رواية تاج في الظل - الفصل التاسع - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع

الفصل التاسع

"الظلال تتحرك في القصر" كانت أروقة قصر النور في تلك الليلة هادئة بشكل مريب. ألسنة المشاعل تهتز على الجدران وكأنها ترسم أشكالًا غامضة من نار وظل، والجنود المكلَّفون بالحراسة بدوا أقل يقظة من المعتاد. في قاعة صغيرة خلفية، حيث السقف منخفض والجدران مزينة بأعلام قديمة، كان القائد السابق لجنود المملكة، "راجح بن كمال"، يجلس على كرسي خشبي متهالك، وعيناه تضيقان بغضب مكبوت. كان راجح رجلاً في الخمسين، جسده لا يزال متينًا رغم تقدم العمر، ولحيته الرمادية تزيد من صرامة ملامحه. وقف أمامه اثنان من رجاله المخلصين، أحدهما طويل نحيل بعينين ماكرتين، والآخر ممتلئ الجسد يضع يده دائمًا على مقبض خنجره. قال راجح بصوت منخفض، لكنه يحمل سمًا في نبرته: – منذ جاء هذا الغريب… انقلب كل شيء. كنتُ أنا القائد، وكانت كلمتي لا تُرد. الآن… يأمرني الملك فهد أن أتبعه، كأنه سيدٌ وأنا تابع! ابتسم النحيل بسخرية: – سمعنا يا سيدي أن الجنود بدأوا يتحدثون عنه أكثر مما يتحدثون عنك… وأنهم ينفذون أوامره قبل أن ينظروا إليك. شد راجح قبضته حتى برزت عروقه: – لن أسمح له بأن يأخذ مكاني… لن أسمح له أن يسلب ما بنيته طوال السنين. تقدم الممتلئ وقال بصوت أجش: – أمر واحد منك… وسأجعله جثة في إحدى الحقول. لن يجدوا حتى سلاح الجريمة. لكن راجح لوّح بيده نافيًا: – لا… نحتاج أن يكون موته… رسالة. موتٌ يُظهر أن من يسرق مكان راجح… يلقى مصيرًا يليق بالخونة." اقترب النحيل خطوة، وهمس: – إذن… تريدها علنًا؟ – لا، ليست علنًا تمامًا… بل حادثة. شيء لا يشك فيه الملك… لكن الجميع يفهم الرسالة. نظر راجح إلى النور المرتعش على الجدار، وابتسم ابتسامة باردة. "جولة بين الأشجار" في صباح اليوم التالي، كان الضباب الخفيف يتسلل بين أشجار الحقول، والأرض لا تزال رطبة من ندى الليل. كان سليمان يسير بخطوات هادئة على الطريق الترابي الذي يشق بساتين الزيتون، يراقب الفلاحين وهم يعملون، يبادلهم التحية بابتسامة وعبارات تشجيع. إلى جانبه كانت غفران تسير بخفة، سلة فارغة معلقة في يدها اليمنى، وثوبها البسيط يتمايل مع حركتها. كانت الشمس تعكس على شعرها الأسود خيوطًا ذهبية متناثرة. قال سليمان وهو ينظر للأفق: – أحب هذه البساتين… فيها هدوء لا أجده في القصر. حتى الهواء هنا أنقى. ابتسمت غفران: – الحقول لا تعرف الكذب، يا نصر الدين. كل ما تزرعه… تراه. أما القصور، فبعض ما فيها مزروع بالزيف. نظر إليها سليمان باهتمام: – كلامك حكيم… لكنك تقولينه وكأنك تعرفين القصور جيدًا. ضحكت ضحكة قصيرة: – أنا أعرف الناس… سواء كانوا فقراء أو ملوكًا. البشر هم البشر، فقط ثيابهم تتغير. توقف سليمان لحظة، ومال رأسه قليلًا نحوها : – وأنا؟… كيف ترينني؟ ترددت غفران، ثم قالت وهي تنظر إلى الطريق أمامها: – أراك رجلًا يحمل في عينيه قصة لم تُروَ بعد. تحاول أن تبدو جنديًا بسيطًا… لكن قلبك يعرف العروش جيدًا. ابتسم سليمان بهدوء: – ربما أنتِ أقرب للحقيقة مما تظنين. "خطر بين الأغصان" بينما كانا يسيران، كان هناك حركة غريبة بين الأشجار على يمين الطريق. في البداية، ظن سليمان أنه مجرد طائر أو أرنب، لكن خطوات سريعة وثقيلة اقتربت، وصوت أوراق تتساقط بسرعة جعل غفران تتجمد في مكانها. تحولت ملامحها فجأة من الهدوء إلى الحذر الشديد، وعيناها تضيقان كمن يحدد هدفًا. ببطء وضعت السلة على الأرض، ومدت يدها إلى الحزام الجلدي الملتف حول خصرها، حيث كان خنجر صغير ذو نصل لامع.ووقفت أمام سليمان مباشرة. قال سليمان بدهشة مفاجئه وهو يراها تتحفز: – غفران… ماذا هناك؟ لكنها لم تجبه. كانت تحدق بين الأشجار، وكأنها ترى ما لا يراه هو. فجأة، خرج رجل مسرع من بين الأغصان، ملامحه مشدودة، يده على سيفه، وعيناه مركزتان على سليمان. في جزء من الثانية، اندفعت غفران بخطوة قوية للأمام، ورمت الخنجر في حركة حادة ودقيقة. استقر النصل مباشرة في صدر الرجل، فتوقف في منتصف اندفاعته، وعيناه تتسعان بدهشة وألم. لكن دفعة غفران للأمام جعلت توازنها يختل، فسقطت مباشرة بين ذراعي سليمان. أمسك بها وهو ما زال مذهولًا: – غفران! من هذا؟ ولماذا قتلتيه…؟ رفعت رأسها ببطء، وعيناها تتابع الرجل وهو يترنح للخلف ويسقط أرضًا بلا حراك كل هذا وهي مازالت بين ذراعي سليمان: – لم يكن لديك وقت لتسأل… لكنه كان قادمًا ليقتلك. شد سليمان على كتفيها: – كيف عرفتِ؟ – الطريقة التي كان يضع بها يده على سيفه… والنظر في عينيه. رأيت هذا من قبل، في أماكن لا تحب أن تعرف عنها الكثير. توقف الاثنان لحظة، والهدوء يعود شيئًا فشيئًا، لكن قلب سليمان كان يعرف أن هذا لم يكن سوى بداية… بداية خيوط لمؤامرة أكبر. ابتعدت غفران للخلف وهي تسحب احدي خصل شعرها خلف اذنيها بخجل ثم قالت غفران: –معذره لم اكن اقصد "الرحيل وحده" ظل سليمان واقفًا في مكانه بعد أن سقط جسد الرجل غريب الملامح بين الحشائش الرطبة، وصوت ارتطامه بالأرض ما زال يتردد في أذنيه. غفران كانت واقفة على بعد خطوات، أنفاسها سريعة، وعيناها لا تزالان تحدقان في الجثة، كأنها تستعيد في ذهنها اللحظة التي ألقت فيها خنجرها قال بصوت مبحوح: – لماذا… ساعدتِني؟ أجابته دون أن تنظر إليه: – لم أساعدك… أنا فقط لم أسمح لرجل مثله أن يقتل رجل شجاع وشهم أمامي. ساد الصمت لحظة، ثم انحنت غفران لتسحب خنجرها من صدر القتيل، ومسحت نصله بطرف ثوبها، وأعادته إلى حزامها ثم رفعت رأسها، ونظرت إليه نظرة قصيرة، قبل أن تقول: – الطريق إلى القصر أمامك… وأنا لدي عملي هنا. لا تقلق بشأن هذا ارتبك للحظة، وكأنه كان يريد قول شيء آخر، لكن الكلمات لم تخرج. اكتفى بأن أومأ برأسه، ثم التفت وعاد يسير في الطريق الترابي نحو القصر وهو يبتسم ابتسامه قصيرة ولكنها ساحره كلما ابتعد عنها، شعر بثقل في صدره… لم يكن فقط أثر محاولة الاغتيال، بل شعور غريب، خليط من الامتنان والقلق والانجذاب نحو تلك الفتاة التي ظهرت فجأة كسيف مسلول ثم اختفت بنفس السرعة "خطوات مثقلة نحو القصر" الضباب بدأ يتلاشى، والشمس أرسلت أشعتها الذهبية فوق أسوار مملكة النور . كان سليمان يسير ببطء، وعيناه معلقتان بالأرض، كأنه يخشى أن تلتقي عيناه بأحد فيكتشف اضطرابه الداخلي. كل مشهد يراه في طريقه كان يعيده إلى لحظة الخنجر في صدر المهاجم… إلى عيني غفران اللتين لم ترتجفا، إلى نبرتها الحازمة وكأنها اعتادت مواجهة الموت.إلي سقطها بين ذراعيه. تمتم لنفسه: – من أنتِ يا غفران… وماذا تخفين؟ حين وصل إلى بوابة القصر، حيّاه الحارس المعتاد، لكن سليمان اكتفى بإيماءة سريعة ودخل. لم يكن في مزاج للكلام، وكان يشعر أن أي حوار قد يكشف ما يدور في ذهنه. "راجح يتلقي النبأ" في مخزن الأسلحة، جلس راجح على مقعده الخشبي، وعلى الطاولة أمامه كأس من الشراب لم يمسّه. دخل رجلاه المخلصان، وملامحهما متوترة، وكأنهما يحملان خبرًا لا يُسرّ. قال الممتلئ بصوت خافت: – الرجل الذي أرسلناه… لن يعود. رفع راجح نظره ببطء، وعيناه تلمعان ببريق بارد: – مات؟ أجاب النحيل: – نعم… وجدناه في الحقول، ضربة واحدة في الصدر، نظيفة وسريعة. أسند راجح ذقنه إلى يده، وأخذ يحدق في الفراغ: – هذا ليس عمل جندي عادي… بل شخص يعرف القتل كما يعرف التنفس. تبادل رجلاه نظرة قلقة، فسأل الممتلئ: – هل تعتقد أن الغريب نفسه هو الذي قتله؟ هز راجح رأسه نافيا: – لا… أسلوب الضربة يوحي بيد أخرى. هذا يعني أن الغريب… ليس وحيدًا. "ليله ثقيله في القصر" جلس سليمان في غرفته، أمامه شمعة يتراقص لهيبها، بينما عقله يرفض أن يهدأ. كان يفكر في وجه المهاجم، في سبب مجيئه، وفي يد غفران التي سبقت يده إلى القتل. ثم دفعتها بين احضانه شعر بشيء لم يرد الاعتراف به… مزيج من الإعجاب بجرأتها، والحذر من ماضيها الذي لا يعرف عنه شيئًا. مد يده إلى كوب الماء أمامه، لكنه توقف في منتصف الحركة، وكأن فكرة مفاجئة خطرت له: – إذا كان راجح وراء هذا… فلن يتوقف هنا. وفي مكان آخر، في غرفة صغيرة مضاءة بمصباح زيتي، كانت غفران تجلس وحدها، تنظف خنجرها، وعيناها شاردتان، كأنها تفكر في شيء أثقل من القتل نفسه.ولكنها ابتسمت واغمضت عيناها