الفصل السادس والثمانون
" the writer Aridj "
.
.
.
خرج الشيخ أولًا، أغلق الباب خلفه بهدوءٍ ثقيل، كأن الصمت الذي تركه كان أثقل من كل الكلمات التي قيلت.
لم يتحرك أحد للحظة.
وقفت وعد فجأة.
لم تقل شيئًا.
لم تنظر إلى طلال.
خطت خطوة واحدة، ثم ثانية، وكأن قدميها لا تحملانها بل تُساقان.
فتحت الباب وخرجت.
ما إن ابتعدت خطوتين في الممر حتى خانها جسدها.
ارتخت أطرافها دفعة واحدة، انحنت، ثم جلست أرضًا، وظهرها للجدار.
انفجرت.
لم يكن بكاءً عاديًا.
كان انهيارًا مكتومًا، شهقات متقطعة، كأن صدرها يرفض الهواء.
وضعت كفها على فمها، تحاول كتم الصوت، لكن الدموع سبقتها، سالت بحرقة، بلا توقف.
كانت تتذكر نفسها قبل ساعات فقط.
وعد التي كانت تضحك.
وعد التي كانت تحلم.
وعد التي قيل لها إن العالم أوسع من الخوف.
والآن…
زوجة.
ليس لأن قلبها اختار.
بل لأن الخطر فرض.
في الداخل....رفعت نفسھا من الأرض وسارت نحو تلك الغرفة ولازلت تعتمد على الجدار وحرارة دمع تلسع قلبھا قبل وجنتيھا ....
:
:
وقف طلال وحده.
نظر إلى الورقة على الطاولة.
اسمه.
اسمها.
سطر واحد… غيّر كل شيء.
وعد بنت عبد الرحمن ...لمرة الأولى يعرف اسمھا منذ ان التقاھا .تمنى لو أنھ تزوج في ظروف أفضل من ھذھ ولو أنھ لم يظطر الى ظلم أحد بسبب أفعال والدھ .
رفع رأسه، فوجد جاسر واقفًا عند الباب.
لم يقل شيئًا.
كانت تلك النظرة…
ليست غضبًا، ولا رضا.
كانت نظرة رجل رأى ابنه يفلت من يده لأول مرة.
قال جاسر أخيرًا بصوت منخفض، بلا سخرية هذه المرة /كذا يعني… كبرت ياولد حصة .
لم يرد طلال.
لكن في عينيه كان شيء يشبه الخسارة.
استدار جاسر، خرج، ومشى في الممر.
وقف هناك.
في نفس المكان الذي سيشهد نهايته لاحقًا.
وهنا… توقّف الزمن.
:
:
دوّى صوت إطلاق النار من جديد.
كأن البيت كله ارتجّ.
تحرك سلطان بسرعة، صرخ /انتبهوا!
جاسر كان لا يزال واقفًا في الممر، نفس المكان، نفس الوقفة…
لكن الزمن هذه المرة لم يكن في صالحه.
خرج رعد من خلف الزاوية.
التقت العيون.
لم يكن في نظرة رعد أي تردد.
كانت نارًا خالصة.
اندفع نحوه، لكن طلال ظهر فجأة، وقف بينهما.
صرخ رعد /ابعد!
رد طلال بانفعال لأول مرة /مو الحين!ھذا أبوي ماراح أتركھ
دفعه رعد بكتفه بقوة /هذا دم أختي… ودم أماني!
تدخل سلطان بسرعة، فصل بينهما/كلكم توقفوا !
لكن الرصاص لم ينتظر.
أحد رجال جاسر أطلق النار.
رد خالد.
رد مازن.
تحولت الممرات إلى فوضى.
جاسر حاول التراجع، رفع سلاحه، لكن رصاصة مجھولة سبقت يده.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
سقط.
لم يمت فورًا.
وقع على ركبتيه، رفع رأسه بصعوبة.
نظر إلى طلال.
ابتسم.
قال بصوت مبحوح، بالكاد يُسمع /حتى… وأنت… كسرتني بس انا مسامحك وتذكر أني حبيتك ياولدي
ثم سقط جسده على الأرض.
ساكنًا.
انتهى.
ساد صمت ثقيل.
نظر طلال إلى الجسد.
خطوة واحدة للأمام.
ثم أخرى.
ركع.
لم يبكِ فورًا.
حدّق في وجه والده، كأنه ينتظر أن يفتح عينيه، أن يقول شيئًا، أن يسخر…ان يناديھ والد حصيصة ....
لكن لا شيء.
انهار.
وضع كفه على عينيھه، وانحنى جسده، خرج الصوت أخيرًا.
بكاء رجل فقد والده…
حتى لو كان وحشًا.
في الجهة الأخرى، كان رعد قد اندفع نحو الدرج.
صعده ركضًا.
فتح الباب بعنف.
وجد وعد جالسة على الأرض، ظهرها للجدار، نفس الوضعية، نفس الانكسار.
توقفت شهقتها حين رأته.
صرخت باسمه /رعد…
لم يقل شيئًا.
انحنى، احتضنها بقوة.
ضمّها إلى صدره، كأنه يعيد بناءها قطعة قطعة.
وضعت رأسها على كتفه، وبكت…
لكن هذه المرة، لم تكن وحدها.
وقف سلطان عند الباب.
نظر إليهما و أدار وجهه وغادر .
انتهى الاشتباك.
انتهى جاسر.
لكن القصة…
لم تنتهِ بعد.