الفصل السادس: عودة البطل
الاحتفاء بالعائد:
بعد أيام من تعافي نجم الدين، وعندما دخل حانة النورس مع أصدقائه، ارتفعت هتافات الفرح والترحيب. وقف جميع البحارة والعمال في الحانة يحيون قدومه، وامتلأ المكان بالبهجة والضحكات.
"مرحباً بعودة البطل! لقد اشتقنا إليك يا نجم الدين!"
"الحمد لله على سلامتك! فرحتنا لا توصف بعودتك!"
تقدّم صاحب الحانة وهو يحمل أفضل أنواع المشروبات والعصائر. "اليوم كل طلباتكم هدية مني، فهذه ليلة فرح لا تُنسى!"
جلس نجم الدين مع أصدقائه حول الطاولة الكبيرة، وبدأ الجميع يحيطون به، يسمعون منه قصة شفائه، ويعبرون عن فرحتهم بعودته.
"لقد صلينا جميعاً لشفائك، والله استجاب الدعاء."
"أنت مثال للشجاعة والإيثار، ونحن نفتخر بك."
كان النادلون يتناوبون على خدمة الطاولة، ويقدمون أفضل المأكولات والمشروبات دون طلب، تعبيراً عن حبهم وتقديرهم لنجم الدين.
شكر نجم الدين جميع الحاضرين بتواضع: "لولا دعواتكم ودعمكم ما تعافيت بهذه السرعة. أنتم خير أصدقاء وخير رفاق."
استمرت الاحتفالات حتى ساعات متأخرة من الليل، تخللها تبادل القصص والذكريات، وكانت ليلة جميلة جمعت الأصدقاء حول من يستحق التكريم، تثبت أن القلوب الطيبة تجذب المحبة والاحترام أينما تذهب.
أوامر وامتعاض:
في قاعة العرش الفاخرة، جلس السلطان فخر بن المنصور على عرشه، محتداً ومهموماً. دخل المستشار جابر بن زهير بانحناءة احترام.
"أيها المستشار، لماذا لم تستدع نجم الدين حتى الآن لكي نكلفه بالمهمة؟"
"أعتذر يا مولاي، لقد كان نجم الدين مختفياً بسبب إصابة بالغة تعرض لها، ولم يظهر إلا البارحة في حانة النورس."
"إصابة بالغة؟ وكيف حدث ذلك؟"
"أنقذ رجلاً من قطاع الطرق، وتحمل الطعنة مكانه. لكنه الآن تعافى والحمد لله."
"اطلبه للحضور فوراً. إن تحركات سلطنة الصخر الأسود تزداد خطراً يوماً بعد يوم، ونحن بحاجة إلى ذلك السيف الأسطوري لتعزيز قوتنا."
"سمعاً وطاعة يا مولاي."
همّ جابر بالانصراف، لكنه توقف عندما دخلت الأميرة قمر الدين قام بتحيتها ثم انصرف. كانت قمر الدين تسير بخطوات متثاقلة، وملامحها تعبر عن الامتعاض.
"أبي، لقد طلبتني؟"
"نعم يا ابنتي. اليوم سوف تجلسين مع الأمير معتصم في حديقة القصر، لتتعرفي عليه وتتبادلا أطراف الحديث."
"كما تأمر يا أبي."
"ليس أمراً يا قمر، بل فرصة لتعرفي شاباً نبيلاً من أصل كريم."
"حسناً يا أبي. هل من تعليمات أخرى؟"
"كوني على طبيعتك، ودعيه يرى فيك الأميرة المهذبة ذات الاخلاق العالية."
"حسناً."
غادرت قمر الدين القاعة بنفس الرسمية المبالغ فيها، معبرة بذلك عن رفضها الداخلي لهذا الزواج، تاركةً والدها حائراً بين واجبه كسلطان يريد حماية مملكته، ومشاعره كأب يريد سعادة ابنته.
غضب وابتزاز:
دخلت قمر الدين إلى جناحها وهي في حالة غضب عارم، فدفعت الباب بعنف حتى اصطدم بالحائط، ثم أمسكت بإناء من البلور الثمين ورمته أرضاً فتحطم إلى أشلاء.
كانت مرجانة تجلس على الأريكة تتناول طبقاً من الحلويات، فانتفضت من الخوف وهي تقول: "بسم الله الرحمن الرحيم! ما هذا الصوت؟"
عندما رأت قمر الدين وهي تتلفت بغضب في الغرفة، قامت مسرعة: "استعيذي بالله من الشيطان الرجيم يامولاتي! ما الذي يغضبكِ هكذا؟"
"أبي يجبرني على الجلوس مع ذلك الأمير! كأنني سلعة في السوق!"
"لا تقلقي، فالأمر قد لا يكون بهذا السوء."
"وما الحل؟ لا أستطيع رفض الأمر!"
فكرت مرجانة لحظة ثم قالت: "ماذا لو ارتديتُ أنا ملابسكِ وقابلت الأمير بدلاً منكِ؟"
نظرت قمر الدين إلى جسد مرجانة الممتلئ ثم قالت: "حتى أوسع فستان لدي لن يدخل في ذراعكِ!"
"حسناً... ربما يمكننا أن نجعله يشم رائحة طعام فاسد فيفقد وعيه فنطرده!"
"وهل تظنين أن هذا سيجدي نفعاً؟"
"ماذا لو أخبرنا غالب فيقوم بضربه؟"
صاحت قمر الدين: "هل تريدين أن تبدأي حرباً بين السلطنتين يامرجانة؟"
"على الأقل سيكون الأمر ممتعاً! يمكننا أن ندفع للأطفال ليرموه بالطماطم!"
"يا لسخافة أفكاركِ! إن الأمر أخطر من ذلك بكثير."
جلست قمر الدين على الأريكة منهكة، بينما كانت مرجانة تلتقط قطع البلور المكسور، وتهمس: "على الأقل لم يكن الإناء مليئاً بالحلويات... والا كانت خسارة حقيقية!"
بعد لحظات من الصمت، بينما كانت مرجانة تعود إلى تناول حلواها، نهضت قمر الدين فجأة وانقضت على كتف مرجانة تعضه بعصبية، بينما كانت مرجانة تمسك بقطعة الحلوى في يدها.
"آه! لماذا تعضينني؟ هذه ليست قطعة لحم!"
"أحتاج إلى تفريغ غضبي! وأنتِ أقرب شيء أمامي!"
"لكنني لستُ خروفاً لتأكلي كتفي! إن أردتِ شيئاً تأكلينه فها هي الحلويات!"
تراجعت قمر الدين إلى الأريكة مرة أخرى، بينما كانت مرجانة تفرك كتفها وتنظر إلى قطعة الحلوى التي كادت تسقط من يدها، ثم همست: "الحمد لله أن الحلوى سلمت... هذا هو المهم!"
الاستدعاء الملكي:
على سفينة النسر، كان نجم الدين وطاقمه منهمكين في أعمال الصيانة والفحص. كان نجم الدين يفحص الحبال بينما كان غالب يصقل السطح الخشبي، وكان براء يصلح الأشرعة. فجأة، ظهر المستشار جابر بن زهير ومعه خمسة من جنود القصر بملابسهم الرسمية.
"نجم الدين بن راشد، السلطان فخر بن المنصور يطلب حضورك فوراً في أمر هام."
توقف الطاقم عن العمل فوراً، وظهرت علامات القلق على وجوههم. تقدم غالب بقلق: "ما الأمر يا سيدي؟ هل هناك مشكلة؟"
أجاب جابر: "الأمر خاص بالسلطان، ولا يمكن البوح به هنا."
نظر نجم الدين إلى طاقمه المتردد: "لا تقلقوا، وواصلوا العمل على السفينة. سأعود قريباً إن شاء الله."
سار نجم الدين مع جابر والجنود عبر شوارع السوق. رأى صاحب حانة النورس المشهد فانزعج، وتقدم مسرعاً: "أيها المستشار، هل هناك خطب ما؟"
"لا تقلق، إنه شأن من شؤون السلطنة."
"ولكن نجم الدين رجل طيب، ولا يستحق أي مكروه!"
"هو في رعاية السلطان، ولا خوف عليه."
استمرت المجموعة في السير حتى شاهدتهم ياسمين من بعيد. أسرعت نحو أخيها مذعورة: "أخي! ما هذا؟ ما الذي يحدث؟"
احتضنها نجم الدين: "لا تخافي يا ياسمين، السلطان يطلبني في أمر هام."
قال جابر: "اطمئني يا فتاة، فهناك خيرٌ ينتظر أخاكِ."
نظرت ياسمين إلى أخيها بعينين دامعتين: "أعدني أنك ستعود سالماً."
"أعدك. اما الان فاستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه."
سار نجم الدين مع الجنود، تاركاً ياسمين واقفة تتابعه بنظرة قلقة، بينما كان صاحب الحانة يحاول تهدئتها، والطاقم على السفينة يتناقلون الأخبار بقلق، لا يعلمون أن هذا الاستدعاء سيكون بداية لمغامرة جديدة ستغير مصير السلطنة بأكملها.
الفضول والوعود:
في جناح الأميرة قمر الدين، كانت الأميرة تجلس على أريكتها، تنتظر موعد لقائها مع الأمير معتصم بقلق بالغ. كانت تتقلب على مقعدها، لا تعرف كيف تتصرف في هذا الموقف الصعب.
على الشرفة المجاورة، وقفت مرجانة تراقب ما يحدث في ساحات القصر، وفجأة لمحت شيئاً مثيراً للدهشة.
"يا مولاتي! تعالي بسرعة! انظري من على الشرفة!"
"أتركيني وحدي، لا أهتم بما يحدث في الخارج."
"لكن الأمر يخص الشاب الذي أنقذكِ في السوق!"
نهضت قمر الدين فجأة: "ماذا؟ أتقصدين نجم الدين؟"
"نعم! إنه هنا في القصر! يرافقه مستشار السلطان والحرس!"
"ما الذي يفعله هنا؟ هل هو في ورطة؟"
"لا أعلم، لكن المنظر يثير الفضول!"
"مرجانة، يجب أن تعرفي ما الذي يحدث. إذا جلبتِ لي المعلومات، فسأهديكِ صندوقاً كاملاً من الحلويات الفاخرة!"
"صندوق كامل؟ سأعرف الحقيقة فوراً!"
أسرعت مرجانة نحو الباب، لكنها علقت في مدخل الشرفة بسبب ضيق المكان وجسمها الممتلئ.
"آه! علقت! سيدتي، يجب أن تدفعيني لأتمكن من المرور!"
دفعتها قمر الدين بقوة، فانطلقت مرجانة كالكرة ودخلت إلى الممر. التفتت قمر الدين إلى الشرفة لترى نجم الدين يدخل إلى مدخل القصر برفقة الحرس، ثم عادت إلى غرفتها تنتظر أخبار مرجانة بفارغ الصبر.
بعد عدة دقائق، عادت مرجانة تتلهف، تلهث من شدة الركض: "لقد اكتشفت السر! إنه أمر عاجل وخطير!"
"ما هو؟ أخبريني بسرعة!"
"لا أعلم بالضبط! لكنهم دخلوا إلى ممرات قاعة العرش وأغلقوا الأبواب!"
"يا للخيبة! إذن لم تعرفي شيئاً!"
"لكنني سأعرف! سأذهب إلى المطبخ، فالطباخون يعرفون كل الأسرار!"
تركت مرجانة الغرفة مرة أخرى، بينما بقيت قمر الدين في حيرة من أمرها، تتساءل ما الذي يمكن أن يجمع بين نجم الدين وسلطان الريحان البهي، وما الدور الذي قد يلعبه في مصيرها هي شخصياً.
على عتبة القصر:
وقف نجم الدين أمام الباب الكبير لقاعة العرش، بحراسة الجنود الذين رافقوه، بينما دخل جابر بن زهير ليستأذن له بالدخول. كان نجم الدين يتطلع حوله في صمت، متأملاً في فخامة القصر وعظمته.
وبينما هو ينتظر، مر من هناك الأمير معتصم مصادفة، فلما رأى نجم الدين مع الجنود، تقدم مسرعاً مصافحاً اياه.
"ما الذي يحدث هنا يا صديقي؟ لماذا أنت مع الجنود؟"
"لا أعرف بالتحديد، لقد استدعاني السلطان فخر بن المنصور لأمر هام."
"استدعاء مفاجئ؟ هذا يثير القلق."
"لا تقلق، فأنا لم أرتكب ما يستدعي العقاب."
"هل تريدني أن أتدخل؟ يمكنني التحدث مع السلطان."
"شكراً لك، لكنني أفضل أن أواجه الأمر بنفسي."
"كما تريد، لكن اعلم أنني هنا إذا احتجت إلي."
في تلك اللحظة، خرج جابر بن زهير من قاعة العرش، فأشار إلى نجم الدين بالدخول. التفت نجم الدين إلى معتصم: "أستأذنك الآن."
"حظاً موفقاً يا صديقي. سأكون في الانتظار إذا احتجت لأي شيء."
دخل نجم الدين إلى القاعة الفخمة، وجد السلطان فخر بن المنصور جالساً على عرشه العظيم، محاطاً بحاشيته وحراسه.
تقدم نجم الدين بخطوات واثقة، ثم انحنى انحناءة محكمة، مبتدئاً التحية بأدب جم: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي أكرمني بلقاء مقامكم العالي مولاي."
نظر السلطان إلى نجم الدين نظرة متأملة، لاحظ فيها وقاره وأدبه، فرسمت ابتسامة خفيفة على محياه. كان اللقاء قد بدأ، والمصير ينتظر قراراً سيغير حياة الجميع.