الفصل الثاني والثمانون
" the writer Aridj "
.
.
.
كان طلال يقف في أعلى السفينة، عند المنظار، كأنما اعتلى قمة العالم ليرى الحقيقة أوضح وأقسى.
سحقًا…
فوالده في انتظاره، محاطًا برجاله، ويبدو أن الجرذين اللذين في الأسفل قد أبلغاه بكل شيء.
ومع ذلك، لم يكن طلال ممن يسكتون عن المنكر حين يرونه رأي العين.
أي ذنبٍ اقترفته تلك الصغيرة ليقحمها والده في أعماله المشبوهة ؟
لا بد أن أهلها الآن يتخبطون قهرًا عليها، كما يتخبط رجالٌ تُسلب كرامتهم ويُداس شرفهم بلا ذنب.
ما الذي تسعى إليه يا جاسر؟ وإلى أي هاوية تقود الجميع؟
نزل طلال إلى حيث وعد.
وجدها لا تزال على حالها، ساكنة كغصن مكسور ألقي به في مهب الريح.
اقترب منها بحذر، وانحنى حتى صار في مستواها، أسند إحدى ركبتيه إلى الأرض، والأخرى إلى كف يده، متعمدًا ألا يقترب أكثر مما ينبغي، خشية أن يضاعف خوفها.
شعرت وعد بأنفاسٍ تشاركها المكان.
رفعت رأسها ببطء، والتقت عيناهما في عناق متوتر، في قلب المحيط، حيث لا شاهد سوى البحر.
لم يخفَ على طلال لمعان عينيها البنيتين، تلمعان خوفًا، كبركة ماءٍ انعكس عليها وجه الرعب.
قال بصوتٍ هادئ، لكن ثباته كان أوضح من أي صراخ /إذا وصلنا للميناء، ما أبيك تبعدين عني. ومهما صار، راح أحميك، حتى أردك لأهلك. اتفقنا؟
أومأت برأسها في صمت، ثم خفضته مجددًا، كأنها تسلم له ما تبقى من طمأنينتها.
نهض هو، نفض ركبتي سرواله الأسود الكلاسيكي، وعاد إلى مكانه في مقدمة السفينة، موجّهًا بصره إلى عيني ذلك الصقر الغاضب، حتى وإن كان لا يزال بعيدًا عن رؤيته، لكنه حاضرٌ في وجدانه بقوة.
:
:
في المستشفى، كان مشعل مع فرقته يحرسون غرفة عبد الرحمن وزوجته.
أمرهم سلطان بذلك احتياطًا، خشية احتمال اغتيالهما، فقد أشار جاسر في رسالته إلى الموت، وإن جاء ذكره بصفة غير مباشرة، لكنها كانت كافية لإشعال القلق.
رأى مشعل فهد يتقدم نحوه، وسأله بقلقٍ مغلف بهدوءٍ مصطنع /ما في أخبار عنهم يا أخي؟
أجابه مشعل محاولًا التخفيف عنه /ما في أي شي جديد، بس إن شاء الله يكونوا بخير. عادي تصير أمور مثل هيك، فالعمليات أحيانًا ينقطع الاتصال لأيام.
أومأ فهد برأسه، وكأنه يقنع نفسه قبل أن يقنع غيره، ثم تركه واتجه عائدًا إلى تالين، التي كانت تجلس في غرفة والدة رعد، بعد أن صرّح الطبيب بأن سبب إغمائها مجرد فقر دم بسيط.
صعد إليها، سلّم على من كانوا يحرسون الغرفة، ثم دخل.
وجد أخته، كعادتها، تتلو آيات كتاب الله، تحرّك صفحاته بين يديها بخشوعٍ يلامس القلب.
وما إن رأته حتى أغلقت المصحف، ونهضت إليه بلهفةٍ واضحة، وسألته بصوتٍ مرتجف /وش قالك يا فهد؟ في أخبار عنهم؟
كيف له أن يتجاوز نبرتها الملحّة المكسورة؟
لم يكن أمامه سوى أن يرقّع الواقع، ولو بكذبةٍ صغيرة.
قال محاولًا التماسك /بخير، بخير… وفي طريقهم لوعد، وإن شاء الله هي كمان بخير.
ابتلعت كلماته في صمت.
لم يخفَ عليه أنها لم تصدّق، لكنها، مثلَه، اختارت أن تقنع نفسها بهذه الكذبة الصغيرة، لعلّها—برحمة الله—تنقلب يومًا ما إلى حقيقة.....