الفصل السادس عشر
كاريلا صحيت النهاردة وهي واخدة قرار: خلاص اللي فات مات، والنهاردة بداية جديدة بريحة الدهب والعز.
قامت بطاقة إيجابية مكنتش موجودة قبل كدة، فطرت فطور ملكي وهي لسه على السرير، ولبست طقم من اللي يفتحوا النفس : بلوزة بيضاء شيفون رقيقة جداً، بكمام واسعة ومنفوخة بتنتهي بأسورة، وفيها "فيونكة" سوداء رفيعة عند الرقبة مديتها شكل راقي وبسيط في نفس الوقت. و بنطلون واسع بكاروهات رمادي وأسود، متصل بحمالات عريضة من نفس القماش، ومزين بصفين من الزراير الدهبية اللي بتلمع وشكلها شيك جداً.
وقبل ما تخرج، مسكت إزازة عطر من ماركة عالمية غالية أوي ورشت رشة قوية، بس الرائحة كانت نفاذة ومستفزة لدرجة إنها كتمت نَفَسها وخلتها تكح جامد. مسحت عينيها وقالت لنفسها
"يظهر إن غلو الثمن مش كل حاجة، ريحة الياسمين والفانيليا اللي كنت بحطها كانت أحلى بكتير وأرق".
_____
نزلت كاريلا الجنينة وهي حاسة إنها بتمشي فوق السحاب. كانت بتوزع ابتساماتها على كل اللي يقابلها، حتى البستاني ومساعدينه ألقت عليهم التحية وهي مستمتعة بريحة الورد وألوانه اللي كانت بتفتح النفس في الممرات الخضراء المقصوصة بانتظام والنافورة اللي في النص بتعزف أرق سيمفونية مية.
بس فجأة، الجمال ده كله اتبخر لما شافت "الخيال الأسود" بيقرب.. ديمتري. كان ماشي بخطواته القوية، لابس أسود كالعادة، وجسمه الضخم ووشه الشاحب رغم قوته كانوا بيدي له هيبة مرعبة .
كاريلا أخدت نَفَس عميق وقررت إنها هتبدأ معاه "معاهدة سلام"؛ وترمي الكوابيس ورا ضهرها.
ورددت في سرها
"مش هخليه يكسرني.. أنا بقيت غريري زيه دلوقتي !"
وقف ديمتري قدامها، عينيه الحادة كانت بتخترق وشها كالعادة. بس هي رسمت ابتسامة هادية وسألته بأدب
"إزيك يا ديمتري؟ بقالي كذا يوم مش بشوفك، يا رب تكون بخير؟"
ديمتري رمقها بنظرة سخرية مريرة، وضحكة باردة طلعت من بين سنانه وهو بيقول
"والله .. مش عارف أسمي ده شجاعة ولا غباء مطلق إنك لسه هنا ..."
كاريلا حاولت تتجاهل سمّه وكملت بقلب ميت
" ايوه! وعشان كده عايزة نبدأ من الاول ، معاهدة صلح او سلام سميها زي ما انت عايز . أنا عرفت من ليون إننا ولاد عم.. يعني دمنا واحد واسمنا واحد. ليه ماننساش اللي فات ونبدأ صفحة جديدة كقرايب؟ العيلة لازم تكون إيد واحدة".
ومدت إيدها الصغيرة الرقيقة وهي مستنية منه يصافحها.
ديمتري فضل باصص لإيدها الممدودة وبعدين لوشها المبتسم بلطف ببرود يخلي الدم يتجمد في العروق. نزل إيدها بنظرة من عينيه وقال بصوت زي فحيح الأفاعي
"عيلة؟ قرايب؟ إنتي صدقتي التمثيلية دي بجد؟ إنتي مجرد 'غلطة' البوص حب يصلحها عشان يريح ضميره. إنتي كبرتي من غير أب، وعشتي عمرك كله في الفقر، ودلوقتي جاية تلبسي قناع 'الأميرة' وعايزة تمثلي دور العيلة السعيدة ؟ فوقي يا شاطرة.. محدش هنا طايق يشوف وشك، ولا حد هيقبلك كفرد " قال الكلام ده بانفعال وكأنه بيقنع ويتكلم مع نفسه .
وبعدين شاور بإيده على كلاب الحراسة السوداء الضخمة اللي كانت واقفة بعيد وقال
"شايفة الكلاب دي؟ دي فصيلة عريقة، بتعرف تميز 'دم الغريري الصافي' من ريحته.. الكلاب دي لو وقفتي قدامها هتنبح عليكي لأن ريحتك غريبة . ريحة فقر وضعف.. إنتي مالكيش مكان هنا، والدم اللي في عروقك ده مش كفاية عشان يخليكي واحدة من الغريري "
كاريلا تجمدت في مكانها، الكلمات كانت زي السكاكين بتقطع في قلبها. الدموع بدأت تتجمع في عينيها وسقطت دمعة ساخنة على خدها المحمر، وبعدها الانهيار حصل.
بصت له بنظرة أخيرة كلها قهر وقالت بصوت مخنوق
"أنا فعلاً غلطت لما فكرت إنه فيك ريحة البشر.. أنا مش هسامحك لا النهاردة ولا بعد مليون سنة!"
وجريت من قدامه وهي بتعيط بحرقة وصوت شهقاتها مالي المكان. ديمتري فضل واقف مكانه، لعن نفسه ولعن اليوم اللي شافها فيه، وزعق بعصبية وهو بيقول
"مش عايز أسمع صوت حد! البكاء ده بيوجع دماغي!"
وهو من جواه بيغلي لأن دموعها، ولأول مرة، هزت حاجة جوه قلبه اللي كان فاكره حجر.
_______
كانت نايمة على جنبها في السرير، ودموعها غرّقت المخدة من ساعة الفجر، الخادمات داخلين طالعين، قلقانين على "السيدة" اللي رافضة تلمس الأكل، بس هي كانت في عالم تاني خالص.. إزاي تاكل؟ واللقمة هتنزل إزاي وهي كل ثانية بيتردد في ودنها كلام جوزها؟ الكلام كان زي السكاكين اللي بتقطع في جسمها وهي صاحية.. كلامه عن "حياة" وعنها هي، كان بيمزقها حرفياً، بيحسسها إن عمرها اللي ضاع كان "كدبة" كبيرة.
واللي زود الوجع وجع، وكتم على نفسها أكتر، إن فؤاد حتى مكلّفش خاطره ييجي يعتذر، ولا يطيّب خاطرها بكلمتين.. ده هجر السرير، وهجر الأوضة كلها، ومجاش ناحيتها خالص، كأنها وباء بيتهرب منه، أو كأنها مابقتش موجودة أصلاً في حساباته.
قامت بتقل الدنيا في جسمها، ووقفت قدام الشباك بتبص لبره، وشافتها.. شافت "بنت الست دي"، البنت اللي جت عشان تخطف منها كل حاجة، شافت كاريلا وهي ماشية بخطوات "مبهرجة" وفرحانة، بتضحك وتوزع ابتسامات على البستانيين وكأن القصر ده بقى ملكها خلاص.
في اللحظة دي، ماريا حست بألم مبالغ فيه في صدرها.. نغزة قوية خلتها تسند على الحيطة وهي مش قادرة تاخد نفسها. الوجع كان تقيل، تقيل لدرجة إنها حست إن روحها بتتسحب منها وماحدش شايف.. الخيانة وحشة، والغدر من أكتر إنسان حبته في حياتها كان طعمه علقم.
قالت لنفسها بصوت مبحوح وهي بتترعش
"هو الوجع ده مش هيخلص؟ طب لو نمت شوية.. يمكن يختفي؟"
رجعت للسرير بسرعة وبدأت تفتح الأدراج بـ "نهجان" وعصبية، بتدور على "السر" اللي مخبياه.. هي عارفة إنه عندها، كانت شايلاه للزمن. قلبت الدرج يمين وشمال لغاية ما لقيت العلبة.. "الدواء النفسي" اللي الدكتور كان كاتبهولها زمان لما كانت الدنيا بتسودّ في وشها.
بصت للعلبة والدموع لسه نازلة على خدها زي الشلال، وقالت
"لابأس.. لو أخدته دلوقتي هرتاح.. هنام بس."
فتحت العلبة وأخدت حبة.. وبعدين حبتين.. بس حست إن ده مش كفاية عشان يسكّت الصراخ اللي جواها، فبدأت تاخد أكتر، حبة ورا حبة، وهي بتبلعهم بمرارة وقهر، وكأنها بتبلع وجع سنينها كلها، عشان بس تقدر تغمض عينيها وتتخلص من صورة فؤاد وهو بيقولها إنها كانت "الاختيار التاني".
بس ماريا كانت بتموت بالبطيء، وهي فاكرة إنها بتهرب للنوم.
______
الساعات مرت والقصر كان غرقان في صمت غريب، صمت يسبق العاصفة. في الممر الطويل اللي فيه جناح السيد والسيدة، كانت واحدة من الخادمات واقفة محتارة، بتقدم رجل وتأخر رجل قدام باب أوضة ماريا.
خادمة تانية قربت منها وهمست
"واقفة كدة ليه يا بنتي؟ في حاجة حصلت؟"
الخادمة ردت بارتباك
"المصمم اللي الست ماريا كانت مستنياه من فترة اتصل، وقال إن ميعاد طيارته اتأخر.. إنتي عارفة السيدة ماريا كانت مهتمة بالموضوع ده إزاي، وخايفة أدخل أقولها تفرغ غضبها كله فيا، خصوصاً والجو مكهرب في القصر اليومين دول."
زميلتها زقتها بخفة وقالتلها
"يا بنتي ادخلي وخلصي، دي لو عرفت إنه اتصل وإحنا ما بلغناهاش هتبقى ليلتنا سوداء!"
الخادمة بصت لزميلتها بغيظ، وأخدت نَفَس عميق ودقت الباب براحة.. مرة، واتنين، وتلاتة، مفيش رد. لفت لزميلتها وقالت
"أهو، مفيش رد، تلاقيها نايمة ومش عايزة حد يزعجها."
التانية ردت بتهكم
"نايمة إيه بس في الوقت ده؟ أكيد مسمعتش من الباب التقيل ده، ادخلي يا فتك متبقيش جبانة!"
فضلوا يتخانقوا قدام الباب ويزقوا في بعض لغاية ما الباب اتفتح فجأة ودخلوا الاتنين سوا.. والمنظر اللي شافوه خلى الدم يهرب من عروقهم.
الأوضة كانت هادية هدوء مرعب، وضوء الشمس اللي داخل من الشبابيك القناطر كان مسلط على السرير الملكي اللي ماريا كانت ممدة عليه بجسمها كله، لابسة قميص نوم حرير أبيض ناصع، وشعرها كان منسدل على المخدة بطريقة توحي بالراحة، لكن وشها كان شاحب بزيادة، شاحب لدرجة تخوف.
دراعها كان مدلي لبره السرير، وعلبة الدواء كانت واقعة منها على الأرض الرخام، والحبوب القليلة اللي كانت باقية فيها متناثرة حوالين إيدها، وكأنها كانت بتحاول تتشبت بالحياة في آخر لحظة.
الخادمات وقفوا مسمرين مكانهم، الصدمة لجمت لسانهم. واحدة منهم حطت إيدها على بوقها عشان متصرخش، والتانية جريت برعب وهي بتترعش، مسكت تليفون الغرفة وطلبت السيد ماركوس.. صوتها كان بيقطع وهي بتقول بانهيار
"يا سعادة البيه.. إلحقنا.. الست ماريا.. الست ماريا مش بتنطق والعلبة واقعة من إيدها! إلحقنا يا سيد ماركوس!"
في اللحظة دي، ظهر ليون وهو ماشي في الممر بـ "هوجته" المعتادة، كان بيغني ويدندن وهو فرحان بالجو الهادي، بس وقف فجأة قدام باب الجناح وشاف الخادمات المنهارين والباب المفتوح. ملامح الضحك اختفت من وشه، وبص جوه الأوضة وهو مش فاهم حاجة
"في إيه؟ مالكم ؟"
عينه وقعت على امه وهي غايبة عن الوعي والعلبة على الأرض، والجو اللي كان مليان طاقة إيجابية الصبح اتقلب لكابوس أسود في ثواني.
_____
الممر قدام أوضة ماريا تحول لساحة انتظار تقيلة، الهوا فيها كأنه خرسانة من كتر التوتر. الكل واقف مستني كلمة من الدكتور اللي جوه؛ ماركوس واقف بهدوئه ورزانته المعتادة ، ديمتري اللي ملامحه مش باينة، وليون ونيكس، وكاريلا اللي كانت واقفة بعيد شوية وحاسة بالقلق.
ليون كان أكتر واحد منهار، ساند ضهره على الحيطة ورجله بتتهز بهستيريا مابتقفش، وعينيه كانت مليانة دموع خايفة تنزل. كاريلا لما شافته بالمنظر ده، قلبها وجعها وقربت منه بخطوات هادية، وحطت إيدها على كتفه بتطبطب عليه وقالتله بصوت واطي
"اهدي يا ليون.. إن شاء الله هتبقى كويسة، هي قوية وهتقوم بالسلامة."
ليون بصلها بعيون تايهة وأومأ براسه بس من غير ما ينطق كلمة، الخوف كان واكل قلبه أكل.
وأخيراً، مقبض الباب المذهب لَف، وخرج الطبيب وهو بيقلع الجوانتي وبيمسح عرق جبينه وخلفه الممرضة .
ماركوس قرب منه بسرعة وسأله
"طمنا يا دكتور.. إيه الوضع؟"
الطبيب أخد نَفَس عميق وبدأ يشرح الحالة لماركوس بالتفصيل
"شوف يا سيد ماركوس ، السيدة اتعرضت لتسمم دوائي حاد نتيجة جرعة زايدة من مهدئات قوية جداً. لولا ستر ربنا وسرعة تصرفكم وتدخلي في الوقت المناسب، كان ممكن يحصل هبوط حاد في الدورة الدموية وتوقف في عضلة القلب. إحنا عملنا لها غسيل معدة فوري واديناها محاليل عشان تنظف الدم من بقايا المادة الفعالة، والحمد لله المؤشرات الحيوية بدأت تستقر، بس هي لسه تحت تأثير الصدمة العصبية ."
ماركوس هز راسه بجدية وقال
"شكراً يا دكتور، إحنا مقدرين تعبك." ليون مقدرش يصبر أكتر، واندفع يسأل الطبيب بصوت مهزوز "ممكن أدخل أشوفها؟ أرجوك يا دكتور.." ونيكس اللي كان واقف وراه مباشرة، حط إيده على ضهر ليون وأومأ للطبيب بنفس الطلب.
الطبيب ابتسم بهدوء وقالهم
"ممكن تدخلوا، هي لسه مفوقة من شوية ومحتاجة تشوفكم حواليها.. بس أرجوكم بلاش أي انفعالات أو كلام يوترها. هي محتاجة راحة تامة وهدوء نفسي وجسدي، والممرضة هتتابع معاها المحاليل بانتظام."
وبالفعل، الباب اتفتح والكل بدأ يدخل. كاريلا، رغم الوجع اللي جواها من كلام ديمتري، دخلت وراهم بخطوات حذرة، ومبصتش ناحيته خالص اللي فضل واقف برا، ساند ضهره على حلق الباب ومربع إيده في صمت .
______
أول ما دخلوا، ليون مقدرش يسيطر على نفسه وجرى على أمه وارتمى في حضنها وهو بيعيط. ماركوس صوته طلع بحزم وهو بيحذره
"براحة يا ليون، والدتك لسه تعبانة!" ماريا بصت لماركوس بابتسامة باهتة ومنتهية، وحضنت ليون بكل قوتها وفتحت دراعها التاني لنيكس، اللي قرب هو كمان وانضم لحضنهم، وكأنها بتستمد منهم الحياة اللي كانت ضايعة منها.
ليون بدأ يطمنها وصوته مخنوق
"الحمد لله يا ماما، الدكتور قال إنك بقيتي كويسة وهتخرجي من الأزمة دي.. إحنا جنبك وماتسيبناش تاني أبداً".
نيكس مكنش بيتكلم، بس إيماءة راسه وهو بيضغط على إيدها كانت بتقول كلام كتير. العناق كان حار جداً، وماريا لثواني حست إنها امتلكت الدنيا بوجود ولادها حواليها.
لكن اللحظة دي اتسرقت في ثانية.. أول ما ولادها بعدوا عنها شوية عشان ترتاح، ظهرت كاريلا اللي كانت واقفة في آخر الأوضة بارتباك . تعابير وش ماريا اتغيرت 180 درجة؛ الوش اللي كان مليان حنان للأمومة، فجأة بقى قناع من الكره الصافي. كاريلا، بقلبها الأبيض، تقدمت بهدوء ووقفت بين ليون ونيكس وقالت بصوت واطي ومؤدب
"أنا بجد سعيدة إنك بقيتي بخير يا طنط.. الحمد لله على سلامتك."
كاريلا ملحقتش تكمل كلمتها، وفي لقطة خلت الكل يتجمد مكانه، ماريا اتحركت و رفعت إيدها وبكل ما تبقى ليها من قوة، نزلت "صفعة" قوية على وش كاريلا، طرقعتها سمعت في أركان الأوضة كلها.
ماريا دخلت في حالة هستيريا مرعبة، وبدأت تصرخ بصوت بيشرخ القلب
"طنط؟ إنتي ليكي عين تقولي طنط؟ اطلعي برا! إنتي وأمك جيتوا عشان تهدوا حياتي وتخربوا بيتي! أمك سرقت مني جوزي زمان، ودلوقتي إنتي جاية تخطفي ولادي وتخدي مكاني وتسرقي روحي؟ إنتي نحس.. موتي كان أرحم لي من إني أشوف وشك في بيتي!"
ماركوس وليون قفزوا عليها فوراً بيحاولوا يهدوها وينيموها تاني، وليون كان بيبص لكاريلا بوجع ويحاول يعتذر لها بعينه وهو بيقول
"كاريل.. معلش.. هي مش قاصدة.. ده تأثير الدواء، والله ده تأثير الدواء!"
كاريلا كانت في حالة "ذهول" تام. متجمدة في مكانها، إيدها محطوطة على خدها اللي بقى لونه أحمر دموي، ومش قادرة حتى تطلع دمعة واحدة. في اللحظة دي، شريط كلام ديمتري عن "الكلاب" وعن إنها "غريبة" عدى قدام عينيها. الكره اللي شافته في عين ماريا كان مرعب، حقد أسود هي مكنتش تتخيل إن فيه بشر ممكن يكره حد كدة او يكرهها هي بالذات كدة ...
وفجأة، وسط الوشوشة والهيستيريا دي، كاريلا حست بإيد ضخمة وقوية جداً مسكت دراعها وضغطت عليه بقسوة، وسحبتها لورا بقوة خلتها تتعثر. كان ديمتري. ديمتري اللي كان راسم لنفسه خط وواقف بعيد، قرر يكسر كل الخطوط.
سحبها من وسط الأوضة وتحت نظرات الكل المصدومة. كاريلا كانت في الأول ماشية معاه زي المغيبة، كأنها عروسة ماريونيت، بس لما استوعبت إنها بتتشد برا القصر ومنه هو ، بدأت تقاوم وتحاول تفك إيدها منه وهي بتقول "سيبني.. إنت واخدني فين؟ سيب دراعي!".
بس ديمتري و لا كأنه سامعها، كان بيجرها وراه زي ما يكون بيجر حشرة صغيرة مزعجة، ملامحه كانت شاحبة وصلبة ومفيهاش ريحة الرحمة. خرج بيها من جناح ماريا، ونزل السلالم العظيمة وهو شاددها من دراعها، والكل واقف يتفرج ومحدش قدر ينطق كلمة قدام جبروت ديمتري في اللحظة دي.
______
وقفوا هما الاتنين في وسط الجنينة، الهوا كان بيخبط في الشجر وصوت أنفاسهم كان عالي.
كاريلا، بكل غلها، فضلت تعافر وتشد في دراعها لغاية ما ديمتري سابه فجأة، فترنحت لورا وكادت تقع.
بصت له بغيظ وحنق، وعينها بتطلع شرار، وصرخت فيه "إنت فاكر نفسك مين؟ وبأي حق بتجرجرني كدة؟ زمان وحشيتك عليا ده انتهى خلاص، أنا مابقتش بخاف منك!"
لكنها اتفاجأت بديمتري واقف زي الصنم، ماردش عليها ولا حتى بكلمة، ملامحه الشاحبة كانت هادية بشكل مستفز.
كاريلا افتكرت إنه بيسخر منها من جوه، وإن صمته ده معناه "أنا مش قلتلك؟"، فبدأت تتكلم بسرعة وهي مخنوقة
"أيوة.. اضحك.. إنت كان عندك حق في كل كلمة قلتها عن الكلاب والدم! أنا اللي كنت سخيفة، وصدقت إني ممكن أكون واحدة منكم لاني بنت فؤاد.. أنا مجرد 'غريبة' بالنسبة لماريا، بنت الست اللي سرقت جوزها.. وإخواتي؟ هيفضلوا طول عمرهم 'غير أشقاء' بيبصولي بشفقة.. أنا ماليش مكان هنا!"
كانت بتتكلم بنهجان، وصوتها بدأ يتهز وهي على وشك الانهيار. ديمتري، اللي ريحة الدموع بتخنق أعصابه وبيدايق من أي ضعف، زفر بضيق ونفخ بملل. لكن فجأة، حواجبه اترفعت بدهشة لما شافها وهي اللي كانت شادة حيلها من شوية وتزعق .
نزلت فجأة وقعدت "جلسة القرفصاء" على الأرض، ودفنت راسها بين ركبها وبدأت تعيط بمرارة، وبتحاول تكتم صوتها عشان محدش يسمعها.
ديمتري بصلها من فوق لتحت وقال بصوته الأجش
"قومي ، القعدة دي مابتليقش بحد شايل اسم الغريري، حتى لو كان 'بالغلط' زي ما بتقولي."
كاريلا ردت عليه من وسط عياطها
"قول اللي تقوله.. سميني غبية، سميني فاشلة.. بس الصفعة دي وجعتني أوي يا ديمتري.. وجعت روحي قبل وشي."
رفعت راسها ببطء، ووشها كان لونه أحمر دموي من كتر العياط، وعينيها منفوخة، وبصت له ببراءة غريبة وسألته:
"إنت.. إنت معاك منديل؟"
ديمتري بص لوشها المبهدل ده، ولثواني قلبه "القاسي" اتحرك. من غير ما ينطق، مد دراعه القوي ناحيتها، وأشار لها بالكم بتاع بدلته السوداء الغالية. كاريلا مكدبتش خبر، مسكت دراعه وبدأت تمسح دموعها ووشها في كم البدلة، وكأن ديمتري السفاح في اللحظة دي بقى هو "المنديل" وسندها الوحيد في القصر ده.