الفصل الثالث والثمانون
" the writer Aridj "
.
.
.
وصلت السفينة إلى الميناء أخيرًا، كأنها تضع حملها بعد مخاضٍ ثقيل.
نزل القبطان أولًا، ألقى المرساة لتثبيت السفينة، ثم انحنى يربط الحبل ويديره حول الخشبة بإتقانٍ سريع. وما إن انتهى حتى ابتعد بخطواتٍ متعجلة عن مرمى نظر ذلك المخيف الغاضب، كأنما يخشى أن تُقطع أطرافه في لحظة طيش، وتُترك زوجته أرملة وطفله حِملًا في بطنها.
لم يقترب جاسر من السفينة.
وقف بعيدًا، كأنه يحاول ضبط أعصابه التي توشك أن تنفلت.
وقعت عيناه على ابنه، الذي كان يقف بشموخه الهادئ؛ ذلك الهدوء الذي طالما أركبه، ولم يكن يتوقع يومًا أن يرى جانبه الأسود، أو أن يُجبر على مواجهته وجهًا لوجه.
تقدّم رجال جاسر نحو السفينة، لكن إشارةً واحدة من يده كانت كفيلة بإيقافهم، فتراجعوا جميعًا خلفه، ينتظرون أمره.
اتجه طلال إلى وعد، اقترب منها ليعينها على النهوض.
مدّت يدها نحوه بصعوبة، وكأن هذا الطرف المتصل بها صار ثقيلًا عليها، محمّلًا بالخوف والإنهاك.
أعانها على الوقوف، ولم يتركها حتى تمالكت نفسها واعتدلت، رغم علمه بأنها تمثل التماسك كي لا يقترب أكثر مما تحتمل.
تقدّم إلى الأمام، وكانت خلفه، تتوشح بمعطفه الرمادي، كأنها تختبئ داخله لا تحته.
نزل طلال من السفينة، وحين وصلت وعد إلى مقدمتها، لم تقوَ على القفز من شدة حرقة قدميها وإنهاك جسدها.
مد يده إليها، فتشبثت بها، ونزلت ببطء.
لم يسحب يده حتى لامست قدماها الأرض.
استدار ومشى، وهي خلفه، كأنها تحتمي به… وهذا هو الواقع، فلم يكن لها غيره في تلك اللحظة.
صفق جاسر ساخرًا وهو يرى ابنه يتقدم نحوه، حتى توقفا، ولم تفصل بينهما سوى مسافة قصيرة مشحونة بكل ما لم يُقل.
قال جاسر بسخرية لاذعة /كفو يا طلال… إن شاء الله عاجبك دور البطولة، طال عمرك.
لم يرد طلال.
اكتفى بالصمت؛ فمهما كان، هذا والده، لن يسيء إليه، وفي الوقت ذاته لن يسمح له بإيذاء الأبرياء.
صرخ جاسر بغضب /تكلم! ليش ساكت؟ وش تظن نفسك فاعل؟ ترفع السلاح على رجالي وتعيش لقطات رومانسية مع زوجتي؟
ابتسم طلال ابتسامة جانبية ساخرة، ظهرت معها غمازته التي تضفي على ملامحه جمالًا غير متكلف.
قال وهو يدير وجهه للجهة الأخرى /كان مع أمي حق يوم قالت إنك ناقص عقل.
أمسك جاسر بكنزته الصوفية، رافعًا إياها قليلًا عن الأرض، وقال بغيظ /كبرت وطالع لك لسان يا ولد حصيصة.
رد طلال بملامحه الباردة التي لا تُظهر انفعالًا /لو ما كنت ناشبًا في قلبك، لكنت نطقت اسمها زين… اسمها حصة.
أفلت جاسر ابنه، ودفعه بقوة، ليقع بصره على تلك الصغيرة المرتعشة خلفه، كأنها فرخ صُبّ عليه دلو ماءٍ بارد.
ضحك ساخرًا وقال /لا يا طلال، ما قصرت… فزعت لزوجة أبوك وغطيتها، بسم الله على قلبك الطيب.
تقدم طلال نحوه، وقال بحدة مكتومة /ما توقعت يجي يوم أتأكد فيه إنك ما تنتمي لبني آدم.
تجاهله جاسر، ووجّه حديثه إلى وعد التي لم ترفع عينيها عن الأرض /إذن يا عبد الرحمن، عندك كل هالزين وساكت عليه؟
اقترب منها ورفع رأسها إليه، وقبل أن يتحدث، أبعد طلال يد والده عن وجهها، وأعادها خلفه، وقال /إذا ما استحيت مني، استحي من شيباتك. عندك ابن بطولك، وراح تتزوج وحدة بعمر عيالك.
غضب جاسر وقال من بين أسنانه /مو من شأنك… انطم، لا أسكتك بطريقتي.
رد طلال بهدوءٍ متقن /كنت تقولي يا يبّه إنك راح تحقق لي طلباتي إذا جيتك وطلبتك.
قال جاسر وقد بدا نفاد الصبر واضحًا على ملامحه /وبعدين؟
قال طلال بثبات /أنا يا يبّه راح أتزوج هالبنت.
كأن الصدمة أسكتت وعد، وتركت المجال لدموعها لتنهمر.
لا تزال عيناها تعانقان الأرض، والرؤية أمامها تتضبب تارة، وتعود شبه واضحة تارة أخرى.
لم يجب جاسر ابنه بكلمة.
التفت إلى السيارات التي امتلأت برجاله، وقال دون أن يلتفت /يلا… ورايا.
ابتسم طلال بمكر، وهو يعلم أنه تمكن من والده.
لكن السؤال الذي أثقل صدره: كيف سيعيد بناء الثقة مع تلك الصغيرة الخائفة التي تقف خلفه؟
استدار إليها، ولم يقل سوى كلمة واحدة /اطمئني.
ومشى… فمشت خلفه.
.....كيف يُطلب مني أن أرفع راية اليأس، وداخلي يشتعل؟
كيف لابنة الرجال، أخت الرجال، أن تُعامل كبضاعة؟
ما الذنب الذي اقترفته يا والدي، حتى أصبح أنا كبش الفداء؟
:
:
حطّت طائرتهم أخيرًا على أرض أمريكا، وبدأ سلطان وآرون الإشراف على نزولهم.
أرسل سلطان فرقة مكوّنة من سبعة رجال، معهم مازن، إلى الميناء، وأمرهم بالعودة إلى الإحداثيات التي سيرسلها إن لم يجدوا شيئًا.
أما البقية، فقسّمهم إلى فرقتين:
فرقة تحمي ظهورهم وتبقى في الخارج،
وفرقة تهاجم.
التفت إلى رعد وقال له بحزم /رعد، راح تكون بالفرقة الأولى، وما راح تدخل الهدف.
كيف له أن يمنعه من الأخذ بالثأر لشقيقته؟
أيحاول أن يخرجه عن طور هدوئه، أم ماذا؟
تقدم نحو سلطان وقال بحدة /لو كانت فيك ذرة إنسانية، خليني أدخل معاكم. وما راح أعرقل سير الهجوم.
قال سلطان بعد لحظة /تمام يا رعد.
كان آرون يشرف على قيادة الفرقة الأولى، يراقب سلطان بصمت، ينتظر الفاجعة.
تصرفات سلطان لم تعجبه، خصوصًا إقحامه أولئك المتدربين في عملية الهجوم.
.....ياليتني أكتشف يا سلطان ما تفكر فيه.
سرعان ما وصل ماركوس إلى موقعهم، ووزّع عليهم خريطة المكان.
و بعد مفاهمة قصيرة، انطلقوا جميعًا نحو المجهول الذي ينتظرهم،
لينصتوا لناقوس الخطر… وقد دُق بالفعل.