الفصل الرابع: رياح التغيير
قرار لا رجعة فيه:
في حديقة القصر الغناء، حيث تتمايل الأزهار بألوانها الزاهية، وتهمس أوراق الأشجار بحكايات قديمة، جلس السلطان فخر بن المنصور على مقعد رخامي فاخر، بينما وقفت ابنته قمر الدين أمامه، عيناها تعكسان تحدياً صامتاً.
"يا ابنتي، لقد حان وقت الجد. الأمير معتصم رجل ذو خلق رفيع، وهو ينتمي إلى أسرة عريقة، بالاضافة الى أن والدته كانت ابنة عمي، وهذا الزواج سيحمي سلطنتنا ويوحد قوانا."
"لا أريده يا أبي. لا أستطيع أن أتزوج من رجل لا أحبه."
"الحب يأتي بعد الزواج يا قمر. ستتعرفين عليه وتجدين فيه كل الصفات التي تبحثين عنها."
"ولماذا لا أستطيع أن أختار من أحب كما تفعل كل الفتيات؟"
"لستِ ككل الفتيات، أنتِ أميرة، ومسؤولياتكِ أكبر من مشاعركِ الشخصية."
"أفهم مسؤولياتي يا أبي، لكن قلبي لا يستطيع أن يقبل هذا الزواج."
"لقد وعدت الأمير معتصم، وأعطيته كلمتي. لا يمكنني الرجوع في وعدي."
"إذاً فأنت تفضل كلمتك على سعادة ابنتك؟"
"لا تقولي هذا يا قمر! أنا أفكر في مصلحتكِ ومصلحة السلطنة."
"مصلحتي أن أكون سعيدة، وهذا الزواج لن يجلب لي إلا الشقاء."
قام السلطان فخر، وعيناه تلمعان بالغضب والأسى. "كفى جدالاً! لقد قررت ستتزوجين الامير معتصم وهذا أمر، والزواج سيكون بعد أسبوعين. هذا أمر لا نقاش فيه."
"أبي! لا تفعل هذا! أرجوك!"
"انتهى النقاش. استعدي للزواج، فهذا واجبك كأميرة."
تركها السلطان وحيدة في الحديقة، تتناثر دموعها على الورود كالندى المر. سمعت مرجانة صوت بكائها فأسرعت إليها.
"ما الذي حدث يا سيدتي؟ لماذا تبكين؟"
"والدي... سيجبرني على الزواج من الأمير معتصم."
احتضنت مرجانة صديقتها بحنان، وهي تدرك أن دموع الأميرة لن تغير من قرار السلطان.
"لا تبكي يا قمورة، فرب ضارة النافعة."
"كيف أتقبل هذا الامر وأنا لا أريد ذلك الرجل؟"
"ربما يكون الأمير معتصم أفضل مما تتخيلين. وربما يكون هذا الزواج بداية سعادة لم تتوقعيها."
"أشعر وكأن القصر أصبح سجناً كبيراً، والحياة أصبحت ظلاماً بلا ضوء."
"لا تقولي هذا، فما زال هناك أمل. الحياة كالبحر، لا تعرفين ما تخبئه الأمواج في أعماقها."
بقيت قمر الدين تبكي في حضن مرجانة، بينما كانت الشمس تغرب خلف الأفق، تاركة السماء ملوّنة بألوان الأحمر والبرتقالي، كأنها تعكس مشاعر الأميرة المليئة بالألم والأمل في آن معاً.
في بيت الشفاء:
في بيت الطبيب حامد بن زيد الواقع في أطراف المدينة، كانت المصابيح الزيتية تنير الغرفة بضوء خافت. كان الطبيب رجلاً مسناً ذا لحية بيضاء، يرتدي ثوباً بسيطاً، وعيناه تعكسان حكمة السنوات.
دخل مهيب حاملاً نجم الدين بحذر شديد، يتبعه صخر والأمير معتصم. وضعوا نجم الدين على سرير في زاوية الغرفة، وكان وجهه شاحباً من شدة النزيف.
"يا طبيب، أنقذه فقد أنقذ حياتي." قال معتصم بصوت مرتجف.
أسرع الطبيب حامد لفحص الجرح، وعيناه تبدوان جادتين. "الطعنة عميقة في خصره، قريبة من الكلية، وقد نزف كثيراً."
"هل ستتمكن من إنقاذه؟" سأل مهيب بصوت خافت.
"سأحاول، لكن الطريق الوحيد هو كي الجرح لإيقاف النزيف."
أحضر الطبيب أداة معدنية ساخنة، وبدأ في كي الجرح برعاية وخبرة. كانت رائحة اللحم المحترق تملأ الغرفة، لكن نجم الدين لم يتحرك، فقد كان في غيبوبة تامة.
بعد أن انتهى من تضميد الجرح، التفت الطبيب إلى الرجال الثلاثة. "لقد أوقفت النزيف، لكنه فقد كثير من الدم. هو الآن في غيبوبة، وقد تستمر ساعات أو أيام."
"ماذا سنفعل الآن؟" سأل صخر.
"ننتظر ونصلي وندعوا له بالشفاء. والآن أريد أن أعرف ما الذي حدث."
"دافع عني ضد قطاع الطرق، وأخذ الطعنة بدلاً مني." قال معتصم، وعيناه تفيضان بالامتنان.
نظر الطبيب إلى الأمير بإعجاب. "هذا من فعل الأبطال."
التفت مهيب إلى صخر: "يجب أن نبلغ باقي الأصدقاء. ويجب أن نعتني بياسمين."
"من هي ياسمين؟" سأل معتصم.
"أخته الصغيرة. هي كل شيء في حياته." أجاب صخر.
"كيف سنخبرها؟ إنها ستتحطم لو علمت." قال مهيب.
"هي تثق في غالب أكثر منا. دعونا نطلب من غالب أن يخبرها برفق." اقترح صخر.
"غالب الآن في الحانة مع باقي الأصدقاء. سأذهب لأخبرهم." قال مهيب.
"أما أنا سأبقى هنا إلى جانبه. لن أتركه حتى يستيقظ." قال معتصم بحزم.
"ولكنك أمير، وعليك واجبات ياسيدي." قال الطبيب.
"لن تكون هناك واجبات أهم من بقائي بجانب من أنقذ حياتي." رد معتصم.
غادر مهيب ليبلغ الآخرين، بينما جلس معتصم على كرسي بجانب السرير، ممسكاً بيد نجم الدين الباردة. كان الأمير الشاب يشعر بمسؤولية كبيرة تجاه هذا الرجل الذي ضحى بنفسه من أجله، وكان يعاهد نفسه على أن يكون أهلاً لهذه التضحية.
في الخارج، كانت النجوم تتلألأ في السماء، كأنها تراقب هذه اللحظة الإنسانية التي تجمع بين أمير وبحار، وتثبت أن الشجاعة والإنسانية لا تعرفان حدود الطبقات الاجتماعية.
الأخبار الصادمة:
في حانة النورس، على طاولة كبيرة في الركن، جلس غالب وبراء وقاسم وظافر ورماح وجاد، يتناقشون في شؤون السفينة ويخططون لرحلتهم القادمة. كان الجو مرحاً، تملؤه الضحكات والأحاديث المتناثرة.
"أين نجم الدين؟ لم يتأخر علينا هكذا من قبل." قال براء.
"ربما انشغل بشؤون أخته ياسمين." رد غالب.
في تلك اللحظة، دخل صخر إلى الحانة مسرعاً، وجهه شاحب وعيناه تعكسان القلق. توقف أمام الطاولة، وتنفس بعمق.
"ما الخبر يا صخر؟ لماذا أنت بهذه الحالة؟" سأل قاسم.
"مصيبة يارفاق! لقد أصيب نجم الدين!"
ساد صمت مطبق على الطاولة. ثم قال ظافر: "ماذا تقول؟ كيف أصيب؟"
"كنا في طريقنا إلى المرسى، فوجدنا مجموعة من اللصوص يهاجمون رجلاً. تدخل نجم الدين لإنقاذه، وأخذ طعنة بدلاً من ذلك الرجل."
"أين هو الآن؟" سأل جاد بسرعة.
"في بيت الطبيب حامد. لقد كوى الجرح، لكن نجم الدين في غيبوبة بسبب شدة النزيف."
قام الجميع على أقدامهم في لحظة واحدة. قال رماح: "يجب أن نذهب إليه الآن!"
"انتظروا!" قال صخر. "هناك شيء آخر. لقد نسينا أمر ياسمين. كيف نخبرها؟"
التفت الجميع إلى غالب. قال براء: "غالب، أنت الأقرب إليها بعد نجم الدين فهي تعتبرك أخيها الثاني. يجب أن تكون أنت من يخبرها."
"نعم، هي تثق بك كثيراً." أضاف قاسم.
همّ غالب بالخروج فوراً، لكن جاد أوقفه: "يجب أن ننظم الأمر. بعضنا يذهب إلى الطبيب، والبعض الآخر يهتم بياسمين."
"أنا وغالب سنذهب إلى ياسمين." قال براء.
"وأنا سأذهب إلى بيت الطبيب لأطمئن على نجم الدين." قال رماح.
"لا، يجب أن نذهب جميعاً إلى بيت الطبيب أولاً." اقترح ظافر. "ياسمين ستسأل عن أخيها، ويجب أن نعرف حالته أولاً قبل إخبارها."
"ظافر محق." قال صخر. "لنذهب جميعاً إلى بيت الطبيب أولاً، ثم نقرر كيف نخبر ياسمين."
انطلق الرجال السبعة من الحانة كالعاصفة، تاركين أكوابهم ونكاتهم، متحولين من بحارة مستريحين إلى رجال مسؤولين يواجهون أزمة تهدد عائلتهم الصغيرة. كانت روابط الأخوة بينهم تتجلى في هذه اللحظات الصعبة، أثبتوا أنهم أكثر من مجرد طاقم سفينة، إنهم عائلة حقيقية.
هموم التاج:
في قاعة المشورة بقصر سلطنة النجم الساطع، جلس السلطان حسان بن القاسم مع مستشاره المخلص الأمين بن صالح. كانت النوافذ المرتفعة تطل على الجبال الشاهقة، والمناظر الطبيعية الخلابة تبدو وكأنها لوحة مرسومة بأيدي فنان ماهر.
"يا أمين، لقد وصلتني تقارير مقلقة عن تحركات سلطنة الصخر الأسود. يبدو أنهم يعززون قواتهم على حدودنا الشرقية."
"نعم يا مولاي، وقد سمعت أن زعيمهم الأمير حازم بن ناصر يخطط لشن هجوم مع بداية الربيع."
"إنهم يظنوننا ضعفاء بعد تلك العواصف التي دمرت جزءاً من أسطولنا. لكنهم لا يعلمون أن الأسد الجريح لا يزال أسداً."
"ما خطتك يا صاحب الجلالة؟"
"لقد أرسلت تعزيزات إلى الحصون الحدودية، وأمرت بتسريع إصلاح السفن. لكنني قلق من أننا قد نحتاج إلى حلفاء."
"وهل هناك أفضل من تحالفنا مع سلطنة الريحان البهي؟ هذا هو الوقت المناسب لمعرفة نتائج مهمة الأمير معتصم."
تنهد السلطان حسان. "ابني معتصم لم يرسل أي أخبار منذ وصوله. هذا الصمت يقلقني."
"ربما يكون مشغولاً بالتفاوض، أو ربما يحتاج وقتاً أطول لإقناع الأميرة قمر الدين."
"أخشى أن يكون قد واجه رفضاً، وهو لا يريد إخباري بخيبة الأمل."
"الأمير معتصم فتى ذكي ورزين، وهو يعرف كيف يدير الأمور. ثق فيه يا مولاي."
"ولكن الوقت ليس في صالحنا. إذا فشل في هذه المهمة، فسنضطر لمواجهة تهديدات الصخر الأسود وحدنا."
"هناك دائماً خيارات أخرى يا مولاي. يمكننا محاولة التحالف مع سلطنة الواحات الخضراء، أو حتى إرسال هدايا ثمينة إلى زعيم الصخر الأسود لتهدئة الأوضاع."
"لا، لن أتوسل للسلام من خلال الرشاوى. وإذا كان لا بد من الحرب، فسنخوضها بشرف."
"ربما نحتاج إلى إرسال رسول إلى سلطنة الريحان البهي للاستفسار عن الأمير معتصم."
"ليس بعد، دعنا نمنحه بضعة أيام. أريد أن أثق في قدرة ابني على إدارة هذه المهمة."
"كما تأمر يا مولاي. لكن اسمح لي أن أقول إن سلطنتنا ستظل قوية بقيادتك، سواء تحقق هذا التحالف أم لا."
"شكراً لك يا أمين. لكنني كأب، أتمنى أن ينجح معتصم ليس لأجل السلطنة فقط، بل لأجله هو أيضاً. أريد أن أراه سعيداً في حياته الشخصية."
"الأمير معتصم سيصبح حاكماً عظيماً مثلك، وسيجد طريقه نحو السعادة. ثق في حكمة الله وتدبيره."
غادر المستشار الأمين القاعة، تاركاً السلطان حسان لوحده مع أفكاره المتصارعة. كان السلطان العجوز يشعر بثقل التاج على رأسه، وثقل الأبوة في قلبه، متسائلاً أيها سيكون أثقل في الأيام القادمة.
صينية الطعام:
أمام باب جناح الأميرة قمر الدين، وقف الخادم غسان حاملاً صينية الطعام، وقد بدا عليه القلق والحيرة. كان قد طرق الباب مراراً دون رد.
"يا مولاتي، الطعام سيبرد. أفتحي الباب ولو للحظة أرجوكي."
من داخل الجناح، جاء رد الأميرة بصوت حزين: "لا أريد طعاماً. اذهب ياغسان."
حاول غسان مرة أخرى: "لكنك لم تأكلي منذ الصباح. هذا ليس جيداً لصحتك."
"لا أبالي!"
في تلك اللحظة، وصل السلطان فخر بن المنصور، فرأى غسان واقفاً بالصينية، فسأله: "ما الأمر؟"
"الأميرة ترفض فتح الباب يا مولاي، وترفض تناول الطعام."
تنهد السلطان بحزن، ثم نظر حوله فرأى مرجانة تتسلل بعيداً في الممر. "مرجانة! تعالي الى هنا!"
أسرعت مرجانة محاولة الهرب، لكن السلطان ناديها مرة أخرى: "قولت لكِ تعالي!"
عادت مرجانة بخطى بطيئة، وعيناها تتطلعان إلى الأرض. "نعم يا مولاي؟"
"لماذا تهربين؟"
"كنت... أذهب لشراء حلوى!"
"حلوى؟ وأنت تعلمين أن سيدتك ترفض الطعام؟"
"بالضبط يا مولاي! لأنها ترفض الطعام، فسيكون هناك طعام زائد، وسأكون أنا من يأكله!"
ضرب السلطان جبينه بكفه، ثم قال: "اسمعي يا مرجانة، يجب أن تقنعي الأميرة بالأكل."
"ولكنها لا تريد أن تأكل يا مولاي! ماذا أفعل؟"
"أعرف أنك ستجدين طريقة. إذا أقنعتها بالأكل، فسأهديك صندوقاً من أفضل الحلويات."
توهجت عينا مرجانة: "حقاً؟"
"أعدك."
أخذت مرجانة الصينية من غسان بسرعة مذهلة، ثم التفتت إلى السلطان وقالت بثقة: "اتركوا الأمر لي! فأنا خبيرة في مثل هذه الأمور."
انصرف السلطان وغسان، بينما وقفت مرجانة أمام الباب وبدأت تطرقه بحماس.
"يا سيدتي! افتحي الباب! لدي شيء مهم!"
من الداخل، جاء صوت الأميرة الضعيف: "أتركيني وحدي."
"لا يمكنني! فهناك كعكة بالعسل لا يمكن مقاومتها!"
"لا أريد كعكة!"
"ولكن الكعكة تحتاج إليك! إنها تنتظر من يأكلها!"
ساد صمت للحظة، ثم فتحت قمر الدين الباب ببطء. كانت عيناها محمرتين من البكاء.
"ما هذه المزاحات السخيفة؟"
دخلت مرجانة حاملة الصينية، ووضعتها على الطاولة. "ليست مزاحات يا سيدتي. انظري إلى هذا الطعام الشهي! إذا لم تأكليه، فسأضطر لأكله أنا، وسأصبح أكثر بدانة!"
لم تستطع قمر الدين كتم ابتسامة خفيفة. "أنتِ لا تهتمين إلا بطعامك."
"بل أهتم بكِ! ولا يمكنني رؤيتك جائعة. جربي هذه اللقمة على الأقل."
أخذت مرجانة قطعة من الخبز وغمسها في اليخنة، وقدمتها لقمر الدين. ترددت الأميرة قليلاً، ثم قبلت أن تأكل.
"أنتِ محقة، يجب أن آكل. لا فائدة من إيذاء نفسي."
"بالضبط! والمهم أن السلطان وعدني بصندوق حلوى إذا أقنعتك بالأكل!"
ضحكت قمر الدين حقاً هذه المرة. "إذاً كان هذا هو الدافع الحقيقي!"
"بالطبع! لكنني أهتم بصحتك أيضاً... وبالحلوى!"
بدأت قمر الدين تتناول الطعام ببطء، بينما كانت مرجانة تجلس مقابلها، تتحدث عنها وعن غالب بطريقة مضحكة لتسلية سيدتها.
"أتعلمين؟ غالب قال لي إنني لو أصبحت أكثر بدانة، فسيحبني أكثر، لأن ذلك يعني أن هناك المزيد مني ليحبها!"
ضحكتا معاً، ولو للحظة، نسيت قمر الدين همها، بينما كانت مرجانة تشعر بالفرح لأنها استطاعت إدخال بعض البهجة إلى قلب صديقتها الحزينة.
في مواجهة الحقيقة:
في البيت الخشبي المتواضع عند حافة الميناء، جلست ياسمين على حصيرها البسيط، تنتظر عودة أخيها بقلق بالغ. كانت عيناها الزمرديتان تفيضان بالدموع، ويديها الصغيرتان ترتجفان.
"لماذا تأخر أخي إلى هذا الوقت؟ إنه غير معتاد على ذلك."
جلست أم محمد بجانبها تحاول تهدئتها: "لا تقلقي يا بنتي، فلعله انشغل ببعض أعمال السفينة. ربما كان هناك بضائع تحتاج إلى فحص دقيق."
"لكنه كان سيخبرني! إنه دائماً يخبرني إذا تأخر."
"ربما نسي في زحمة العمل. الرجال ينسون أحياناً."
بينما كانت ياسمين تحاول تصديق هذه المبررات، دق الباب بقوة. أسرعت لتضع حجابها وتفتح الباب، لتجد غالب وبراء واقفين على العتبة.
"غالب! براء! أين أخي؟"
تبادل الرجلان نظرة حزينة، ثم قال غالب بصوت هادئ: "ياسمين، اجلسي أولاً."
"لا! أخبراني ماذا حدث له؟"
أخذ براء يتحدث برفق: "لقد تعرض نجم الدين لإصابة، لكنه الآن بخير."
"إصابة؟! ما الذي حدث؟ أهي خطيرة؟"
"لقد دافع عن رجل كان يتعرض للسرقة، وأصيب خلال الشجار. لكن الطبيب عالجه وهو الآن في حالة مستقرة."
انهارت ياسمين في البكاء، فحاولت أم محمد احتضانها.
"لا تبكي يا بنتي، فالحمد لله أنه بخير."
"أريد أن أراه! خذوني إليه الآن!"
قال غالب: "بالطبع سنأخذك إليه. لكن يجب أن تهدئي نفسك أولاً، فهو يحتاج إلى رؤيتك قوية."
دخلت ياسمين إلى غرفتها بسرعة، وارتدت عباءتها، ثم أخرجت مصحفاً صغيراً من صندوقها الثمين. التفتت إلى غالب وبراء: "أنا مستعدة."
في طريقهم إلى بيت الطبيب، كانت ياسمين تتمتم بالدعاء، ممسكة بالمصحف بقوة كأنه حبل النجاة. كانت دموعها لا تتوقف، لكن إيمانها كان أقوى من خوفها.
"أخي هو كل ما أملك في هذه الدنيا. إنه الأب والأم والأخ والصديق."
قال براء: "إنه بطل يا ياسمين. لقد أنقذ حياة الرجل بكرمه وشجاعته."
"ولكن من سينقذني إذا فقدته؟"
أجاب غالب: "لن نخسره إن شاء الله. الطبيب ماهر، ونجم الدين قوي."
عندما اقتربوا من بيت الطبيب، توقفت ياسمين للحظة، ثم رفعت يديها إلى السماء: "اللهم اشفه شفاءً لا يغادر سقماً. اللهم احفظه لي بحفظك يارحيم."
دخلت ياسمين البيت وهي تحمل في قلبها أمل المؤمنين، وفي عينيها دموع المحبين، تثبت أن قوة الإيمان يمكنها أن تخترق حجب اليأس، وأن الحب الأخوي يمكنه أن يتحدى حتى أقوى الصعاب.