ابنة المافيا ( الغريبة السادسة ) - الفصل الرابع عشر - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: ابنة المافيا ( الغريبة السادسة )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع عشر

الفصل الرابع عشر

أخيراً جيه اليوم الموعود، اليوم اللي حياتها فيه هتتشقلب 180 درجة. كاريلا صحيت وهي حاسة بـ "كركبة" في بطنها، مغص الخوف والتوتر مكنش سايبها، بس قاومت وقررت إنها لازم تكون قد المواجهة دي. لبست بلوزة بيضاء شيفون رقيقة جداً، بكمام واسعة بتنتهي بأسورة، وفيها "فيونكة" كروهات عند الرقبة مديتها لمسة طفولية وراقية في نفس الوقت. مع جيبة كروهات طويلة ومنفوشة بكسرات واسعة، ألوانها متداخلة بين البني والأسود والبيج، و "بيريه" أسود مخملي فوق شعرها اللي سابته مفرود بنعومة، وشالت شنطة سوداء كلاسيكية في إيدها. خرجت كاريلا من الفندق وهي بتاخد نَفَس عميق، ولقت فؤاد واقف مستنيها قدام العربية. فؤاد أول ما شافها، عينه لمعت بفخر كأنه بيشوف نسخة مصغرة من "حياة" في عز شبابها ورقتها. قرب منها وساعدها تركب العربية بمنتهى الرقي والهدوء أول ما العربية اتحركت، بصت للفندق من الشباك وحست براحة غريبة؛ أخيراً اتحررت من الحيطان اللي شهدت على دموعها وقلقها لأيام. العربية بدأت تشق طريقها لقلب جنيف ناحية القصر، والصمت كان هو سيد الموقف. كانت بتفرك في إيدها طول الطريق، وكل ما عينيها تيجي في عين فؤاد، كانت بتترسم على وشها ابتسامة رقيقة وهادية.. بس فؤاد بخبرته كان فاهم إن الابتسامة دي "قناع" بيخبي وراه بركان من القلق من المقابلة اللي مستنياها، خصوصاً مع ماريا. ______ أخيراً العربية وقفت قدام بوابات القصر الحديدية الضخمة، وفي اللحظة دي قلب كاريلا خبط خبطة قوية لدرجة إنها حست بصداها في ودنها. شريط ذكريات أول يوم ليها هنا اتفتح قدام عينيها زي فيلم مرعب؛ الخطف، الخوف، وطريق "غرفة التعذيب" الضلمة.. بس المرة دي، العربية أخدت طريق تاني خالص، طريق ممهد وراقي بيمر وسط الجناين لغاية ما وقفت قدام المدخل الرئيسي للقصر. نزلت كاريلا من العربية، وعينيها تاهت في جمال وسحر الجنينة اللي كانت تحفة فنية: متقسمة لمربعات خضراء هندسية دقيقة جداً، وفي وسطها نافورة مية رخامية بتعزف سيمفونية هادية بتكسر سكون المكان. الأسوار النباتية كانت مقصوصة ببراعة مرعبة، وعلى الأطراف كانت فيه أشجار "سرو" طويلة ورفيعة زي الحراس اللي واقفين في انتباه، والورد البلدي كان مالي المكان بريحة بتخدر الأعصاب. من بعيد كان باين جزء من مبنى القصر القديم اللي شبه القلاع التاريخية، بشبابيكه الطويلة العريقة اللي بتدي إيحاء بالهيبة والغموض. كاريلا فاقت من شرودها لما لقت فؤاد واقف مستنيها بابتسامة هادية عشان يتقدموا. مشيت جنبه وهي بتحاول تواكب خطواته الواثقة، لغاية ما وقفوا قدام راجل شعره أبيض وقور، ملامحه هادية بس عينيه فيها ذكاء وخبرة سنين، وطوله كان بيدي له هيبة خاصة.. ده كان "سيباستيان". فؤاد بص لكاريلا وقال لها بنبرة فيها تقدير كبير "كاريلا.. أحب أعرفك، سيباستيان.. الراجل اللي بثق فيه أكتر من أي حد في الدنيا دي كلها." سيباستيان أحنى راسه باحترام كبير ورد بصوت رزين "كلامك شرف ليا يا سيد فؤاد .. ومكاني دايماً في خدمتك." وبعدين وجه نظره لكاريلا وقال "أهلاً بيكي يا آنسة غريري في بيتك." كاريلا ردت التحية بابتسامة رقيقة، وحست إن استقبال الراجل ده ادّاها شوية طمأنينة كانت محتاجاها. فؤاد سأل سيباستيان: "الكل موجود؟" وسيباستيان هز راسه بـ "أيوة". كاريلا فهمت إن اللحظة الحاسمة جت، وإن العيلة اللي لسه عارفاهم مجتمعين جوه في انتظارها باب القصر الضخم اتفتح، وأول حاجة خطفت عين كاريلا كانت لوحة عملاقة متعلقة على الجدار الرئيسي، لوحة بتجسد عراقة العيلة وقوتها. وتحت اللوحة دي مباشرة، كان المشهد اللي كاريلا كانت خايفة منه: آل الغريري في وضع الاستعداد: العيلة كلها كانت واقفة في صف واحد وكأنهم في "بورتريه" ملكي. ماريا كانت في النص، أنيقه لدرجة توجع العين، ووشها كان زي القناع مبيظهرش أي تعبير. ولادها كانوا حواليها، ماركوس بهدوئه المعتاد، ليون اللي كان بيحاول يبتسم لها عشان يطمنها، ونيكس اللي واقف وساند ضهره كالعادة. كاسبار كان بثيابه الملونة الانيقة وجنبه سيلفان . والخدم كانوا واقفين على الصفين، والفضول بياكلهم عشان يشوفوا "بنت البوص " اللي قلبت كيان القصر. ديمتري مكنش موجود في المشهد ده، وده اللي خلى كاريلا تحس بنوع من الغرابة.. الراجل اللي كان السبب في وجودها هنا هو الوحيد اللي مش في استقبالها لكن توقعت ده ، ماصدق خلص وارتاح منها ...و المشاعر كانت متبادلة . كاريلا أخدت نَفَس عميق جداً، وشدت ضهرها، وقررت إنها هتدخل بكل ثبات، ورجلها خطت أول خطوة على الرخام الفخم وهي مستعدة لمواجهة "ماريا" وجهاً لوجه. _____ مشيت بخطوات هادية، ورغم إن قلبها كان بيدق طبول، بس حاولت تبان ثابتة لغاية ما وقفت وجهاً لوجه قدام ماريا. ماريا كانت واقفة زي التمثال الرخامي، وشها مكنش فيه أي تعبير ظاهر، بس اللي يدقق في عينيها كان هيشوف "غصة" مريرة ودموع متجمدة ورا كبرياء مكسور. كاريلا بلعت ريقها بصعوبة، ومدت إيدها الصغيرة بتردد وهي بتقول بصوت واطي "أهلاً يا مدام ماريا.. أنا كاريلا." في اللحظة دي، ماريا حست إن إيدها اتشلت تماماً؛ مكنتش قادرة تمد إيدها وتلمس "الذكرى الحية" لخيانة جوزها. ماركوس كان مراقب أمه بطرف عينه، ولمح الارتباك اللي هي فيه، وبص لوالده اللي كان واقف بيتابع المشهد بحزم. ماريا بصت لماركوس وكأنها بتستنجد بيه، فماركوس هز راسه بهدوء كأنه بيأمرها تخلص الموقف. ماريا غمضت عينيها بقوة وفتحتهم، وصافحت كاريلا بطرف صوابعها وبنبرة باردة وجافة قالت "أهلاً بيكي في القصر." ماركوس، بذكائه المعتاد، حب ينهي التوتر ده بسرعة، فبص لكاريلا وسألها "تحبي تاخدي جولة في القصر يا كاريلا؟ ولا تفضلي تشوفي أوضتك الأول وترتاحي؟" كاريلا هزت راسها بابتسامة باهتة: "يا ريت." ليون، اللي مبيصدق يكسر الجو التقيل، نط في النص وقال "أنا اللي هعمل الجولة دي! تعالي يا كاريلا ده أنا هفرجك على حتت في القصر بابا نفسه ميعرفهاش!" وراح ساحب نيكس من دراعه وهو بيقول "يلا يا أستاذ صامت، تعالى ساعدني." كاريلا ابتسمت لليون بامتنان، ومشيت معاهم، وفي اللحظة اللي كانت بتعدي فيها من جنب ماريا، حست ببرودة الجو وكأن ماريا حيطة سد. العيلة بدأت تتفرق؛ فؤاد مشي وراه ماركوس، والخدم رجعوا لشغلهم بهمس وفضول يقتل. مكنش فيه حد واقف في الصالة الواسعة دي غير ماريا.. فضلت واقفة في مكانها، وتحت اللوحة العظيمة اللي بتجمع العيلة، سقطت دمعة واحدة حارة على وشها اللي كان عامل زي الزجاج، وهي بتشوف بعينيها الكابوس وهو بيتحول لحقيقة بتعيش معاها تحت سقف واحد. _____ ليون كان طالع السلالم بـ "هوجته" المعتادة وهو بيشاور لكاريلا على كل ركن، والسلالم في القصر كانت كتير وبتحسي إنها مش بتخلص، وكل حيطة عليها صور براويز ضخمة لكبار عيلة الغريري. كاريلا لفت نظرها إن فيه صور لرجالة بملامح عربية مصرية أصيلة، ملامحهم قوية وعيونهم حادة، فسألت ليون بفضول "مين دول يا ليون؟ ملامحهم مصرية أوي!" ليون هرش في راسه وقال بضحكة "صدقيني يا كاريل، أنا آخري أعرف إنهم أجدادنا، لكن تاريخ العيلة ده محتاج حد باله طويل.. أنا ثقافتي في الموضوع ده يا دوب 'على قدها'...بس اسأليني اي حاجة ثانية " وفجأة، طلع صوت من وراهم زي الفحيح، خلى ليون ينط من مكانه وكاريلا تتجمد، وحتى نيكس اللي مش بيتهز انخض وطلع السماعات من ودنه. كان سيلفان، واقف وراهم كأنه شبح طلع من الحيطة، بملامحه الجامدة وعينيه اللي مش بترمِش؛ سيلفان المعروف إنه "الرجل الصامت" وجاسوس الغريري اللي مفيش نفس بيعدي من غير ما يحس بيه. سيلفان بدأ يتكلم بصوت هادي ورخيم سحبهم لعالم تاني "الرجال اللي بتسألي عنهم هما 'الأساس'.. دول اللي بدؤوا الإمبراطورية دي من قلب القاهرة قبل ما تتفرع في أوروبا. اللي في الصورة دي يبقى الجد الأكبر، كان بيقول إن الغريري زي الشجر، جذوره في الأرض السمراء وفروعه بتطاول سما العالم كله. هما مكنوش مجرد رجال أعمال، دول كانوا 'حكام ظل'.. الصمت اللي في عيونهم ده ورثناه جيل ورا جيل، وعشان كدة القصر ده مهما كان فيه ناس، بيفضل دايماً فيه 'أسرار' مبيعرفهاش غير اللي دمه من دمهم. التاريخ هنا مش مجرد صور، دي أرواح لسه بتراقب كل واحد بيدخل العتبة دي." كاريلا هزت راسها باندهاش وهي مش قادرة تشيل عينيها من عليه، وكأنها حست بهيبة العيلة لأول مرة بجد. بس ليون قاطع اللحظة دي أول ما وصلوا لآخر الممر وقال بحماس "خلاص يا سيلفان قلبتها دراما ليه! وصلنا يا كاريل.. دي بقى 'مملكتك' الجديدة." ليون فتح الباب، وكاريلا وقفت مكانها مبرقة مش مصدقة إن اللي شايفاه ده حقيقة مش حلم: الغرفة كانت عبارة عن قطعة من قصور ألف ليلة وليلة، السقف عالي جداً ومليان زخارف ذهبية بتلمع تحت ضوء "النجفة" الكريستال الضخمة اللي في النص. سرير ملكي بـ "ناموسية" ضخمة من الشيفون الأبيض والقطيفة النبيتي، متثبتة في السقف ونازلة بدلال حوالين السرير اللي مفروش بأفخم أنواع الستان. الأرضية رخام أبيض ناصع بتعكس الإضاءة، وفيها سجادة حمراء فاخرة، وقدام السرير كان فيه كنبة "شيزلونج" قطيفة بلون نبيتي غامق تحفة. الغرفة فيها أعمدة رخامية ضخمة وشبابيك "قناطر" بتطل على جناين القصر، وفيه دفاية كلاسيكية في الركن بتدي دفا ومظهر فخم للمكان. كاريلا حطت إيدها على بوقها ، عينيها كانت بتلمع وهي بتتفرج على كل التفاصيل الذهبية والرفاهية اللي مكنتش تحلم بيها حتى. ليون عمل حركته الشهيرة بإنحناءة مسرحية وقال لها "اتفضلي يا أميرة.. من بعدك!" دخلت كاريلا وهي بتهمس لنفسها "مش ممكن.. دي أوضتي أنا؟ بجد؟" وحست إنها فعلاً بدأت تعيش حياة تانية خالص، حياة الأميرة اللي كانت بتسمع عنها في الحواديت ______ كاريلا كانت عايشة اللحظة، عمالة تتنقل في أوضتها الواسعة وتلمس الديكورات المذهبة والقطيفة النبيتي وهي مش مصدقة إن ده بقى واقعها. من كتر انبهارها، مسمعتش موبايلها اللي كان في جيب شنطتها وعمال يهتز باتصالات ورسائل ورا بعض كأن فيه كارثة بتحصل. بعد شوية، قررت تنزل تستكشف القصر لوحدها. طبعاً، الموضوع مكنش سهل؛ القصر بممراته الطويلة وسلالمه الكتير خلاها تتوه تماماً. كانت تدخل ممر تلاقي نفسها قدام لوحة قديمة، ترجع تلاقي نفسها في صالة تانية، فبدأت تضحك على نفسها بغباء وهي بتقول "أنا شكلي هحتاج خريطة عشان أوصل للمطبخ في البيت ده!" في الوقت ده.. عند بوابة القصر الرئيسية الهدوء اللي كان لافف المكان اتمزق فجأة، والفوضى كانت على وصول. عربية وقفت بفرامل قوية، ونزلت منها حياة.. كانت ملامحها مرعبة، وشها فيه تصميم غريب وعينيها بتطق شرار. بس الصدمة إنها مكنتش لوحدها؛ حياة جابت معاها اتنين من رجال الشرطة! العساكر دول كان باين عليهم "خام" وشباب صغير، يمكن لسه بادئين شغلهم وميعرفوش يعني إيه "قصر الغريري"، أو يمكن حياة أقنعتهم إن الموضوع مجرد بلاغ خطف بسيط وماقالتهومش إنهم داخلين عش الدبابير اللي مفيش قانون بيقدر عليه. حياة وقفت قدام الحرس اللي ملامحهم اتحولت للصخر، وزعقت بأعلى صوتها وهي مش شايفة قدامها "افتحوا الباب ده حالاً! أنا جاية آخد بنتي، والشرطة معايا.. مفيش قوة في الأرض هتمنعني النهاردة!" الحرس بصوا لبعض بنظرات سخرية ممزوجة بوعيد، وبصوا للشرطة اللي بدؤوا يحسوا بإن فيه حاجة غلط من هيبة المكان والرجالة المسلحة اللي واقفة فوق الأسوار. حياة مكنش يهمها لا "فؤاد" ولا "ماركوس " ولا حتى الموت نفسه؛ هي كانت قادمة لاستعادة كاريلا، ومستعدة تحرق القصر باللي فيه عشان تنفذ ده. ______ الموقف بره القصر قلب "سيرك" في ثواني. واحد من الحراس، جسمه قد الحيطة وملامحه ناشفة، قرب من حياة وقال لها بنبرة تهديد واضحة "يا مدام، خدي الرجالة اللي معاكي دول وامشي من هنا فوراً.. مفيش حد يدخل القصر ده من غير إذن." وبص لرجال الشرطة باحتقار وقال لهم "خطف إيه وكلام فارغ إيه؟ مفيش حد هنا مخطوف، اتفضلوا من غير شوشرة." حياة كانت بتغلي، ومكنتش شايفة قدامها. حاولت تزق الحارس وتعدي من البوابة وهي بتصرخ "بنتي جوه! وسع من طريقي!" بس الحارس زقها زقة "خفيفة" رجعتها لورا. رجال الشرطة اللي معاها، لما شافوا هيبة القصر والسلاح اللي مع الحرس، بدؤوا "يكشوا" ويتراجعوا. واحد منهم مسك حياة من دراعها وقال لها "يا مدام، اهدي.. بنتك شابة بالغة، ولو هي جوه فهي أكيد بمزاجها، إحنا مقدرش نقتحم ملكية خاصة بالشكل ده." الحارس ابتسم بسخرية وقال لها للمرة الأخيرة "امشي يا ست إنتي بدل ما تتأذي." هنا حياة سكتت فجأة.. رفعت راسها، وحطت إيدها في وسطها، وبصت للحارس بنظرة "ثاقبة" تخوف، وقالت له ببرود غريب "أوه.. فعلاً؟ بقى دي آخرتها؟" وفجأة، ومن غير أي إنذار، حياة عملت حركة خلت الكل يبرق عينيه من الصدمة. الست اللي في أواخر الثلاثينات، وبكل رشاقتها، "نطت" على السور الحجري الضخم وبدأت تتسلقه بمهارة وكأنها بطلة أوليمبية! مش بس كدة، دي قعدت فوق السور وبدأت تصرخ بأعلى صوتها وهي بتنادي على الغريري ! الحراس وقفوا مشلولين، ورجال الشرطة بوقهم اتفتح من الجرأة اللي شافوها. حياة بصت لهم من فوق السور وراحت "مبتسمة" ابتسامة نصر وتحدي، وكأنها بتقول لهم "فاكرين إن السور ده هو اللي هيمنعني عن بنتي؟ ده أنا حياة!" الفوضى اللي عملتها حياة قلبت القصر في ثواني، والكل خرج يشوف إيه المصيبة اللي بتحصل بره. أولهم كان فؤاد اللي خرج بخطوات سريعة وملامح مشدودة، ومن وراه ماركوس اللي كان بيراقب الموقف بهدوء وحذر. الحارس المسكين حاول يسيطر على الموقف ويمسك رجل حياة عشان ينزلها من على السور، بس حياة مكنتش في وعيها؛ رفعت رجلها وبكل قوتها ضربته على راسه بكعب جزمتها الجلد الطويل (الـ Boot)، ضربة خلت الحارس يترنح لورا وهو مش مصدق الجرأة دي. هنا الحارس الثاني فقد أعصابه تماماً، وسحب سلاحه ووجهه ناحيتها وكأنه خلاص هينهي العرض ده بطلقة. في اللحظة دي، شق السكون صرخة زلزلت المكان، صرخة هزت الشجر اللي في الجنينة.. كانت صرخة فؤاد نفسه وهو بيزعق بكل قوته "نزل السلاح ده فوراً! " الوقت وقف.. الهوا اتمسك في الصدور. حياة كانت لسه متعلقة على السور، متبهدلة بس شموخها عال ، وفؤاد كان واقف على بعد أمتار منها. وتبادلوا نظرة طويلة.. نظرة فيها عشرين سنة من الوجع، من الأسئلة، ومن الهروب. لقاء بعد عمر بحاله، فؤاد اللي شعره غزا الشيب وبقى إمبراطور، وحياة اللي لسه زي ما هي في عينه، الست اللي غيرت مسار حياته زمان. ماريا خرجت هي كمان، ووقفت مصدومة وهي شايفة "الضرة" القديمة متعلقة على سور بيتها زي اللصوص. ولادها والخدم كانوا واقفين من بعيد بيراقبوا المشهد اللي مكنش حد يتخيله في أكتر كوابيسهم رعباً. وفي وسط الدراما دي كلها، خرجت كاريلا وهي لسه بتعدل البيريه بتاعها ومستغربة الزحمة دي. مشيت ببراءة وسطهم وسألت "هو فيه إيه؟ " أول ما حياة سمعت صوت بنتها، عينيها لمعت بدموع وشوق، وفؤاد حس إن الأرض بتلف بيه.. المواجهة اللي هرب منها عشرين سنة، بقت دلوقتي "ع الهوا" وقدام العيلة كلها. حياة مسمتش، وبمجرد ما فؤاد أمر الحرس، تجاوزتهم بلمح البصر وكأنها إعصار ودخلت الجنينة. كاريلا وقفت مكانها مبرقة، مش مستوعبة إن دي مامتها، ولا عارفة جت إزاي وإمتى في وسط الحراسة دي كلها. حياة هجمت عليها ومسكتها من دراعاتها، وبدأت تلفها وتتفحص كل حتة فيها بخوف وحنان أم مرعوبة، والأسئلة نزلت عليها زي المطر "إنتي كويسة يا كاريلا؟ عملوا فيكي إيه ياحبيبتي ؟ حد لمس منك شعرة؟ وشك ماله شاحب كدة ليه؟ قوليلي الصراحة يا بنتي، هما هددوكي؟ إنتي كنتي بتعيطي صح؟" كاريلا كانت بتحاول تهديها بوشها البريء وتقولها "والله يا ماما أنا كويسة، مفيش حاجة حصلت، اهدي بس.." لكن حياة رفعت راسها فجأة، وحست إنها بقت في نص الدايرة.. فؤاد كان واقف مربع إيده، عينه مش قادرة تنزل من على حياة، ولسه هيتحرك أو ينطق، ماريا قطعت عليه الطريق ووقفت في النص بمنتهى الشياكة والقسوة. بصت لحياة باحتقار وقالت "أهو ده اللي كان ناقص! الجرأة والهمجية دي لسه في دمك؟ عمرك ما هتتغيري أبداً، جاية تقتحمي بيتي ؟!" حياة ولا كأنها سمعت كلمة، ولا حتى بصت في وش ماريا، لفت لكاريلا وشدتها من إيدها بقوة وقالت بنبرة قاطعة "يلا يا كاريلا، قدامي على البيت. مش هتفضلي ثانية واحدة في المكان المقرف ده. أنا أعصابي تلفت، وندمانة أشد الندم إني طاوعتك وسبتك تخرجي من البيت أصلاً.. المكان ده مش ليكي ولا عمره هيكون!" كاريلا اتصدمت، لسه كانت بتبدأ تحس بطعم السعادة في أوضتها الجديدة اللي شبه قصور ألف ليلة وليلة. في اللحظة دي، فؤاد قرب خطوة وبصوت رجولي مرعب قال "كاريلا مش هتمشي يا حياة.. بنتي خلاص لقت مكانها، ومش هسيبها تضيع مني تاني." حياة لفت له وشرر بيطير من عينيها، وبصت للقصر التماثيل اللي موضوعة والخدم الواقفين باستخفاف وقالت "أوه.. فعلاً؟ لقت مكانها؟ إنت فاكر إن الحيطان المذهبة دي هتغطي على القرف اللي جوه؟ الغريري طول عمرهم عالم دم وسلاح وموت، عالم ملوش أمان ولا فيه ريحة الرحمة. بنتي مش هتعيش في وسط شياطين بيلبسوا بدل غالية!" فؤاد عروق رقبته برزت ووشه احمر من الغضب المكتوم، بس الغريب إنه ماردش بكلمة تجرحها. ماريا كانت واقفة بتراقب بصمت قاتل، وبدأت تدرك الحقيقة المرة؛ فؤاد لسه ضعيف قدام حياة، لسه بيسمح لها تكون وقحة وتغلط في اسمه وعيلته وهو ساكت، كأنه بيغفر لها كل حاجة بمجرد ما يشوف عينيها. ماركوس مقدرش يسكت أكتر من كدة، أكتر حاجة بتستفزه إن حد يغلط في "اسم الغريري"، لسه هيقرب ويتدخل، بس ابوه رفع إيده بحركة آمرة وسكته تماماً من غير ما يبص له. المشهد كان مشحون؛ كاريلا بتبص لمامتها بارتباك وخوف، وحياة واقفة زي اللبؤة اللي بتحمي بنتها، وفؤاد محاصر بين حبه القديم وبين كبريائه اللي حياة بتهده قدام الكل. _____ أخد نَفَس عميق، وحاول يسيطر على أعصابه وهو بيبص لحياة بنظرة كلها تحدي وقوة، وقال بصوت واثق "انتي عايزة ترجعيها لإيه يا حياة؟ للفقر؟ للحياة اللي مفيهاش أفق؟ كاريلا هنا هتعيش ملكة، أنا هوفر لها أحسن عيشة، أحسن جامعات في العالم، أي حلم كانت بتحلم بيه وهي معك أنا هحققهولها في ثانية.. كاريلا مكانها وسط عيلة الغريري وفي القصر ده." حياة ضحكت بسخرية مريرة وحست إن كلامه ده إهانة ليها ولامكانياتها، وردت عليه وهي بتجز على سنانها "إنت فاكر إن الفلوس بتمحي الدم اللي على إيديك؟ فاكر إن الدراسات العليا هتحميها من الرصاص اللي بيطير حواليك؟ بنتي كانت عايشة بكرامتها، مش محتاجة صدقة من إمبراطور الموت!" وبدأت تسحب كاريلا من إيدها تاني بقوة، لكن فؤاد وقف قدامها سد منيع وقال بكلمة واحدة هزت الجنينة "كاريلا هتقعد معايا.. دي بنتي!" هنا حياة انفجرت كأن بركان انفتح، وفقدت السيطرة على أعصابها تماماً "بنتك؟! دلوقتي بقت بنتك؟ إنت نسيت وعدك ليا يا فؤاد؟ نسيت التاريخ اللي بينا؟" ماريا وشها شحب وبقت زي الورقة البيضاء وهي بتسمع "الفضايح" اللي بتطلع، وكاريلا كانت بتبص لأمها بذهول، مش مصدقة إن دي الست الهادية اللي ربتها. حياة صرخت فيه والكل واقف بيسمع "مش إنت اللي وعدتني إنك هتبعد عنها وتسيبنا نعيش في سلام بشرط إننا مانهربش؟ مش أنا أول ما عرفت إني حامل، قلت لك لو ما طلقتنيش وتنازلت عن حضانتها، هاخدها وأختفي في آخر العالم وماحدش هيعرف لنا طريق؟ وإنت وافقت! إنت تنازلت عن بنتك بإرادتك عشان خفت تضيع منك للأبد!" حياة كانت بتتكلم وهي ثايرة، والكل متسمر في مكانه، بس فجأة سكتت لما حست بكاريلا وهي بتزق إيدها بقوة وتبعد عنها. كاريلا كانت بتبص لأمها بلوم يقطع القلب وقالت وصوتها بيترعش من القهر "إنتي عملتي كدة يا ماما؟ إنتي اللي حرمتيني منه؟ أنا عشت طول عمري فاكرة إن بابا مات، ولما كبرت وعرفت إنه عايش، قلت لنفسي أكيد نسينا عشان عنده عيلته وحياته الأهم.. كنت بحاول أسامحه وأقول إنه معذور." وكملت وهي بتعيط بحرقة "طلعتي إنتي السبب؟ إنتي اللي هددتيه؟ حرمتيني من سندي ومن أبويا لمجرد إنك عايزة تتملكي فيا؟ إنتي كذبتي عليا طول سنيني يا ماما!" حياة حاولت تقرب منها وتلمس وشها وهي مرعوبة من رد فعل بنتها "يا كاريلا افهمي، أنا كنت بحميكي من العالم ده، بصي حواليكي، دي غابة مش عيلة! دول وحوش، أنا عملت كدة عشان تعيشي بني آدمة طبيعية!" كاريلا رجعت لورا خطوة ورفضت إن أمها تلمسها، وقالت بقوة غير متوقعة "مايهمنيش! العالم ده خطير بس بابا موجود، وهو هيحميني.. أنا مش عايزة أرجع معاكي يا ماما، أنا هفضل هنا مع الشخص اللي إنتي سرقتيني منه عشرين سنة." حياة بصت لها بذهول، والدموع نزلت من عينيها بغزارة، وقالت بصوت مكسور "إنتي بتختاري 'الغريري' عليا يا كاريلا؟ بتختاري القصر والفلوس والدم على الحضن اللي شالك؟ بكرة تندمي.. بكرة تعرفي إن اللي بيحمي القصر ده هو اللي هيحرقك أول واحدة!"