخادم غسان إلى القاعة بسرعة، ووجه غسان شاحب من الخوف.
"يا مولاي! يا مولاي! كارثة!"
"ما الأمر يا غسان؟ اهدأ وتكلم."
"الأميرة قمر الدين... ومرجانة... لقد اختفتا!"
ساد صمت رهيب في القاعة. ثم نهض السلطان فخر فجأة: "ماذا تقول؟!"
"لقد بحثنا في كل مكان في القصر، ولم نجدهما. وهذه الورقة وجدناها في غرفة الأميرة."
أخذ السلطان الورقة بيد مرتعشة وقرأ: "أبي العزيز، أغفر لي هذا الفعل، لكنني لا أستطيع أن أعيش حياة لا أريدها. سأعود عندما أجد طريقي. ابنتك قمر."
سقط السلطان فخر على كرسيه، ووجهه يعكس الصدمة والألم. "يا الله... ابنتي... أين ذهبتِ؟"
نهض الأمير معتصم مسرعاً: "يجب أن نبدأ البحث فوراً! سأشارك بنفسي في عملية البحث!"
"لكن التحضيرات للحرب..." قال أحد المستشارين.
"لا حرب بدون شرف! لا يمكننا ترك الأميرة في خطر!" رد معتصم بحزم.
أمر السلطان فخر: "أعلنوا حالة الطوارئ! ابحثوا في كل زاوية في السلطنة! وأرسلوا فرق البحث إلى المدن المجاورة!"
بدأت الفوضى في القاعة، الجميع يتحرك بقلق، والسلطان العجوز يجلس منكسراً على كرسيه، يتمتم: "يا قمر... لماذا فعلتِ هذا؟ لقد كنتُ أريد الأفضل لكِ فقط."
كانت صدمة الاختفاء قد أضافت عبئاً ثقيلاً على كاهل الجميع، في وقت هم بأمس الحاجة إلى الوحدة والتركيز.
الرعاية والأمان:
في منزل نجم الدين المتواضع، جلست ياسمين في زاوية الغرفة، عيناها لا تزالان تدمعان على فراق أخيها. كانت تشعر بالوحشة في البيت الخالي، والقلق يتملك قلبها.
فجأة، سمعت طرقاً على الباب. فتحت لترى المستشار جابر بن زهير واقفاً على العتبة، ومعه امرأة محجبة في منتصف العمر، ومجموعة من الحراس.
"السلام عليكم يا ياسمين."
"وعليكم السلام يا سيدي."
"لقد أتيت لأطمئن عليكِ، وأخبرك أنني سأكون مسؤولاً عن رعايتك حتى يعود أخوك."
"شكراً لك يا سيدي، لكنني لا أريد أن أكون عبئاً على أحد."
"أنتِ ليست عبئاً، بل أمانة. وهذا وعد قد قطعته لأخيكِ."
أشار جابر إلى المرأة التي ترافقه: "هذه هي فاطمة، ستبقى معكِ في البيت لترعاكِ وتصاحبكِ."
تقدمت فاطمة مبتسمة: "السلام عليكم يا ابنتي."
"وعليكم السلام... تفضلي." ردت ياسمين بخجل.
التفت جابر إلى الحراس: "هؤلاء الحراس سيقفون على باب المنزل لحمايتكِ، وسيكونون تحت أمركِ في أي وقت."
"لكنني لا أستحق كل هذا الاهتمام."
"بل تستحقين أكثر. وأي شيء تحتاجينه، فقط أخبري فاطمة، وسأحضره لكِ فوراً."
نظرت ياسمين إلى جابر بعينين شاكريتين: "جزاك الله خيراً يا سيدي. لطالما كان أخي يحدثني عن حكمتك وطيبتك."
"أخوكِ رجل شجاع، وهو يستحق منا كل الدعم. والآن، هل تريدين شيئاً محدداً؟"
"لا... فقط أدعو الله أن يعيد أخي سالماً."
"سنفعل جميعاً ذلك. والآن، سأترككِ مع فاطمة. إذا احتجتِ لي لأي سبب، فأرسلي أحد الحراس."
غادر جابر المنزل، تاركاً ياسمين في رعاية فاطمة والحراس. شعرت ياسمين بالطمأنينة، وعرفت أن هناك من يهتم بها في غياب أخيها. جلست مع فاطمة تتناولان كوباً من الشاي، وبدأت حياة جديدة مليئة بالرعاية والحماية، في انتظار عودة البطل الغائب.
فرح بالشر:
في قاعة العرش بقصر الصخر الأسود، جلس الأمير حازم بن ناصر يتلقى تقارير استخباراتية حديثة من جواسيسه. فجأة، دخل عليه أحد مساعديه مسرعاً ومتحمساً.
"يا مولاي، أخبار عاجلة من سلطنة الريحان البهي!"
"ما الخبر؟ هل بدأوا الهجوم؟"
"لا، بل الأخطر! الأميرة قمر الدين قد اختفت!"
قام حازم من عرشه فوراً، وعلت وجهه ابتسامة شريرة: "اختفت؟ متى؟ وكيف؟"
"منذ ليلتين، ولا أحد يعرف أين ذهبت. والسلطان فخر في حالة من الذعر!"
"هذا رائع! سيعتقدون أننا خطفناها! الحرب التي ننتظرها ستندلع قريباً!"
"لكننا لم نخطفها يا مولاي!"
"لا يهم! الفرصة سانحة الآن!"
أشار حازم إلى قادة جيشه: "استعدوا! قدموا خطط الهجوم فوراً!"
"لكن خططنا قد تستغرق أسبوعاً آخر!"
"لا وقت للانتظار! انطلقوا الآن!"
"ما هي أوامرك المباشرة يا مولاي؟"
"أولاً: عززوا القوات على الحدود. ثانياً: أرسلوا السفن الحربية إلى الممرات البحرية الاستراتيجية. ثالثاً: جهزوا فرق مدربة من الجنود للهجمات الخاطفة."
"هل نبدأ الهجوم المباشر؟"
"ليس بعد. دعوهم يتوهمون أننا خاطفو الأميرة. عندما يهاجموننا لاستعادتها، سنكون مستعدين لفخ محكم!"
"وهل ننفي اختطافها؟"
"لا! دع الشكوك تنتشر! دع الخوف يتملكهم!"
خرج القادة مسرعين لتنفيذ الأوامر، بينما بقي حازم في القاعة يضحك بنشوة.
"الحرب قادمة لا محالة، وسأكون أنا المنتصر فيها! الريحان البهي والنجم الساطع سيسقطان في يدَي!"
لم يكن يعلم أن الأميرة كانت في مكان بعيد، على سفينة تتجه إلى مصير مجهول، وأن حربه المزعومة ستكشف عن مفاجآت لم يكن يتوقعها.
الرياح والتحديات:
بعد يومين من العزلة في غرفته، خرج نجم الدين إلى سطح السفينة، حيث كان طاقمه ينتظره بقلق. وجهه يعكس الجدية والحزم بعد فترة من التأمل والتفكير.
"أيها الإخوة، لقد قررت كيف سنتعامل مع هذا الموقف الطارئ. يجب أن نعدل خططنا لضمان سلامة الجميع."
قال قاسم: "لقد جهزنا الغرفة الأمامية للأميرة ومرجانة، وهي أكثر الغرف أماناً."
"جيد. الآن، أريد إرسال رسالة إلى السلطان عبر الحمام الزاجل نطمئنه فيها على ابنته."
سمعت قمر الدين ذلك فأسرعت نحو نجم الدين: "لا! لا تفعل! أبي سيجبرني على العودة لإتمام الزواج!"
"لكن من حقي أن أبلغ والدكِ بأنكِ في أمان."
"أتوسل إليك! أقسمت عليك بالله ألا تفعل! إن أبي سيأمرك بإرجاعي فوراً، وسأضطر للزواج من رجل لا أحبه!"
توقف نجم الدين للحظة، ونظر إلى عينيها المليئتين بالدموع والتوسل. رأى فيها كبرياء أميرة تتحطم، وإرادة فتاة ترفض الظلم.
"أنتِ أميرة، لا ينبغي أن تتوسلي بهذا الشكل. كرامتكِ أهم من أي شيء."
"الكرامة أن أكون حرة في اختيار مصيري، لا أن أكون دمية في يد السياسة."
"فهمت... سأحترم رغبتكِ. لكن اعلمي أن الرحلة ستكون قاسية، وقد لا تتحملين مشقة البحر."
"لقد رأيتك في السوق وأنت تنصر المظلوم، والآن أطلب منك أن تنصرني."
في تلك اللحظة الحاسمة، بدأت السفينة تهتز بعنف غير مسبوق. كانت مرجانة تسير على سطح السفينة تحمل طبقاً من الحلوى، ففقدت توازنها وسقطت كالكرة.
"آه! الحلوى! أنقذوا الحلوى!"
أسرع غالب محاولاً الإمساك بها، لكن ثقلها جعلهما يسقطان معاً. كانت مرجانة فوق غالب، الذي كان يحاول الخروج من تحت وزنها.
"ابتعدي عني! عظامي ستنكسر!"
"أحاول ولكن لا أستطيع!"
في هذه الأثناء، كانت السفينة تهتز بشدة بسبب شيء ضخم في الماء. أمسك نجم الدين بقمر الدين بسرعة وثبتها بقوة، منعاً لها من السقوط في البحر. شعرت بقوة ذراعه تحيط بها، ورائحة البحر تختلط برائحة عطره.
"تمسكي بي! لا تتحركي!"
"ما هذا؟ لماذا تهتز السفينة هكذا؟"
"هناك شيء ضخم في المياه!"
كان نجم الدين يمسك بقمر الدين بقوة، بينما كانت هي تشعر بدفء حمايته لها. في خضم الفوضى، التقت عيونهما للحظة، وكانت نظرة قمر الدين تحمل شيئاً من الامتنان والثقة.
كانت والسفينة لا تزال تهتز، والجميع في ذعر، ونجم الدين يحمي قمر الدين، لا يعلمان ما الذي ينتظرهما في الايام القادمة، ولا يدريان أن هذه اللحظة كانت بداية لشيء مختلف بينهما.