الفصل السابع والسبعون
" the writer Aridj "
.
.
.
لم يطاوعها قلبها أن تتركه.
ظلّت متشبثة به حتى غلبها النعاس، كطفلةٍ ضائعة وجدت فجأة حضنًا آمنًا وسط العاصفة.
كانت أنفاسها الصغيرة تهدأ شيئًا فشيئًا، ويدها ما زالت قابضة على قميصه، كأنها تخشى أن يذوب إن أغمضت عينيها.
أما هو…
فكانت نظراته تتأرجح، مكسورة، بين جسد والده الملقى على السرير الأبيض، تحيط به الأجهزة، تومض بمؤشرات الحياة بضعفٍ يوجع القلب،
وبين أخته… شقيقة روحه… الراقدة بين ذراعيه، متشبثة به كما لو أن العالم كله قد اختصر في ذلك القماش الذي تمسكه.
نهض بحذر، وكأن أي حركة مفاجئة قد تكسر هذا التوازن الهش.
حملها بهدوء واتجه نحو الأريكة.
وبمشقة، فكّت أصابعها قبضتها عن قميصه، سمحت له أن يضعها ويغطيها.
انحنى، طبع قبلة دافئة على خدها الناعم، ابتسم ابتسامة باهتة، ثم غادر بصمتٍ يشبه الاعتذار.
صعد الدرج، وقبل أن يصل إلى الغرفة،
رنّ هاتفه.
أخرجه، فرأى اسم مشعل.
أعاد الهاتف إلى جيبه دون أن يجيب.
كان واثقًا أنه سيخبرهم بالعودة، لكنه لم يكن عبدًا لأحد، مهما كان اسمه أو سلطانه.
طرق الباب ودخل.
وجد خالد جالسًا على الأرض، مسندًا ظهره إلى الحائط، يبدو شبه نائم.
فهد يمرر حبات سبحته ببطء، كأنها تسرق من الزمن بعض السكينة.
تالين تجلس قرب رأس والدته، تقرأ آياتٍ من القرآن بصوتٍ خافت،
وأماني على الأريكة، تضم قدميها إلى صدرها، تشبك يديها وتسند رأسها على ركبتيها، غارقة في صمتٍ ثقيل.
رعد/السلام عليكم حياكم الله ياشباب
ردّ الجميع السلام بأصوات متفاوتة، بين خافتٍ ومنهك.
وضعت تالين المصحف على الطاولة، وسألت بصوتٍ مرتجف /وينها وعد نامت ؟؟
أومأ رعد برأسه مبتسمًا، اقترب من والدته وقبّل جبينها، ثم وقف لحظة.
لكن ذلك السكون لم يدم.
رنّ الهاتف مرة أخرى.
رفعه بانزعاج، وقرر أن يجيب /خيير
مشعل /اعرف اني أزعجتك بس يارعد سلطان يحتاجك ولازم تجي بسرعة.
تغيّرت ملامح رعد، اشتعل الغضب في عينيه / ما حزرت مو نجي على هواه ونروح على هواه
مشعل /بس يارعد ...
وفي الجهة الأخرى، انتبه سلطان أن مشعل يكلم رعد، فأسرع وانتزع الهاتف من يده.
سلطان /تسمعني يارعد
رعد بنفاذ صبر /وش تريد بعد؟؟؟!
سلطان بحدة /اسمعني بلا حركات عيال وروح عند اختك بسرعة وماتتحرك من عندها
رعد بسخرية /ليش صاير تتحكم حتى بعلاقاتنا العائلية
تنهد سلطان.
كان من الصعب أن يشرح كل شيء لرعد وهو في هذه الحالة،
والأصعب أنه لا يعلم شيئًا عن طبيعة عمل والده.
لم يكن أمامه إلا المسايرة…
كان عليه أن يحمي شرف رفيقه، مهما كان الثمن /رعد ماني امزح معك، اختك فخطر ويمكن تنخطف
رعد وقد بدت عليھ الصدمة /ايييييش؟؟؟
وانطلق مسرعًا، تاركًا الجميع في الغرفة في حيرةٍ ثقيلة.
نھضت أماني بسرعة، تبعته، وأيقظت خالد معها.
نزلت تالين وفهد خلفهم.
كان رعد يهبط الدرج قافزًا ثلاث درجات بخطوة واحدة.
رأسه يعج بأسئلة مشتعلة:
كيف؟ من؟ ولماذا؟
من يجرؤ أن يقترب من أخته؟
ما الذي يحدث؟
وما علاقتها بكل هذا؟
وصل إلى الغرفة، فتح الباب بعنف.
كانت خالية.
اختفت تلك الصغيرة التي تركها نائمة.
صرخ في الهاتف الذي لا يزال في يده /وينها يا سلطان ما هي موجودة وش سويت عشان تلوي ذراعي فيها ليه؟؟
سلطان /رعد ركز معايا ماني عدوك راح ارسل فرقة للحراسة وفرقة للبحث وانت تعال هنا وجيب معك اماني وخالد
وأغلق الخط.
وقف رعد لحظة…
إنسان يتشيط غضبًا.
لو استطاع، لأحرق العالم كله من أجلها.
خرج من الغرفة، التفت إلى من يقفون خلفه.
كانت تالين قد سمعت كل شيء.
انهارت، شهقت ودموعھا تنھمر ، ولم تحتمل أكثر.
رؤية نصفها… لا، روحها… تُنتزع منھم وتقدم كعربون إلى أحضان المجهول كانت أكثر مما يُحتمل.
سقطت مغشيًا عليها.
أسرع رعد، حملها بين ذراعيه، لمس نبضها… كان ضعيفًا.
اتجه بها نحو الطوارئ، والجميع خلفه.
في طريقه، لمح مشعل مع فرقته.
قال مشعل احنا رايحين نحرس غرفة عبد الرحمن ونص الثاني منا راح يحرس غرفة الوالدة.
لم يجب رعد، أشار بعينيه فقط.
ومن شدة سرعته، لم ينتبه حتى لذكر اسم والده على لسان مشعل .
وضع تالين على السرير الأبيض… ذلك السرير الذي بات يكرهه.....يسرق أحبتھ ببطئ محسوب .
أوصى الطبيب بتفقدها، وترك فهد معها.
وغادر بصحبة أماني وخالد.
وقبل أن يخرجوا من المستشفى، قالت أماني /استنا يا رعد احسن ناخذ تسجيلات كاميرات المراقبة معنا
مسح رعد جبينه بتعبٍ مھموم /نسيت ابدا معاد عندي عقل افكر فيه روحي بسرعة يا أماني.
أسرعت أماني إلى مكتب الأمن.
بعد حديث مشعل معهم، حصلت على التسجيلات ،فمن الصعب عليھم إلقاء الأوامر القانونية وھم لم يرتقوا بعد الى مرتبة عميل خاص .
عادَت وأشارت لهما أن يتحركا.
انطلقوا نحو المقر.
الطريق بدا أقصر من المعتاد، كأنه ينكمش تحت وطأة الكارثة.
أوقفوا السيارات بعشوائية، اندفعوا إلى الداخل.
المصعد مشغول… لم ينتظر رعد.
ركضوا عبر السلالم الحديدية، أنفاسهم تتداخل مع صدى الخطوات.
وصلوا أخيرًا.
صرخ رعد /سلطان وينك
أسرع سلطان، تقدّم بثبات/رعد افهم ..انا بصفك ماني عدوك لازم نلقا اختك يلا اعقل وخلينا نبدا العمل
ثم التفت إلى أحمد /جهز فرقتك يا أحمد واطلع مع الفرقة التاسعة والعاشرة وأصدر أمر بإيقاف كل الرحلات الجوية وحطوا حواجز فالطرق الخارجية لازم نحاصرهم قبل فوات الأمان.
وبأصوات متفاوتة/علم
ثم التفت إلى أماني وخالد /بسرعة البسوا زي الميداني وارتدوا واقيات الرصاص ما اريد اي مخاطرة اسرعوا على مكتبي البسوا الأحزمة والأسلحة
وهنا…
صرخ ماركوس من خلفهم بالغة إنجليزية/
What are you doing, Sultan?
الترجمة الى العربية/ماذا تفعل يا سلطان؟
سلطان وصبرھ يقف على حافة الغضب /
Don’t interfere, Markus. This can’t wait
الترجمة الى العربية/لا تتدخل يا ماركوس، الأمر لا يحتمل الانتظار.
اقترب ماركوس منھ وقال بحدة ممزوجة بغضب متصاعد /
You don’t get to decide on your own. You can’t involve trainees in a special operation.
الترجمة الى العربية/لا يمكنك أن تقرر بمفردك، لا يحق لك إشراك متدربين في مهمة خاصة.
رمقھ بتلك النظرة التي تبث الرعب في نفوس الرجال /
They’re under my command now. They are special agents. Don’t obstruct the mission, Markus—help me instead of standing in my way.
الترجمة الى العربية/هم الآن تحت إمرتي، أصبحوا عملاء خاصين. لا تعرقل سير المهمة يا ماركوس، وساعدني بدلًا من الوقوف في طريقي.
ماركوس بمسايرة /
Then let’s see what you’re trying to reach.
الترجمة الى العربية /إذن دعنا نرى إلى ماذا تحاول الوصول.
رفع ماركوس جهاز اللاسلكي/
Calling all units. Prepare helicopter number eleven. Destination: United States of America.
الترجمة الى العربية/نداء إلى جميع الوحدات، جهّزوا المروحية رقم أحد عشر، الوجهة: الولايات المتحدة الأمريكية.
التفت إلى سلطان/
You didn’t even tell me what happened. If Ahmed hadn’t told me, I would’ve been the last to know.
الترجمة الى العربية/أنت لم تخبرني حتى بما حدث، لولا أن أحمد أخبرني لكنت آخر من يعلم.
صرخ سلطان بحدة/
You want to know? They kidnapped Abdulrahman’s daughter. Are you satisfied now? And if you’re looking for who did it—Jasser. That bastard took her. Happy now?
الترجمة الى العربية/تريد أن تعرف؟ لقد خطفوا ابنة عبد الرحمن. هل ارتحت الآن؟ وإن كنت تبحث عمّن فعلها، فهو جاسر… ذلك الحقير هو من اختطفها. هل أنت راضٍ الآن؟
ماركوس بقلق /!??What
الترجمة الى العربية/ماذااا ؟!
التفت سلطان إلى رعد، الذي كان يغلي غضبًا /تشوفني جدار قدامك هذي أختي لي نخطفت افهم يا الحديد يالي بدون قلب
سلطان /لا تخلي غضبك يسيطر عليك ولا تعرقل عملنا والا راح امنعك من المشاركة فمهمة انقاذها.
أمسك رعد رأسه بكلتا يديه، ابتعد قليلًا، ثم عاد لو صار عليها شي راح احرقكم كلكم وما يهمني احد وما راح تلوم إلا نفسك .
اتجه إلى مكتب سلطان.
أخذ سلاحه، ارتدى اللباس الميداني والسترة الواقية، واستعد.
تقدمت أماني، ناولت سلطان أشرطة الكاميرات.
قال وهو يضع يده على كتفها /كفو يا أماني كفو
وانطلق نحو غرفة الحواسيب.
:
:
في أمريكا…
كان يجلس بفخر، كأسه في يده، وابتسامة انتصار ترتسم على وجهه.
وصلته الأخبار.
لقد نجح رجاله…
اختطفوا ابنة عبد الرحمن.
أطلق ضحكة عالية، ضحكة رجلٍ يظن أنه أمسك بالقدر من عنقه.
رفع هاتفه، كتب رسالة، وأرسلها إلى سلطان.
وكان يجهل…
أن هذه الرسالة
لن تكون إعلان نصر…
بل شرارة حرب.