الفصل الخامس والثمانون
" the writer Aridj "
.
.
.
كان الممر ضيقًا، أطول مما ينبغي، وكأن الجدران نفسها تنكمش لتشهد المواجهة الأخيرة.
وقف جاسر في منتصفه، كتفاه مشدودتان، وابتسامة باردة تعلو شفتيه، تلك الابتسامة التي لا تعني سوى أن الدم لم يكفه بعد.
قال بسخرية وهو يفتح ذراعيه قليلًا /نورتوا بيتي… والله ما قصرتوا.
تشنّج جسد رعد، تقدّم خطوة واحدة فقط، لكن سلطان مدّ ذراعه بقوة وأوقفه، كأنه يثبّت بركانًا على وشك الانفجار.
صرخ رعد بغضب ممزوج بقھرھ /وين أختي يا.....؟؟؟ وينھااااااا؟؟؟
قال سلطان بصوت منخفض لكنه حاد /مو الآن.
ضحك جاسر ضحكة قصيرة، خالية من الفرح، وقال /وش فيك يا سلطان؟ خايف؟ ولا تحسب إن لعبتك اليوم غير؟
اقترب سلطان خطوة، ثبّت عينيه في عيني جاسر وقال ببرود قاتل /اللعبة انتهت من زمان… وأنت الخاسر .
لم تتغيّر ملامح جاسر، لكن عينيه خانتاه.
التفت قليلًا، ثم صرخ بصوت عالٍ /طلال!
في الأعلى، كان طلال واقفًا أمام الباب المغلق، ظهره إليه، وكأن جسده صار حاجزًا بين وعد والعالم كله.
تجمّدت وعد في مكانها عند سماع الطلقات قبل قليل، ثم الصوت… ثم الصمت.
الصمت كان أكثر رعبًا من الرصاص.
قالت بصوت مبحوح /وش اللي يصير؟
لم يلتفت إليها، لكنه شدّ قبضته وقال /و لا شي… خليك مكانك.
ثم جاء الصوت من الأسفل، واضحًا، آمرًا /طلال! انزل… الحين.
أغلق طلال عينيه للحظة.
ليس خوفًا… بل لأن الحقيقة على وشك أن تسحق كل شيء.
فتح الباب، لكن قبل أن يخرج، التفت إلى وعد، وقال بنبرة لم تترك مجالًا للجدال /اقفلي الباب، ولا تفتحينه مهما صار.
هزّت رأسها بسرعة، والدموع تملأ عينيها.
نزل الدرج ببطء.
كل درجة كانت أثقل من التي قبلها.
في الممر، التقت العيون.
الأب، الابن، والرجال الذين يعرفون أن هذه اللحظة ستُكتب بالدم.
قال جاسر وهو يشير بيده /تعال… خلّك شاهد.
نظر طلال إلى سلطان، ثم إلى رعد، ثم قال بهدوء /وش تبغى؟
اقترب جاسر، حتى صارا وجهًا لوجه، وقال بصوت خفيض مليء بالسم /أبغى أفهم… متى قررت تصير عدوي؟
رد طلال دون تردد /يوم قررت تصير وحش.
تغيرت ملامح جاسر، صفعة واحدة كانت أقرب من أي كلمة، لكن سلطان تحرّك بسرعة، أمسك بذراع جاسر وأبعده خطوة.
قال سلطان بصرامة /لمس واحد ثاني… وتنتهي القصة هنا.
ضحك جاسر، نظر حوله، ثم قال /تحسبون أنكم فزتوا؟ البيت مليان… واللي فوق ما يدري وش ينتظره.
تشنّج طلال /وش تقصد؟
ابتسم جاسر ببطء، وقال /زوجتك.
انفجر رعد واندفع /يا ابن…
قاطعه سلطان بصوت صارم /رعد!
رعد بعضب ممسكا بسلطان /وش تبي مني افعد أصفق على زواج أختي ولا اقعد اتفرج على صزر عرسھا وش تريد ؟؟؟؟
لكن طلال كان قد تحرك بالفعل.
اندفع نحو الدرج، قلبه يسبقه.
في الأعلى، كانت وعد واقفة خلف الباب، تسمع الأصوات، الكلمات المتقطعة، ثم وقع الأقدام المسرعة.
تراجعت خطوة، ثم أخرى، حتى لامس ظهرها الجدار.
فتح الباب بعنف.
دخل طلال، أنفاسه متلاحقة، نظر إليها بسرعة، ثم أغلق الباب خلفه بالمفتاح.
قال بصوت مرتجف للمرة الأولى /أنتِ بخير؟
هزّت رأسها، لم تستطع الكلام.
اقترب منها خطوة، ثم توقّف، وكأنه يخشى أن يقترب أكثر مما يسمح به الوعد الذي قطعه.
قال /اسمعيني زين… مهما صار تحت، ما راح يوصلك أحد. مفهوم؟
قبل أن تجيب، دوّى صوت ارتطام قوي في الأسفل، تلاه صراخ، ثم إطلاق نار متقطع.
شهقت وعد، وضعت يدها على فمها.
قال طلال بحدة وهو يرفع صوته لأول مرة /قلت لك لا تخافين!
في الأسفل، كان الاشتباك قد عاد، لكن هذه المرة بلا أقنعة.
رجال جاسر المتبقون اندفعوا من الممرات الجانبية، وكأن البيت لفظهم دفعة واحدة.
صرخ سلطان /انتشار!
رعد لم ينتظر.
اندفع كالإعصار، لا يرى سوى صورة أماني وهي تسقط وذكرياتھ مع شقيقتھ التي خطفت أمامھ .
كل لكمة، كل طلقة، كانت ثأرًا.
خالد كان يغطي اليمين، مازن الخلف، وسلطان في المنتصف، يتحرك بحساب، لا يخطئ.
جاسر تراجع خطوة، ثم أخرى.
لأول مرة… لم يكن هو المسيطر.
صرخ بغضب /وينكم؟!
لكن لا أحد أجاب.
اقترب سلطان منه ببطء، رفع سلاحه، وقال /انتهى وقتك.
رفع جاسر يديه قليلًا، ضحك بمرارة /تحسب نفسك البطل؟
قال سلطان /لا… أنا النهاية.
في الأعلى، جلست وعد على الأرض، ظهرها للجدار، تضم نفسها.
كل صوت طلقة كان يخترقها.
لكن وسط الفوضى، تذكرت صوته وهو يقول: اطمئني.
وأمسكت بتلك الكلمة… كأنها حبل نجاة.
:
:
كان الوقت متوقفًا في تلك الغرفة.
لا ساعة تُسمَع، ولا هواء يتحرك، فقط أنفاس متقطعة، ووجوه مشدودة كأنها على وشك الانكسار.
جلس الشيخ على الكرسي الخشبي البسيط، فتح دفتره ببطء، رتّب أوراقه، وكأن الطمأنينة التي اعتاد حملها غابت عنه هذه المرة.
ألقى نظرة عابرة على الوجوه من حوله، ثم ثبّت عينيه على طلال.
قال بصوت هادئ متزن /نبدأ على بركة الله.
كانت وعد تجلس على طرف الكرسي، ظهرها مستقيم أكثر مما يحتمل جسدها، يداها في حجرها، أصابعها متشابكة بقوة، كأنها تحاول أن تمسك نفسها كي لا تتلاشى.
لم ترفع رأسها.
لم تنظر لأحد.
قال الشيخ /اسم الزوج؟
أجاب طلال دون تردد /طلال بن جاسر.
دوّن الشيخ الاسم، ثم رفع رأسه قليلًا /هل تقبل الزواج من وعد بنت عبد الرحمن على كتاب الله وسنة رسوله، وبالمهر المسمّى بينكما؟
ساد صمت ثقيل.
لم يكن صمت تردد…
بل صمت إدراك.
قال طلال بصوت ثابت، لكنه أعمق مما يبدو /قبلت.
كلمة واحدة، لكنها حملت ثقل مسؤولية لم يخترها حبًا، بل اختارها نجاة.
تحرك قلم الشيخ على الورق، ثم التفت بوجهه نحو وعد.
خفّض صوته، كأنه لا يريد أن يضغط عليها أكثر مما هي فيه /يا ابنتي… هل تقبلين الزواج من طلال بن جاسر؟
ارتعشت أنفاسها.
شدّت أصابعها أكثر.
كانت تسمع صدى صوت أبيها في رأسها، صور طفولتها، ضحكاتها، وعدها لنفسها أن لا تكون يومًا ضعيفة…
لكنها اليوم لم تكن تملك سوى القبول أو الضياع.
لم تخرج الكلمة.
رفع الشيخ نظره قليلًا، انتظر، ثم قال بلطف /يا ابنتي، إن كان في صدرك شيء، فقولي.
رفعت رأسها ببطء.
لأول مرة، التقت عيناها بعيني طلال.
لم يكن فيهما قسوة.
ولا انتصار.
كان فيهما شيء يشبه الوعد… الصامت.
ابتلعت ريقها، وقالت بصوت خافت، لكنه مسموع /قبلت.
كأن الغرفة زفرت دفعة واحدة.
دوّن الشيخ الكلمة، ثم قال /بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
لم يكن هناك تصفيق.
ولا تهنئة.
ولا ابتسامات.
كان عقدًا كُتب بالحبر…
لكن ثُبّت بالخوف.
نهض الشيخ، جمع أوراقه، وقال وهو يغلق دفتره /
تم العقد.
وقف طلال.
التفت إلى وعد، قال بصوت منخفض لا يسمعه سواها /ترى ما تغير شي… أنا على كلمتي.
هزّت رأسها بصمت.
خرج الشيخ.
وبقي الاثنان في الغرفة.
بينهما عقد زواج.
وبينهما مسافة أكبر من العالم.
جلست وعد ببطء، كأن جسدها استوعب الآن فقط ما حدث.
وضعت يدها على صدرها، أنفاسها غير منتظمة.
قال طلال بعد لحظة/روحي ارتاحي.
لم تجبه.
لم يكن هذا زواجًا يُحتفل به.
كان هدنة.
وكان القدر قد كتب أول سطوره…
بقلمٍ لم يطلب الإذن.......