الفصل الواحد والثمانون
" the writer Aridj "
.
.
.
ظلّ حسام يتأوّه، أنينه يتصاعد من أملھ المكسور، حتى انفجر الألم في صدره صرخةً حارقة، وهو يستغيث بمشاري /تعال… يرخمّه! ساعدني… الله ياخذك يا طلال، الله ياخذك!
رمقه مشاري بنظرةٍ مشبعة بالاشمئزاز والتقزّز. في تلك اللحظة، اتّضحت له الصورة كاملة؛ فهم ما كان حسام ينوي فعله، وأدرك أنّ ما أصابه لا يساوي شيئًا أمام ما يستحقه.
اقترب منه، وأسنده على الحائط ببرود، وقال بصوتٍ خالٍ من التعاطف /تستاهل… وش جاك؟ ما قصّر معك طلال.
اشتعلت عينا حسام غضبًا، وقال بحدّة وهو لا يزال يقبض على ذراع مشاري /انطم أحسن لك! وليه للحين ما اتصلت وخبّرت جاسر باللي سواه طلال؟
ضحك مشاري ضحكة ساخرة، قصيرة كالسهم، وقال /وما فكّرت إني أتصل أخبره وش كنت ناوي تسوي؟
رمقه حسام بنظرةٍ مسعورة، ثم أنزل يده المرتجفة إلى جيبه، وأخرج جهاز اللاسلكي. ضغط عليه بقسوة، وقال /إذا ما ودك ما تتكلم… لأني راح أكلمه.
نظر إليه مشاري بازدراء، وقال بسخرية لاذعة /ولا تنسى تخبره إنك كنت ناوي تمس زوجته… متأكد إنك ما نسيت.
تجاهله حسام، كاتمًا الألم الذي كان ينهش صوته، وقال بصوتٍ متكسّر /طال عمرك… تسمعني؟
جاءه الرد من الجهة الأخرى حادًا، مشحونًا /تكلم… وش حارقك؟
قال حسام، وهو يحاول الثبات /في مشكلة.
جاسر بھدوء مصطنع /وش هي؟ لا تخليني أغضب يا حسام.
ابتلع ريقه، وقال /ولدك، طال عمرك… جا وأطلق عليّ نار.
ساد صمتٌ ثقيل.
قبض جاسر على جهاز اللاسلكي حتى تحطّم بين يديه، وانتفض واقفًا، والغضب يفجّر ملامحه، وخرج صارخًا بلغةٍ أجنبية/
Move! All of you… to the port. Now!
الترجمة الى العربية/تحركوا جميعا الى الميناء الآن !
لم يجرؤ أحد على مناقشته.
تحرّكوا فورًا. ركب السيارة الأولى، وتبعته سيارتان، في كل واحدة أربعة رجال؛ خليطٌ من العرب والأجانب، تتقدّمهم نيةٌ سوداء لا تعرف التراجع.
:
:
على متن السفينة، رفع طلال رأسه، وتأكد من اقترابهم من الميناء.
وقف، تنفّس بعمق، ثم التفت إلى وعد، التي كانت جالسة على الأرضية الخشبية، تحيط نفسها بذراعيها، وأسنانها تصطكّ من شدّة البرد.
نسي تمامًا أنّ برد المحيط قاسٍ إلى هذا الحد.
نزع معطفه، واتجه نحوها.
وما إن رأته، حتى ارتجفت… ازداد خوفها خوفًا، وكأن الرعب يلد رعبًا. أغمضت عينيها بقوة، تستعد للأسوأ.
اقترب طلال، وألقى المعطف حول كتفيها، دون أن ينطق بحرف.
فتحت وعد عينيها ببطء، حين تسلّل الدفء إلى بشرتها المقشعرة.
رأت طلال يعطيها ظهره، ويبتعد إلى حافة السفينة، واقفًا كظلٍ صامتٍ يحرس المسافة بينهما.
استغربت…
لم يكن يشبه ذلك الوحش البشري الذي كاد يلتهم مصيرها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، حين تذكّرت ما كان يمكن أن يحدث لها، لولا تدخّل هذا الشاب، الذي سمعت اسمه قبل قليل يتردّد في صرخات أولئك المحبوسين خلف الباب الحديدي _طلال_
خفضت رأسها، وضعته بين ركبتيها مرةً أخرى، ورحلت في رحلةٍ طويلة من التفكير، حيث يقف المجهول بوجهٍ بلا ملامح.
:
:
على متن الطائرة، كان الجميع يستعد للنزول. لم يتبقَّ سوى القليل للوصول إلى المطار المخصّص للقوات الفيدرالية في أمريكا.
قال سلطان بحزمٍ محفّز /يا شباب، شدّوا حيلكم… ما بقى إلا القليل وننزل أرض المطار ونبدأ شغلنا.
جاءه الرد واثقًا /ما راح يخيب ظنك، طال عمرك.
لكن رعد…
كان يحاول التركيز فيما يقوله سلطان، دون جدوى.
كأن هذه المصيبة انتزعت عنه ثوب الهدوء، وألبسته القلق والتسرّع.
....ألم نقل إننا سننزل في الميناء؟ سنتأخر… سنتأخر عن وعد… سنتأخر عن صغيرتي. مالذي يحاول ان يفعل ؟؟
للأسف، ومن شدّة ارتباكه، تخيّل أن نزولهم سيكون في الميناء.
كيف لفكرةٍ كهذه أن تخطر على بال رجلٍ صقله الدهر؟
لكن المجهول… حين يتعلّق بالأخت، يُضعف أقسى الرجال.
انتفض من مكانه، واتجه إلى سلطان، وقال بحدّة /كيف ننزل بالمطار؟ راح نتأخر عن وعد! أنت كيف تفكّر؟
أدرك سلطان أن عقل رعد ابتعد كثيرًا عن توازنه.
ندم للحظة أنه وافق على قدومه… لكن إلى متى سيمنعه؟ وإلى متى سيُخفي عنه الحقيقة؟
رمقه بنظرةٍ حادّة، وقال /أنت لي كيف تفكّر؟ إذا ما نزلنا بالمطار، وين ننزل؟ يلا يا رعد، ارجع مكانك، وحاول تسيطر على نفسك. وتذكّر… أي خطأ يعرّض حياة أختك للخطر.
استدار رعد، وعاد إلى مكانه، وهو يحاول ضبط أعصابه والسيطرة على نفسه، وإلا… فالحماقة قادمة لا محالة.
كانت أماني تراقب الوضع بدقة.
وقفت، واتجهت إلى سلطان، وقالت بثبات /طال عمرك، إذا راح ننزل في المطار، والخاطف في الميناء، فأكيد ما راح يطوّل هناك. أكيد عنده مكان ثاني يروح له. أظن ننقسم… نص يروح لمكان جاسر، ونص يبقى في الميناء.
ابتسم سلطان، وقال بإعجاب /هذا مو ظن… هذا الواقع. ممتازة يا أماني. ما خيّبتي ظني يوم قبلتك في المهمة.
ابتسمت أماني بثقة /وإن شاء الله… ما راح يخيب أبدًا.
وعادت إلى مكانها، وفي قلبها أملٌ راسخ، ويقينٌ بأنهم سينقذون وعد.
:
:
في السعودية…
داخل غرفة الطوارئ، استفاقت تالين فجأة.
أنفاسها متقطعة، صدرها يعلو ويهبط، وصرخة واحدة خرجت من أعماقها /وَعْـــــد!
أسرع فهد إليها، وقد أيقظته صرختها من غفوة أفكاره.
جلس أمامها، أمسك بيدها، وسمّى عليها /اهدي يا خوك… وعد بخير.
قالت بصوتٍ مبحوح، مكسور /لا تكذب علي يا فهد… أنا أتذكر كل شيء. لو كانت بخير، ليه ما جت عندي؟ لا تكذب وتستغبيّني… تكفى.
وانهارت، تبكي بحرقة.
لم يحتمل فهد رؤية أخته القوية، التي لم يعتد رؤية دموعها إلا في هذه الأيام الثقيلة.
جذبها إليه، وضمّها إلى صدره، لتبكي على قميصه، وتبلّله بدموعها.
كان القلق ينهش عقله.
لا يملك أي فكرة عمّا أصاب رفاقه.
اتصل بالثلاثة… كانت هواتفهم خارج نطاق التغطية.
كل ما أخبره به مشعل أنهم في مهمة خاصة لإنقاذ الرهينة.
تمنى لو ذهب معهم…
لينقذ حب الصبا.
كلما تذكّر أنها اختُطفت تحت أنظارهم، اشتعل غضبًا.
لقد استغفلوهم بطريقةٍ مستفزّة.
وها هو الآن… مكتوف اليدين، لا يملك سوى الدعاء.
لم يبقَ له إلا أن يستودعهم الله…
وأن لا ينساهم من دعائه.