قبل ان تُسلم الأمانة
" the writer Aridj "
.
.
.
في بيتِ بني هاشم، حيث كانت الأسماء تُوزن بما تحمله من شرف، لا بعدد ما تملك من متاع، كان الغلام اليتيم حاضرًا حضورًا مختلفًا.
لم يكن أكثرهم كلامًا، ولا أشدّهم لفتًا للنظر، لكنه كان أقربهم إلى القلب.
كان عبد المطلب، شيخ قريش وسيدها، إذا جلس عند الكعبة، بسط فراشه حيث لا يجلس أحد، فراشُ الهيبة لا يُشارك فيه ولد ولا حفيد.
غير أن هذا الغلام كان يُترك.
لا لأن أحدًا أذن له، بل لأن الجد إذا رآه مقبلًا سكت، وإذا اقترب ابتسم، وإذا جلس لم يُنكر عليه جلوسًا.
كان الصمت يفسح له مكانًا.
وإذا همّ بعض أعمامه أن يبعدوه—حفظًا لما ألفوه من التقاليد—ردّهم الجد ردًّا هادئًا، لا قسوة فيه ولا تبرير، كأن الأمر أوضح من أن يُشرح.
كان يرى فيه ما لا يُقال، ويشعر بما لا يُفسَّر.
لم يكن الغلام مدللًا، ولا مرفوعًا فوق غيره بكلمة، لكن الرعاية إذا صدقت لا تحتاج إعلانًا.
كان الطعام إذا قُدّم، قُرّب إليه.
وكان المجلس إذا ضاق، اتسع له.
وكان البيت الهاشمي—بجلاله وصخبه وأنساب رجاله—يهدأ حين يكون حاضرًا، كأن الطمأنينة تعرف طريقها إليه.
لم يُحفظ عنه عبث صبيان، ولا لهوٌ يُذكر.
كان وقورًا في طفولته، ساكن النظرة، خفيف الحركة، كأن داخله أوسع من عمره.
وكان عبد المطلب يلحظه دون أن يحدّق، ويطمئن إليه دون أن يسأل.
وحين دنا الأجل من الشيخ الذي حمل مجد قريش على كتفيه، وخفَتَ الصوت الذي كانت تُسمَع له الكلمة، التفت بقلبه إلى ما هو أبقى من الملك والجاه.
التفت إلى الغلام.
لم يُسلِّمه إلى الأكثر مالًا، ولا إلى الأعلى مكانة، بل إلى الأقرب قلبًا.
فكانت وصيته أن يكون بعده في كنف أبي طالب، ابنھ الذي عرف صدق العهد قبل سعة اليد.
لم تكن الوصية خطبة، ولا مشهدًا صاخبًا، بل كلمة هادئة تخرج من رجل أدّى ما عليه.
كأن عبد المطلب—وهو يودّع الدنيا—لم يكن يسلّم حفيده لرجل، بل يضع أمانة في موضعها.
وهكذا انطوت صفحة الجد، وبقي الأثر.
أثرُ محبةٍ صامتة، ورعايةٍ بلا ادّعاء، ومكانةٍ لم تُصنع بالكلام، بل ثُبّتت بالفعل.
وفي بيت بني هاشم، ظل الغلام كما كان:
محفوظًا بعين العناية،
ومهيَّأً لمسيرٍ لم يبدأ بعد......