الفصل العاشر: اللقاء المفاجئ
مرّت بضعة أيّام فقط، تعرّفتُ فيها أكثر على سمر، وعلى المرأة التي أصبحتُ أناديها خالتي، حاولتا كثيرًا إدخالي إلى المدرسة، لكنّ الرفض كان قاطعًا من الإدارة لعدم وجود أهلي، ومع ذلك لم تتغيّر معاملتهما لي، بل ازداد قربهما، حتى اعتدتُ أن أناديها خالتي، وفي أحد الأيام ابتسمت لي وقالت إنني أستطيع أن أناديها أمّي إن أردت، يومها ارتجف قلبي، ولم أجب، لكنّ الكلمة بقيت عالقة في صدري، وفي صباحٍ آخر اقترحت خالتي أن نذهب إلى السوق أنا وهي وسمر، خرجنا معًا، وكنتُ أشعر للمرة الأولى أنني أنتمي إلى أحد، لكنّ القدر كان يخبّئ لي صفعة جديدة، إذ وقعت عيناي فجأة على زوجة أبي، تجمّدتُ في مكاني، ونظرت إليّ بنظراتٍ مرعبة، اقتربت مني وقالت بسخرية: آه… ما زلتِ حيّة؟ عندها تقدّمت خالتي وسألتها بهدوء من تكون، فردّت المرأة بحدّة: أنا أمّها، وأنتِ من تكونين؟ لم أستطع الكلام، لكن سمر وقفت أمامي وقالت بجرأة: إذن أنتِ زوجة أبيها القاسية، ماذا تريدين؟ اغربي من هنا، غير أن المرأة ضحكت وقالت إنني فتاة غبيّة وسارقة وكذّابة، وإنني كنتُ أعيش في نعيم ولم أقدّر تلك النعمة، وإنني هربتُ من المنزل، حاولت خالتي إيقافها وقالت إننا لم نطلب منها تفسيرًا، لكن سمر صاحت فيها أن تبتعد وإلا ستصرخ ويجتمع الناس، عندها تغيّر صوت المرأة وقالت ببرود إنني ابنتها وستدّعي أننا خطفناها وحرّضناها عليهم، ثم أضافت باستهزاء أقسى من السكين أنها لا تهمّهم، وأن أبي لا يهتمّ لأمري، وأنهم يفضّلون موتي على عودتي، وضحكت ضحكة طويلة جارحة، شعرتُ أن الأرض تميد بي، وقبل أن أستوعب ما يحدث دفعتني بقوّة فسقطتُ على الأرض، بينما غادرت وهي تضحك، وبقيتُ هناك، ممدّدة بين الناس، أشعر أن كلمتها كسرتني أكثر من السقوط نفسه.