الفصل الخامس عشر
حياة أخدت نَفَس طويل وكأنها بتحاول تلملم شتات نفسها اللي اتبعثرت قدام الكل، ورجعت خطوة لورا وهي بتبص لكاريلا اللي كانت بتعيط بحرقة وتقطع القلب، خصوصاً إنها حاسة إنها اختارت "صف" وجرحت أمها
و بنبرة فيها وجع وقوة في نفس الوقت
"ماشي يا كاريلا.. اختاري اللي تختاريه، دلوقتي إنتي معمية بكل الدهب والحيطان العالية دي. بس افتكري كلامي كويس، هييجي اليوم اللي تفهمي فيه أنا كنت خايفة عليكي من إيه، ويوم ما الدنيا تسودّ في وشك هنا، هتلاقيني موجودة ومستنياكي.. أنا مش هتخلى عنك مهما حصل."
وبعدين لفت وشها ووجهت لفؤاد نظرة كره واحتقار تذوّب الصخر، وهي بتسمح دموعها بعصبية . نظرة بتقول له إن الحساب لسه ما خلصش، وخرجت من باب القصر بخطوات واثقة وسريعة، وسابت وراها فراغ مرعب.
كاريلا في اللحظة دي مقدرتش تمسك نفسها، وانهارت تماماً وأجهشت في بكاء مرير وهستيري. فؤاد مقدرش يشوفها كدة، قرب منها وضمها لحضنه بكل قوته وكأنه بيحاول يداريها من الدنيا كلها، وكاريلا دفنت راسها في صدره وبكت أكتر وهي حاسة بتشتت رهيب.
فؤاد بدأ يطمنها بصوت هادي
"اهدي يا بنتي.. خلاص كل حاجة خلصت، مفيش حد هيقدر يبعدك عني تاني. أنا جنبك، والقصر ده بقى بيتك وأمانك. اطلعي دلوقتي أوضتك، ارتاحي وهدي أعصابك، وكل اللي بتتمنيه هيكون تحت رجليكي."
كاريلا هزت راسها بضعف، وسابت حضنه ومشيت بخطوات تقيلة ومكسورة وسط نظرات العيلة والخدم اللي لسه واقفين يراقبوا المشهد. طلعت السلالم ودخلت أوضتها الملكية، بس المرة دي مكنتش شايفة الدهب ولا النجف، كانت شايفة بس الوجع اللي في عين أمها وهي ماشية.
_____
المكان فضي تماماً، مفيش غير فؤاد وماريا واقفين وسط الحديقة الواسعة اللي لسه صدى صراخ حياة بيرن في حيطانها. ماريا كانت واقفة، دموعها محبوسة في عينيها زي القزاز، بس فجأة الانفجار حصل، وفقدت كل السيطرة على أعصابها.
صرخت وهي بتشاور على الباب اللي خرجت منه حياة "إيه اللي بيحصل ده يا فؤاد؟ إنت مش هتبطل تذل فيا؟ الموال ده مش ناوي يخلص؟ مكنش كفاية إنك تجيب بنتها هنا، كمان جايب لي الست دي لغاية باب بيتي؟"
وبدأت تمسح دموعها بقهر وكملت "إنت نسيت وعودك ليا؟ إنت من إمتى بتخلف وعودك يا فؤاد؟ أنا سامحتك زمان مقابل إن كل ده ينتهي.. أنا رجعت لك وقبلت خيانتك اللي مفيش ست في الدنيا تقبلها.. إنك تروح تنام معاها ومعايا في نفس الوقت! أنا عملت ده عشانك، عشان بحبك وعشان بيتنا، مقابل إنك تسيب الست دي.. تسيب 'اللاجئة' دي!"
فؤاد كان واقف زي الجبل، ملامحه متصلبة، وكلامها استفزه لدرجة إنه مبقاش قادر يسكت. قرب منها ونبرة صوته كانت حادة زي السكينة
"ما توهميش نفسك يا ماريا، وما تحاوليش تعيشيني في دور الضحية اللي ضحت عشان جوزها.. إنتي ما عملتيش كدة عشاني، إنتي عملتي كدة عشان نفسك! عشان البرستيج، عشان الفلوس، عشان اسم 'الغريري' اللي كنتي هتموتي لو خسرتيه!"
ماريا وقفت مصدومة، ملامحها اتلخبطت وهي مش مصدقة إنه بيواجهها بالحقيقة دي. بس فؤاد مخلصش كلامه، وكان ناوي يرمي الرصاصة الأخيرة والقاضية في قلبها.
بص في عينيها ببرود مرعب وقال
"عايزة تعرفي الحقيقة المرة اللي عيشتي عمرك كله بتهربي منها؟ أنا مسبتش حياة عشان خاطرك ولا عشان شرطك.. حياة هي اللي سابتني! حياة هي اللي قررت تمشي وتختفي."
ماريا تهاوت لورا وكأنها اتضربت بالرصاص فعلاً، وهي بتنهج، وفؤاد كمل كلامه القاتل
"لو حياة ماكانتش سابتني، ماكنتش هسيبها أبداً حتى بعد ما إنتي عرفتي.. أنا وافقت على شرطك ورجعت لك بس عشان هي اللي قفلت الباب في وشي أولاً. يعني إنتي كنتي 'الاختيار التاني' يا ماريا، مش الأول.. افهمي ده كويس قبل ما تتكلمي عن التضحية تاني!"
الكلمات نزلت على ماريا زي الصاعقة، حست بمرارة في بوقها وبوجع في قلبها ملوش وصف. فؤاد سابها واقفة في مكانها . منهارة ومحطمة، ولف ضهره ومشي بكل كبرياء، وسابها بتواجه الحقيقة اللي حاولت تدفنها 20 سنة: إنها كانت مجرد "بديل" في حياة الراجل اللي ضحت بكل حاجة عشانه.
_______
كاريلا كانت قاعدة في وسط أوضتها الملكية، ضامة رجليها لصدرها وبتبكي بحرقة تكسر القلب. الإحساس بالذنب كان بياكلها؛ من ناحية هي جرحت والدتها حياة وطردتها بكلماتها القاسية، ومن ناحية تانية هي نفسها كانت بتتألم من سنين الكذب والحرمان اللي عاشتها.
سألت نفسها في لحظة يأس "ليه ماليش أب وأم طبيعيين؟ ليه لازم أتقسم نصين وأختار واحد منهم وأخسر التاني؟"
وهي في قمة وجعها، سمعت خبط هادي على الباب. في الأول فكرت تتجاهله، مش عايزة حد . بس لما الخبط اتكرر، مسحت دموعها بصوابعها وقالت بصوت مبحوح "اتفضل."
الباب اتفتح وظهرت واحدة من الخادمات، داخلة بمنتهى الأدب وهي شايلة صينية فضية فخمة عليها كاس عصير فريش وطبق فيه بسكويت "باسيلي ليكرلي" (Basler Läckerli) بريحته المميزة اللي مكسوفة بالعسل وقشر البرتقال.
الخادمة قربت من الترابيزة المذهبة وحطت الصينية براحة وقالت برقة
"آنسة كاريلا.. السيد ليون هو اللي بعتني أطمن عليكي. و هو اللي طلب مني أجهز الصينية دي بنفسي، وقاللي إنك بتحبي الكعك ده جداً وإنه هيخليكي تحسي بإنك أحسن."
كاريلا اعتدلت في قعدتها على السرير الملكي. رغم إنها مسحت دموعها، بس جفونها كانت منفوخة ومحمرة، ووشها كان باين عليه آثار "الخناقة" والوجع اللي عاشته من شوية.
بصت للصينية وحست بغصة في حلقها؛ وسط كل السواد ده، ليون كان الوحيد اللي بيفكر إزاي يطبطب عليها بطريقته البسيطة. حست بدفا غريب في قلبها، وكأن الكعك ده مش مجرد أكل، ده رسالة إنها مش لوحدها في البيت ده.
بصت للخادمة وقالت بصوت واطي
"شكراً ليكي.. وقولي لليون شكراً."
الخادمة أومت براسها باحترام وقالت قبل ما تخرج
"العشاء هيكون جاهز يا انسة بعد ساعة، والكل هيكون في انتظارك."
كاريلا ردت بابتسامة زائفة
"تمام.. هكون جاهزة."
أول ما الخادمة خرجت وقفلت الباب وراها، السكون رجع للأوضة تاني. كاريلا مدت إيدها بتردد وأخدت قطعة من الكعك، فضلت تتأملها وهي بتفكر في كل اللي حصل من وقت ما دخلت القصر. بصت للنجف والزخارف الدهبية اللي حواليها وحست إن خلاص، مفيش رجوع.
قضمت حتة من الكعكة، وطعم العسل والمكسرات بدأ يدوب في بوقها، وفي اللحظة دي اتولدت جواها قوة جديدة. قررت إنها مش هتفضل تعيط؛ هي دلوقتي هنا، في قصر الغريري، وبإرادتها. وقررت إنها هتاخد حقها من الدنيا، وهتعوض كل لحظة فقر أو حرمان أو ضعف عاشتها وهي بعيدة عن سلطة ونفوذ والدها.
______
الليلة دي كانت أطول ليلة عدت على القصر، ليلة تقيلة ومخنوقة لدرجة إن السفرة اللي كان المفروض تجمع عيلة، كانت حقيقي مجمعة "جماعة من الأموات".
الكل كان قاعد بجسمه بس، لكن الروح كانت غايبة في متاهات الوجع والصدمات اللي حصلت طول اليوم.
غرفة الطعام كانت بتنطق فخامة مرعبة، لكن الفخامة دي زادت من برودة الجو
السفرة كانت طويلة جداً ومفروشة بمفرش أبيض ناصع، وفوقيها "نجف" كريستال ضخم متدلي من السقف المزخرف، نوره كان بيعكس بريق الكاسات الفضية والشمعدانات اللي مالية الترابيزة.
الحيطان كانت متغطية ببراويز مذهبة ولوحات زيتية قديمة، والسقف كان عبارة عن لوحة فنية من الجبس والدهب، والفرش كان سجاد إيراني تقيل بيتمشي عليه كأنه بيبلع أي صوت.
الكراسي كانت خشبية تقيلة ومبطنة بالجلد النبيتي، وكل واحد كان قاعد في مكانه كأنه مربوط بسلاسل مش مرئية.
الأكل كان كتير ومتنوع، أصناف ملوش حصر متوزعة بدقة احترافية، لكن الشهية كانت مفقودة تماماً عند الكل. وكأن الجميع كان "مجبور" على القعدة دي بس عشان النهاردة أول يوم لكاريلا في القصر، حتى كاريلا نفسها مكنتش قادرة تبلع ريقها، والشوكة في إيدها كانت مجرد ديكور.
ليون تنهد تنهيدة طويلة ومسموعة رغماً عنه، كان بيحاول كالعادة يكسر السكون ده بس المرة دي حتى هو مقدرش، ففضل يبص لطبقه بيأس.
أما البقية، فكان صمت مطبق ومخيف، مفيش غير صوت احتكاك السكاكين بالأطباق الغالية.
فؤاد كان قاعد على رأس السفرة، ملامحه زي الصخر، بيقطع حتة الستيك بالشوكة والسكين بهدوء مرعب وحركات محسوبة، وكأن مفيش أي حاجة حصلت بره.
أما ماريا، فكانت في عالم تاني خالص؛ قاعدة "خالية من الروح" تماماً، ملمستش طبقها ولا حتى رفعت عينها تبص لأي حد. إيدها كانت بتترعش لدرجة إنها حست إنها مش قادرة حتى تشيل الشوكة، وكأنه رصاصة فؤاد اللي أطلقها في قلبها لسه بتنزف وبتسحب منها كل قوتها.
الجو كان مشحون لدرجة إن لو حد وقع شوكة على الأرض، الصوت كان كفيل إنه يفجر القنبلة الموقوتة اللي الكل قاعد فوقيها.
______
في شقة إيجار ضيقة، الحيطان بتاعتها مقشرة وباهتة، كانت حياة قاعدة على طرف سرير متهالك، والمفرش حواليها كان بيعكس الفراغ اللي حاسة بيه في قلبها. المكان كان ريحته "غربة"، ريحة شقق الإيجار الرخيصة اللي بتفكرك إنك ملكش مكان ثابت.
حياة في اللحظة دي كانت رميت كل حاجة ورا ضهرها؛ سابت المطعم اللي كان حلمها، والبيت اللي بنته طوبة طوبة، والمدينة الصغيرة الهادية اللي استخبت فيها سنين.. كل ده مبقاش له قيمة. جات جنيف بشوية الفلوس اللي كانت محوشاها للزمن، وأجرت الأوضة دي عشان تكون قريبة من "عش الدبابير" اللي بنتها دخلت فيه.
افتكرت شكل أختها "راما" وهي بتودعها، والدموع اللي كانت في عينيها وهي بتسألها هتعملي إيه لوحدك؟ حياة وقتها ردت بكلمة واحدة وهي بتركب القطر: "مش هرجع يا راما إلا ومعايا كاريلا.. يا نرجع سوا، يا نندفن سوا."
قعدت حياة تضم نفسها وهي بتسمع صوت العربيات في الشارع الغريب ده، وقالت لنفسها بصوت واطي ومليان تحدي: "بما إنك يا كاريلا اختارتي تفضلي هنا.. يبقى أنا كمان هنا. مش هبعد خطوة واحدة، ومش هأمن لـ 'فؤاد الغريري' ولا لغيره على ضنايا.. لو فاكرين إن السور العالي هيمنعني، يبقوا لسه ميعرفوش مين هي حياة."
الظلمة بدأت تملى الأوضة، بس عيون حياة كانت لسه مفتوحة وصاحية، بتخطط للي جاي، ومستنية اللحظة اللي كاريلا هتعرف فيها إن بريق القصور ده مجرد سراب، ووقتها مش هتلاقي حد يلحقها غير الأم اللي سابت حياتها كلها عشانها.
____
في القبو عميق ...
بعيد تماماً عن لمعان الدهب والديكورات ...
كانت فيه غرفة مظلمة ريحتها رطوبة وسكون مرعب، الضوء الوحيد اللي داخلها كان خيط رفيع من ضوء القمر، يا دوب مبين تقاسيم وجهه الشاحبة اللي رغم التعب كانت لسه محتفظة بحدة وقوة تخوف.
ديمتري كان هناك.. ومن ساعة ما رجع من الفندق وساب كاريلا نايمة في حضن ابوها، وهو معلق في السقف بالسلاسل. السلاسل الحديدية التقيلة كانت لافة حوالين كتافه ودراعاته، ومثبتة إيديه بالقيود، وهو موطي راسه للأرض في وضعية قاسية جداً بتشد عضلات جسمه المنهك.
الموضوع مكنش فيه إجبار، ديمتري هو اللي اختار عقابه بنفسه او نقول تقبله ، وبقى ده "قانون" لما بيحس إنه غلط أو قصّر في حماية عيلة الغريري.. البقاء في الظلمة التامة من غير أكل ولا نقطة مية، معلق زي الذبيحة وسط السلاسل اللي صوت احتكاكها ببعضه هو الوحيد اللي بيقطع الصمت. هو شايف إن غلطاته كترت ...
فجأة، مدة العقاب اللي حددها لنفسه انتهت. واحد من رجاله اللي متعودين على الطقوس دي دخل الأوضة بخطوات حذرة، وقرب منه عشان يفتح القيود الحديدية اللي كانت معلمة في جلده. أول ما السلاسل اتفكت، ديمتري وقع على ركبه وهو بينهج، وعضلاته بتترعش من المجهود.
وفي نفس اللحظة، ومن ورا الظلام الدامس، ظهر خيال مألوف.. خيال ماركوس اللي كان داخل بخطواته الهادية والرزينة، وصوت وقع جزمته على الأرض الرخامية كان له رنة خاصة في المكان الفاضي ده.
ماركوس وقف قدام ديمتري وهو لسه على الأرض، وبص له بنظرة باردة وكأنه بيقيم حالته، وسأله بنبرة هادية
" أنت كويس؟"
ديمتري رفع راسه ببطء، وعينيه كانت بتلمع في الظلمة ببريق وحشي، ومردش. ماركوس كمل كلامه وهو بيعدل كم قميصه
"قوم يا ديمتري.. القصر فوق مقلوب، وبابا ابتدت مشاعره تسيطر عليه ...عشان كده احنا لازم نقف معاه ونحميه...
من نفسه"