الفصل الخامس والسبعون
" the writer Aridj "
.
.
.
بعد حديثٍ طويلٍ وضحكاتٍ لا تنقطع، نهضت أماني من مكانها واتجهت نحو حقيبتها، وقالت بنبرةٍ يختلط فيها العتب بالدهشة / لي يتبعك ياوعد ،نسيت صلاة الفجر تمامًا!
ضحكت وعد بخفة، ولوّحت بيدها قائلة /حسبي على إبليس، وأنا وش دخلني؟
أخرجت أماني ملابس جديدة من حقيبتها، واتجهت نحو الحمّام الواقع في زاوية الغرفة. بدّلت ملابسها بسرعة، فارتدت سروالًا كلاسيكيًا أسود، وتيشيرت ضيقًا بأكمام واسعة في أطرافه
(T-shirt femme à manches évasées)
بلونٍ برغندي أنيق. نسّقت معهما حذاءً بكعبٍ عالٍ بنفس اللون، لكنها لم ترتده بعد، آثرت أن تتركه إلى حين خروجها.
وقفت أمام المرآة، تأملت انعكاسها بعينٍ راضية، تعطّرت، ثم قالت بابتسامة واثقة تخاطب نفسها /جميلة بكل حالاتك يا صعبة المنال.
ابتسمت لنفسها، ثم فتحت باب الحمّام، أعادت ترتيب ملابسها، وأخرجت سجادة الصلاة. ارتدت لباس صلاتها، وبدأت تؤدي صلاتها بخشوعٍ هادئ.
ما إن أنهت صلاتها حتى قالت وعد بلطف /تقبّل الله منكِ.
ابتسمت أماني، وقالت بخفة روح /آمين .
ثم أعادت سجادة الصلاة وثوبها إلى مكانهما.
اتجهت بعدها نحو كعبها البرغاندي، وجلست على الأريكة لتلبسه. وما إن انتهت ورفعت رأسها، حتى فُتح الباب، ودخل خالد ورعد.
انتفضت وعد من مكانها، قفزت نحوهما، وأحاطت عنق أخيها بذراعيها. احتضنها رعد بقوة، شدّها إليه، كان يستنشق رائحتها… تلك الرائحة القريبة من رائحة والدته، التي تعيده إليها دائمًا دون استئذان.
كان على وشك أن يُنزلها ليتحدث معها، لكنها رفضت، ودفنت وجهها في صدره. ظنّ في البداية أنها تضع رأسها فقط، إلى أن أطلقت شهقة مكتومة، ففهم فورًا أنها كانت تبكي.
جلس على الكرسي وهي لا تزال متعلقة به، أجلسها أمامه، وقال بصوتٍ دافئٍ يفيض قلقًا /وش فيها بنتي؟ وش فيك يا حبيبة رعد؟ ليش كل هالدموع؟ أفا… ما اتفقنا هيك.
قالت وعد بصوتٍ متهدج /اشتقت لك مرّةةة.
ابتسم رعد بحنانٍ عميق، وقال /وأنا كمان اشتقت لك يا روح أخوك.
كانت دموعها توجعه. كان يفكر بصمت: ماذا سيفعل بها إن قرر سلطان اصطحابهم إلى أمريكا؟
بعد مرور بعض الوقت، ابتعدت عنه، مسحت دموعها، ثم وقفت لتجلس بجانب أماني.
خالد، طوال هذا الوقت، كان يراقب أماني بعينين متفحصتين. لم يكن يخفى عليه اندهاشه؛ تلك الأناقة الهادئة تخفي تمامًا الفتاة التي كانت معهم في ساحة التدريب.
يا لكِ من متعددة المواهب يا أماني…
في تلك اللحظة، نزلت تالين، وهي تفرك عينيها من أثر النوم. وصلت إلى باب الغرفة، وقفت متخصّرة، وقالت بتذمّر طفولي /كلكم هنا تسلفون ونسيتوني! أخس عليكم وعلى صحبتكم.
ضحك الجميع، فالتفت خالد إليها وقال بمزاحٍ ساخر /تالينوش، وش فيك طالعة هيك؟ أخاف ترعبين المرضى.
انفجروا ضاحكين، بينما غادرت تالين المكان مرة أخرى، منزعجة مما قاله خالد، رغم علمها أنه كان يمزح.
قال خالد باستغراب /وش فيها؟ لا تكون زعلت… كنت أمزح.
ابتسمت وعد، ونهضت لتلحق بتالين، لكن خالد أوقفها قائلاً بثقة /خلي أروح أنا أحسن، أراضي بنت عمتي. اتركيها عليّ، أنا قدّها وقدود.
رفعت وعد حاجبها بسخرية، وعادت إلى مكانها، بينما نطق رعد قبل أن يخرج خالد، فهو يعرف تهوّره جيدًا /تعتذر مثل البشر، أعرف حركاتك.
ضحكت أماني وهي تتذكر كيف كاد خالد أن يحتضنها عندما سمع بخبر قبولها.
متسرّع… والكل عنده سواسية.
قال خالد مدافعًا عن نفسه /أفا! مصّخت الصورة النظيفة، حرام عليك.
وخرج، تاركًا خلفه جوًا عامرًا بالضحكات المتعالية، ودفئًا عائليًا لا يُشترى.