نجم وقمر - الفصل السابع: عتبة المجهول - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نجم وقمر
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السابع: عتبة المجهول

الفصل السابع: عتبة المجهول

المهمة الخطيرة: دخل نجم الدين قاعة العرش بخطى ثابتة، منحنياً بإجلال أمام مقام السلطان الجليل. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أكرمني بلقاء مقامكم العالي مولاي." أشار السلطان فخر بن المنصور بيده مبتسماً: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. مرحباً بك في قصرنا، ونسأل الله أن تكون قد تعافيت تماماً من جراحك." "الحمد لله على كل حال، والشكر لله على نعمة الصحة والعافية." "لقد بلغني ما حدث لك من إصابة أثناء الدفاع عن غريب. هذا يدل على شجاعتك ونبل أخلاقك." "إن الشجاعة الحقيقية هي في الدفاع عن الحق، والرحمة هي في الوقوف بجانب المظلوم." نظر السلطان إلى مستشاره جابر بن زهير بإعجاب، ثم عاد إلى نجم الدين: "لقد استدعيتك لأمر عظيم، قد يغير مصير سلطنتنا بأكملها." "أنا مستعد لسماع ما يريده مقامكم الكريم." "هل سمعت عن السيف الأسطوري الذي يقال إنه يمنح قوة لا تقهر لمن يحمله؟" "سمعت بعض الحكايات، لكني لم أعطها اهتمام كبير." "هذا السيف حقيقي، وهو موجود في جزيرة الشيطان، حيث الضباب الدائم والرياح التي تغني أناشيد الموتى." "جزيرة الشيطان... لقد سمعت البحارة يتحاشون الاقتراب منها." "نحن بحاجة إلى هذا السيف لحماية سلطنتنا من الأخطار المحدقة. وهناك من يتربص بنا من السلطنات المجاورة." "فهمت... تريدونني أن أقود رحلة للبحث عن هذا السيف." "نعم، وقد اخترتك لهذه المهمة لشجاعتك وخبرتك في البحار." "إنها رحلة محفوفة بالمخاطر يامولاي، وقد لا يعود منها أحد." "أعلم ذلك، ولهذا سأوفر لك كل ما تحتاجه من موارد ورجال." "القرار ليس سهلاً... دعني أفكر في الأمر جلالتكم." "خذ وقتك، لكن تذكر أن سلطنتنا بحاجة إلى بطل مثلك." وقف نجم الدين مفكراً لحظة، ثم رفع رأسه بعزيمة: "سأقبل هذه المهمة، ليس طمعاً في شيء لا سمح الله، بل دفاعاً عن أرضنا وشعبنا." "بارك الله فيك يابني! متى يمكنك الانطلاق؟" "أحتاج إلى عشرة أيام لتجهيز السفينة واخبار طاقمي." "سيكون كل ما تحتاجه تحت تصرفك. وعدني بالعودة سالماً." "أعدك يامولاي بأن أبذل قصارى جهدي، لكن النتيجة بيد الله." انحنى نجم الدين مرة أخرى، ثم غادر القاعة وهو يعلم أنه قبل مهمة قد تكون الأخيرة في حياته، لكن إيمانه بالله وحبه لسلطنته جعلاه يقبل التحدي بكل شجاعة وإيمان. التنصت والفضول: خلف الباب الخلفي للقاعة، كانت مرجانة تضع أذنها على الشق بتركيز شديد، تحاول التقاط أي كلمة من الحديث الدائر داخل قاعة العرش. وكانت تعابير وجهها تتغير بين الاهتمام والدهشة مع كل جملة تسمعها. فجأة، شعرت بيد تمسك بعنقها من الخلف، فانتفضت من الخوف. التفت لترى غسان الخادم واقفاً خلفها متعجباً. "ما الذي تفعلينه هنا يا مرجانة؟ أتتنصتين على مجلس السلطان؟" "أنا... أنا أبحث عن قطتي الصغيرة! لقد ضاعت مني!" "قطتك؟ وهل تعيش القطط في قاعة العرش؟" "إنها قطتي المدللة! تحب الأماكن الفخمة!" "اسمعي يا مرجانة، إن التنصت على مجالس السلطان جريمة يعاقب عليها قانون السلطنة!" "حسناً... سأذهب للبحث عنها في مكان آخر!" أسرعت مرجانة مبتعدة، وتوجهت مباشرة إلى جناح الأميرة قمر الدين. دخلت الغرفة وهي تلهث. "سيدتي! سيدتي! لقد سمعت كل شيء!" "ماذا سمعتِ؟ اهدئي وأخبريني!" "السلطان كلف نجم الدين بالبحث عن السيف الأسطوري! الرحلة ستكون بعد عشرة أيام!" "السيف الأسطوري؟ هل تقصدين ذلك السيف الذي تتناقل عنه الأساطير؟" "نعم! ويقال إن الرحلة خطيرة جداً! حتى غالب سيرافقهم!" "غالب؟ هذا يعني أنه سيكون في خطر أيضاً..." "ماذا سنفعل؟ لا أستطيع أن أتحمل فكرة فقدان غالب!" جلست قمر الدين صامتة لحظة، ثم بدأت ابتسامة خبيثة تظهر على محياها. "لدي فكرة... لكن لا أعلم عواقبها." "ما هي؟ أخبريني!" "لا... ليس الآن. أولاً، يجب أن أذهب لمقابلة الأمير معتصم كما أمرني والدي." "لكن كيف تذهبين لتقابلي الأمير وفي خاطرك فكرة أخرى؟" "الثعالب الصغيرة تخفي أفكارها تحت فرائها الناعم يا مرجانة." غادرت قمر الدين الغرفة بخطى ثابتة، تاركةً مرجانة في حيرة من أمرها، تتساءل ما هي الفكرة التي تدور في رأس سيدتها، ولماذا كانت عينا قمر الدين تلمعان بذلك البريق الغامض. الاستعداد لما هو قادم: عاد نجم الدين إلى الميناء بخطى ثابتة، وجمع طاقمه على ظهر السفينة. وقف أمامهم بجدية، وعيناه تعكسان عزمًا لا يتزعزع. "أيها الإخوة، لقد كلفنا السلطان بمهمة خطيرة، وهي البحث عن السيف الأسطوري في جزيرة الشيطان." قال غالب مندهشًا: "جزيرة الشيطان؟! تلك التي لم يعد منها أي بحار!" "نعم، لكنها مهمة للوطن، والوطن يستحق التضحية." سأل قاسم بقلق: "وماذا عن المخاطر؟ كيف سنواجه الأمواج الهائجة والضباب القاتل؟" "لقد درست المسار، وسأعدل السفينة لتتحمل العواصف. كما سنزودها بمؤن تكفينا لمدة طويلة." همس رماح: "وما المكافأة التي سيعطينا إياها السلطان؟" "لم أسأل عن المكافأة، فحماية السلطنة أعظم مكافأة. لكنني واثق أن السلطان سيكافئنا بما نستحق." قال جاد بحكمة: "الأمر خطير، لكن الثقة في قيادتك تطمئننا يانجم الدين." "سنبدأ الرحلة بعد عشرة أيام. خلال هذه الفترة، أريد من كل منكم أن يستعد بدنياً ونفسياً." في تلك اللحظة، وصلت ياسمين إلى السفينة، وعيناها تفيضان بالقلق. "أخي، هل صحيح أنك ستخوض رحلة إلى جزيرة الشيطان؟" "لا تقلقي يا ياسمين، فالله يحمي عباده المؤمنين." "لكنني أخاف عليك! أنت كل ما أملك في هذه الدنيا!" "أعدك بأن أعود إليكِ سالماً، لا تقلقي." احتضنته ياسمين وهي تبكي، ثم همست في أذنه: "سأدعو لك في كل صلاة بأن الله يحفظك ويرجعك إليّ سالماً." شعر الطاقم بالحماس والوفاء، وبدأوا في الاستعداد للرحلة بقلوب مليئة بالإيمان والعزيمة، مستعدين لمواجهة أي خطر في سبيل وطنهم. الطمع والغرور: في قاعة العرش بقصر الصخر الأسود، جلس السلطان ناصر بن سليمان على عرشه، مُحاطاً بمستشاريه، بينما وقف ابنه الأمير حازم أمامه بعينين متقدتين بطموح لا يعرف حدوداً. "يا بني، أتوسل إليك أن تتراجع عن خطة الغزو. الدماء التي ستسفك لن تجلب لنا إلا اللعنة." "لا يمكنني التراجع الآن يا أبي، لقد أصبحت القوات جاهزة والحلم قاب قوسين أو أدنى." "لكننا لسنا بحاجة إلى أراضي الآخرين، فسلطنتنا غنية بما يكفي." "غنية؟! أراضينا جافة وشعبنا جائع، بينما جيراننا يعيشون في رغد من العيش!" المستشار الأول تقدم قليلاً: "صاحب السمو، ربما يمكننا التفاوض بدلاً من الحرب." "التفاوض؟! لماذا نتفاوض ونحن الأقوى؟ لقد أصبح جيشنا جاهزاً، ورجالنا متعطشون للنصر." نظر السلطان ناصر إلى ابنه بعينين حزينتين: "الطمع أعمى بصرك يابني. النصر الحقيقي هو في تحقيق السلام، لا في إشعال الحرب لا تكن ظالماً ياحازم، إن كان أخيك عدنان هنا لن يقبل بما تفعل." "كفى هراءً! لقد ضعفتم أيها الشيوخ، أما أنا فشاب طموح، أعرف كيف أمسك بزمام الأمور. أما بالنسبة لذلك الهارب بحجة التعلم ف هو ليس رجلاً بما يكفي ليحقق الرغد والزهو للسلطنة... لا أريد أن أسمع أسمه يذكر أمامي." "أخشى أن يكون هذا الطموح هو سبب هلاكنا جميعاً وهلاكك أنت قبلنا." "لا تخف يا أبي، فسأجلب لك المجد الذي لم تستطع تحقيقه في سنوات حكمك الطويلة." خرج الأمير حازم من القاعة مزهواً، تاركاً والده الجليل جالساً على عرشه، رأسه منحنٍ من شدة الحزن، وعيناه تدمعان على ابنه الذي أعمى الطمع قلبه، وعلى السلطنة التي قد تدفع ثمن غرور أميرها. كان السلطان ناصر يعلم أن ابنه يسير في طريق الهلاك، لكنه كان عاجزاً عن وقفه، فقد استولى الطمع على قلب حازم كما تستولي النار على الغابة اليابسة. أخبار مقلقة: في مكتب السلطان حسان بن القاسم بسلطنة النجم الساطع، كان الجوّ مشحوناً بالقلق. دخل المستشار الأمين بن صالح حاملاً لفافة من الرسائل، وعيناه تعكسان الانشغال. "يا مولاي، لقد وصلتنا أخبار مقلقة من جواسيسنا في سلطنة الصخر الأسود." "ماذا حدث؟ هل همّوا بالهجوم على حدودنا الشرقية؟" "لا يا مولاي، لقد تجاوزوا ذلك. فقد بدأوا بتحركات جديدة غير مسبوقة." "أي تحركات هذه؟" "هم يجهزون أسطولاً بحرياً ضخماً، ويعززون قواتهم على حدود سلطنة الريحان البهي من الناحية الغربية." "من الناحية الغربية؟ لكن تلك حدود آمنة منذ عقود!" "يبدو أنهم يخططون لهجوم مفاجئ من جهة غير متوقعة." قام السلطان حسان ماشياً نحو خريطة كبيرة مثبتة على الحائط. "هذا يعني أنهم يريدون تطويق السلطنتين معاً." "بالضبط يا مولاي. ولن نستطيع مواجهتهم وحدنا." "إذاً فلا خيار أمامنا. يجب أن يتم التحالف مع سلطنة الريحان البهي، سواء تمّ الزواج أم لم يتم." "ولكن الأمير معتصم لم يبلغنا بعد بنتيجة مفاوضاته." "الوقت لا يحتمل الانتظار. أرسل رسالة عاجلة إلى السلطان فخر بن المنصور. أخبره أن التحالف أصبح ضرورة حتمية، وليس خياراً." "وإذا رفض؟" "لن يرفض. إنه رجل حكيم، ويعرف أن مصلحة شعبه فوق كل اعتبار." "ماذا عن موضوع الزواج؟" "الزواج كان وسيلة للتحالف، لكن ليست الوسيلة الوحيدة. يمكننا التحالف بالاتفاقيات والوعود الدبلوماسية." "حسناً يا مولاي، سأكتب الرسالة فوراً." "واجعلها رسالة عاجلة، واختر أفضل الفرسان لنقلها. يجب أن تصل قبل فوات الأوان، واكتب أيضاً رسالة الى معتصم." غادر المستشار الأمين المكتب مسرعاً، بينما بقي السلطان حسان واقفاً أمام الخريطة، عيناه تتابعان حدود السلطنتين، متسائلاً إن كان التحالف سيتحقق في الوقت المناسب لإنقاذ شعبه من خطر داهم. لقاء بارد: في حديقة القصر وقت الغروب، جلست قمر الدين على مقعد حجري تحت شجرة زيتون معمرة، بينما جلس الأمير معتصم مقابلها بكل رسمية. كانت الشمس تلوح في الأفق، تترك خلفها أشعة ذهبية تزين السماء. "أشكرك على قبولك هذا اللقاء أيتها الأميرة." قال معتصم بهدوء. "إنها رغبة والدي، وأنا أحترم رغبته."ردت قمر ببرود. "أتمنى أن نتعرف على بعضنا أكثر. أخبريني عن اهتماماتك." "اهتماماتي بسيطة، لا تليق بمقام أمير مثلك." "كل الاهتمامات نبيلة عندما تكون من شخص نبيل." "ربما، لكنني أفضل الصمت على الكلام الآن." "هل يمكنني أن أعرف رأيك في الزواج؟" "الزواج يعني كمال نصف الدين، لكنه يحتاج إلى توافق في المشاعر." "أوافقك الرأي. وأنا أؤمن بأن المشاعر تنمو بالتعارف والصداقة." "قد تكون محقاً، لكن لكل شيء وقته." كان حديثها موجزاً وبارداً، بينما كان هو يحاول كسر الحاجز بينهما دون جدوى لكن ما هون عليه هذه المقابلة تذكره لياسمين ذات العيون الزمردية. فجأة، دخل أحد الحرس مسرعاً. "يا سمو الأمير، هناك رسالة عاجلة من سلطنة النجم الساطع." "اعذريني ياصاحبة السمو، يجب أن أطلع على هذه الرسالة فوراً." "كما تريد." وقف معتصم منحنياً قليلاً: "لقد تم الاتفاق مع السلطان على إقامة الزواج بعد عشرة أيام. أتمنى أن تعطي لي فرصة لمعرفة بعضنا أكثر خلال هذه الفترة." غادر معتصم مع الحارس، تاركاً قمر الدين في الحديقة. دخلت مرجانة مسرعة. "كيف سارت المقابلة؟ هل أعجبكِ الأمير؟" "لا تسألي أسئلة سخيفة." "لكنه وسيم ومهذب! وأظنه معجب بكِ حقاً!" "المظاهر خداعة يا مرجانة. وما قيمة الوسامة دون انسجام القلوب؟" "ولكنكِ لم تعطيه فرصة! كان بإمكانكِ التحدث معه أكثر!" "قلبي لا ينفتح بالقوة، كما لا تُفتح الزهرة بالعواصف." "إذاً ماذا ستفعلين؟ الزواج بعد عشرة أيام!" نظرت قمر الدين إلى الأفق حيث توارى معتصم عن الأنظار، وقالت بهدوء: "الشمس تغرب، وسيغرب معها الزواج."