الفصل السادس والسبعون
" the writer Aridj "
.
.
.
في أروقة المقر، حيث الجدران تحفظ الأسرار أكثر مما تحفظ الأصوات، كان أحمد يقف أمام مكتب مشعل، كلاهما غارق في محاولة فهم ما حدث قبل قليل.
مكالمة غامضة، صوت أجنبي يتحدث الإنجليزية، طلب سلطان بالاسم، ثم أغلق الخط فجأة… كأنما ألقى بحجر في ماء راكد واختفى.
تنهد أحمد وهو يمرر يده على جبينه وقال بتردد /نخبر سلطان ولا لا؟
رفع مشعل حاجبه، وفي عينيه لمعة مكر يعرفها أحمد جيدًا، وقال وهو يلوّح بيده /لا يا زلمي، خبره أنت واعتقني من غضبه.
رفع أحمد رأسه كمن يستنجد بالسماء، زفرة ثقيلة خرجت من صدره قبل أن يتمتم /أمري لله…
تحرك بخطوات محسوبة نحو مكتب سلطان، وكل خطوة كانت أثقل من سابقتها. طرق الباب، ثم دخل.
رفع سلطان رأسه من بين الأوراق، وحدّق فيه بنظرة اعتاد أحمد أن يخشاها، وقال بنبرة لا تخلو من سخرية /وش عندك يا أحمد؟ صرت أشوفك دايمًا هنا أكثر من الكل.
ارتسمت على وجه أحمد ابتسامة متوترة، ابتسامة من يعرف أن الحظ العاثر اختاره رسولًا دائمًا للأخبار الثقيلة. أغلق الباب خلفه وتقدم بثبات مصطنع، بينما كان يقول في داخله إن الجميع يدفعونه عمدًا إلى فم الأسد.
قال أخيرًا /اتصل واحد اليوم، وشكله أجنبي لأنه يتكلم إنجليزي، وطلب يتحدث معك… وبعدين أغلق.
رفع سلطان حاجبه باستغراب، وساد الصمت لثوانٍ قبل أن يقول بهدوء مشوب بالحذر /معليش، أكيد راح يعاود الاتصال. وأول ما يتعاد حوّلوه لعندي.
سكت قليلًا، ثم أضاف بنبرة أمر /خذ الرقم ودور على جميع المعلومات المتعلقة فيه.
أحمد /حاضر طال عمرك.
اتجه نحو الباب وخرج، كأنما نجا من اختبار قصير لكنه يعلم أن القادم أثقل.
عاد إلى مشعل، وقف أمامه وقال بسرعة /مشعل، أرسل الرقم على حاسوبي، خليني أروح أشوف المعلومات المتعلقة بالرقم…
ثم توقف فجأة، كأن فكرة لسعته، وأضاف /ما سألت سلطان إذا بدّه نشوف المكالمات اللي يجريها ولا لا.
ضحك مشعل ضحكة خفيفة وقال /اللي تقدر عليه ودّه له.
تركه أحمد واتجه إلى مكتبه، وبدأ العمل، بينما كان القلق يتسلل إلى صدره دون استئذان.
في تلك الأثناء، رن الهاتف عند مشعل.
نفس الرقم.
لم يتردد هذه المرة، حول المكالمة مباشرة إلى سلطان، ثم أسرع بخطوات متعجلة نحو مكتبه. دخل دون استئذان وقال /هذي نفس المكالمة اللي حكاك عنها أحمد.
أشار سلطان بيده دون أن يرفع عينيه، إشارة صامتة تعني: اخرج.
انصرف مشعل، وأغلق الباب خلفه.
رفع سلطان السماعة، وصوته خرج بإنجليزية رسمية باردة /
Hello, this is Sultan. Who’s calling?
الترجمة الى العربية/مرحبًا، معك سلطان، من المتصل؟
ومن الجهة الأخرى، جاءه ضحك… ضحك يعرفه سلطان جيدًا، ضحك يحمل في نبرته سُمّ الذكريات.
Hello, hello, Sultan… it’s been a long/
time.
الترجمة الى العربية /مرحبًا، مرحبًا يا سلطان… لقد مر وقت طويل.
شد سلطان قبضته على سماعة الهاتف، حتى كاد البلاستيك يئن بين أصابعه، ثم رد بلهجته السعودية، حادًا كالسيف /كفاك من لعب الحريم، وتكلم معي مثل الرجال.
ازدادت ضحكات الطرف الآخر، وكأنها تتغذى على غضبه /لا لا، لا تعصب… العصبية ما تناسبك، ولا تجيك جلطة وتروح مثل عبد الرحمن.
وقف سلطان فجأة، وانتفض من مكانه كأن الاسم صعقه بالكهرباء، وصاح /اسمه لا يجي على لسانك يا الواطي!
جاءه الرد ساخرًا، مستمتعًا بالاحتراق الذي أشعله /أفا… ما استنيتها منك هالحكي يا سلطان. لكان راح أستنى للمساء وأتصل أعزيكم فيه.
سلطان /يعني ما راح تترك حكي الحريم؟
ضحك الآخر ضحكة أقسى، ثم قال /نسيت أقولك… ما كنت أدري إن عبد الرحمن عنده بنت حلوة. وين كنتوا مخبينها؟
هنا، استشاط سلطان غضبًا، انفجر صوته كالرعد /يا الواطي، يا الحقير! إذا قربت منها أقسم بالله ما راح تعيش ثانية أخرى!
ضحك الآخر محاولًا رفع مستوى الغضب، متلذذًا بكل كلمة /راح أرسلك صورتها، أتمنى تعجبك. أفكر إني آخذها زوجة، والله شكلها صغيرة ودلوعة.
أغلق سلطان الخط في وجهه بعنف.
وقف في مكانه، صدره يعلو ويهبط، أفكاره تتصارع. كيف لهذا الحقير أن يلوّي ذراع عبد الرحمن بابنته؟ كيف يتجرأ على شرفه بهذا الشكل؟
كان عليه أن يتصرف… فورًا.
رن هاتفه المحمول.
رسالة من رقم مجهول.
فتحها.
"أول ما أجي للرياض راح أخطبها منكم ههههه"
وأُرفقت الرسالة بصورة.
صورة التُقطت لها في ممر المستشفى.
تجمد الدم في عروقه.
إذا وصلوا إلى عبد الرحمن…
عليه أن يسبقهم.
لن يترك ذلك الرفيق وحده.
لن يسمح أن يُمسّ الشرف ما دام في صدره نَفَس.
:
:
كان الجميع مصطفّين خارج مكتب سلطان، لا يتبادلون سوى نظراتٍ حائرة مشحونة بالخوف. العيون تتلاقى ثم تفرّ، والأنفاس محبوسة في الصدور.
صوت صراخ سلطان كان مسموعًا، يخترق الجدران، يرتطم بالممرات كالرعد، ويعلن أن عاصفةً هوجاء تعصف في الداخل.
وفجأة…
انفتح باب المكتب بعنف.
وقبل أن يكتمل فتحه، كان الجميع قد نفضوا من أمامه، تفرّقوا كأوراقٍ يابسة بعثرتها الريح، يحاول كل واحد منهم أن يحشر نفسه في أي زاوية، أي ممر، أي مكان بعيد عن ناظريه.
خرج سلطان بخطواتٍ سريعة، وجهه مشدود، فكه مقبوض، والغضب يتدفق منه كحممٍ لا تُحتمل. اتجه مباشرة إلى الغرفة التي تحوي الحواسيب، ودون مقدمات صرخ بأحمد /من ساعة طالب منك تجيب الزفت على مكتبي، ليش لسا ما جبت شي؟
وقف أحمد في مكانه، الكلمات خانته.
ماذا يمكن أن يُقال أمام هذا الغضب الأعمى؟
عاد صوت سلطان أكثر حدّة، كالسوط /ليش ما جبت الأوراق لمكتبي؟
ابتلع أحمد ريقه، وقال بصوتٍ خافت /طال عمرك دقيقة وتكون عندك.
زفر سلطان بغضبٍ قاتم وقال /حسبي الله على إبليسكم.
ثم ضرب الحائط بقبضته، ضربةً جعلت الصمت يصرخ، واستدار مغادرًا، حتى وصل إلى مشعل، وقال بلهجة لا تقبل نقاشًا /وين رعد؟
مشعل /طلع مع الفجر.
سلطان بحدة والغضب يتلوى بين قسمات وجھھ /تروح تجيبه، لو حتى تطلعه من تحت الأرض.
أومأ مشعل برأسه سريعًا، وكأن لسانه انعقد أمام حمم الغضب الحارقة، لا يقوى على نطق حرفٍ واحد.
:
:
وفي الجهة الأخرى…
كان المشهد نقيضًا تامًا.
جلس خلف مكتبه، مسترخٍ في كرسيه، قدماه ممدودتان فوق سطح المكتب بلا اكتراث. ضحكاته تعلو، تتردد في المكان، ضحكات رجلٍ يتلذذ بإغضاب خصمه، ويتغذى على اشتعال صدره.
دخل أحد رجاله، وقف بإنحنائة خفيفة وقال/
What are your orders, sir?
الترجمة الى العربية/بماذا تأمرنا يا سيدي؟
رفع عينيه ببطء، والابتسامة الخبيثة تزين شفتيه، ثم قال ببرود قاتل/
Tell them to take his daughter, but make sure they do it when she’s far away from everyone.
الترجمة الى العربية/أخبرهم بأن يأخذوا ابنته، لكن احرصوا على أن يأخذوها عندما تكون بعيدة عن الجميع.
تردد الرجل قليلًا ثم قال/
She is never alone, sir. Her brother never leaves her by herself.
الترجمة الى العربية/هي لا تبقى وحيدة أبدًا، وشقيقها لا يتركها لوحدها.
انتفض من مكانه فجأة، كوحشٍ أُصيب في كبريائه. اندفع نحو الرجل، أمسكه من ياقة قميصه بعنف، وصرخ في وجهه/
I don’t care about that. I want his daughter here on the first flight.
الترجمة الى العربية/لا يهمني هذا الأمر، أريد أن تأتوا بابنته في أول طائرة.
ثم رماه أرضًا بقسوة.
ارتطم جسد الرجل بالأرض، تأوه، ثم نهض بسرعة، والخوف يسبقه، وخرج مسرعًا قبل أن يصيبه شيءٌ آخر.
عاد هو إلى مكتبه، جلس ببطء، أخرج سيجارة، أشعلها، ثم اتجه نحو الشرفة. فتحها، وتسرب الهواء البارد، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة…
ابتسامة رجلٍ يظن أنه أمسك بالخيوط كلها، غير مدرك أن النار التي يشعلها قد تحرقه أولًا.