الفصل الثالث: رحلة المصير
وداع عند الفجر:
بعد أسبوع من الصمت والترقب في سلطنة النجم الساطع، بدأت الاستعدادات للرحلة الجنوبية تملأ ساحات القصر مع بزوغ أولى خيوط الفجر. كان الأمير معتصم واقفاً في فناء القصر الرئيسي، يراقب بحزم ترتيب موكبه الذي يتألف من حراس شخصيين وخيول محملة بالهدايا الثمينة.
دخل السلطان حسان بن القاسم الفناء بخطى متثاقلة، تعلو محياه علامات الفخر. تقدم نحو ابنه واضعاً يده على كتفه.
"يا بني، ها قد حان وقت الرحيل. هل أنت مستعد لمواجهة مصيرك؟"
"مستعد يا أبي، وقد هيئت كل ما يلزم للرحلة. الهدايا مختارة بعناية، والحراس من خيرة رجالي."
"لا تنسى أنك تحمل معك شرف سلطنتنا، لكن لا تدع الكبرياء يطغى على الحكمة."
"لن أنسى نصيحتك يا أبي. سأذهب كإنسان قبل أن أذهب كأمير."
نظر السلطان إلى الهدايا المعروضة: صناديق من العطور النادرة، وسجاد من أفخر الأنواع، ومجوهرات تليق بأميرة. ثم قال:
"الهدايا جميلة، لكن تذكر أن أفضل هدية يمكن أن تقدمها هي الاحترام والتفهم."
"لقد تعلمت منك يا أبي أن القلوب لا تفتح بالذهب، بل بالصدق والإخلاص."
اقترب الحرس الأول وأعلن: "يا مولاي، كل شيء جاهز للرحيل. الخيول مستعدة والإمدادات كافية حتى وصولنا إلى سلطنة الريحان البهي."
التفت معتصم إلى والده للمرة الأخيرة: "ادعُ لي يا أبي. أدعو الله أن يوفقني في هذه المهمة، ليس لأجل نفسي فقط، بل لأجل مستقبل سلطنتينا."
رفع السلطان حسان يديه نحو السماء: "اللهم احفظ ابني في ظلال رحمتك، وارزقه التوفيق في رحلته، واجعل هذه الخطوة خيراً له ولشعبينا."
ثم خفض يديه ونظر إلى معتصم بعينين تفيضان حناناً: "اذهب يا بني، وعد إلينا سالماً، راضياً بما قسمه الله لك."
ركب معتصم حصانه الأبيض، وأعطى إشارة الانطلاق. بدأ الموكب بالتحرك ببطء عبر البوابة الرئيسية للقصر، بينما كان والده واقفاً يتابعه حتى اختفى آخر فارس في الضباب الصباحي.
كان الفجر يشرق على سلطنة النجم الساطع، حاملاً معه وعوداً بمستقبل مجهول، وأملاً في قلب أمير شاب قد يغير مصير مملكتين.
فلذة الكبد:
مع انبلاج فجر جديد، انتهى نجم الدين وأخته ياسمين من صلاة الفجر، وجلسا إلى مائدة إفطار بسيطة في زاوية البيت الخشبي. كانت رائحة الخبز الطازج والشاي الساخن تعبق في المكان، بينما تتدفق أشعة الشمس الدافئة من النافذة الصغيرة.
"أخي، لقد صنعتُ لكَ الجبنة التي تحبها مع الزعتر الطازج."
"شكراً لكِ يا ياسمين، أنتِ طاهية ماهرة، وأخلاقكِ أجمل من طعامكِ."
تناولَا طعامَهما في صمتٍ محبب، ثم شرعت ياسمين في جمع الصحون، لكنها ترددت قليلاً قبل أن تتحدث.
"أخي، أستأذنكَ اليوم للذهاب إلى السوق."
"إلى السوق؟ وماذا تريدين من السوق؟"
"أحتاج بعض الأوراق والأحبار، وأريد أن أشتري كتاباً جديداً في علم الحساب. وعدني المعلم بأنه سيأتي بكتابٍ نادر من رحلته الأخيرة."
نظر نجم الدين إلى أخته بعينين حانيتين، ثم أخرج كيساً صغيراً من نقوده.
"خذي هذا، لكن لا تتأخري في العودة. وأريدكِ أن تذهبي مع جارتنا أم محمد، لا أن تذهبي وحدكِ."
"لكنني لستُ طفلةً يا أخي! أستطيع الاعتماد على نفسي."
"أعلم أنكِ لستِ طفلة، لكن العالم خارج هذه الجدران يحمل مخاطر كثيرة. أنتِ فلذة كبدي، وحمايتكِ أهم ما في حياتي."
"حسناً يا أخي، سأذهب مع جارتنا. وأعدكَ بأن أعود قبل صلاة الظهر."
"وانتبهي للشمس، ولا تحملي أشياءَ ثقيلة، وإذا احتجتِ للمزيد من النقود فسأعطيكِ المزيد."
"أنت كريمٌ جداً معي، وأعلم أنك تعمل بجدٍ لتوفير كل ما أحتاجه."
"أنتِ تستحقين أكثر من هذا يا ياسمين. اذهبي الآن، وليحمكِ الله في ذهابك وإيابك."
قامت ياسمين ولفت على رأسها حجابها الأزرق، ثم التفتت إلى أخيها مبتسمة.
"لا تقلق عليَّ، فأنت علمتني كيف أكون حذرة."
"أعلم ذلك، لكن قلبي لن يهدأ حتى أراكِ عائدة إلى البيت."
غادرت ياسمين البيت وهي تلوح بيدها، بينما وقف نجم الدين على العتبة يتابعها بعينين تشعان بالحب والخوف، حتى اختفت في زقاق السوق. ثم عاد إلى البيت وهو يتمتم: "اللهم احفظها بعينك التي لا تنام، وارزقها من الخير أكثر مما تتمنى."
أحلام وخيوط عنكبوت:
في حديقة القصر، حيث تتمايل الأزهار بألوانها الزاهية، وتتسلل أشعة الشمس عبر أوراق الأشجار الكثيفة، جلست قمر الدين على مقعد حجري تحت شجرة ليمون كبيرة. كانت عيناها السوداوان تنظران إلى البعيد بشرود، وكأنها تبحث عن شيء مفقود أو شخص غائب.
"ما هذا الشرود الذي أراه في عينيكِ يا سيدتي؟"
دخلت مرجانة الحديقة وهي تحمل طبقاً من الحلويات، ووجهها يعلوه ابتسامة عريضة كما العادة.
"لا شيء يا مرجانة، إنها مجرد لحظات صمت."
"لحظات صمت؟ لكنني أراكِ كمن فقد درهماً ووجد ديناراً! أخبريني، أتفكرين في ذلك الفتى الشجاع الذي أنقذكِ في السوق؟"
احمرّ وجه قمر الدين، وأدارت رأسها بعيداً محاولة إخفاء مشاعرها.
"لا تقولي هراءً! إنه مجرد رجل فعل ما يجب أن يفعله أي إنسان شريف."
"أي إنسان شريف؟ يا سيدتي، لقد وضع سيفه على رقبة التاجر من أجلكِ! هذا ليس شيئاً عادياً!"
جلست مرجانة بجانب سيدتها، وبدأت تتناول حلوى من الطبق بينما تتحدث.
"هل تعرفينه؟" سألت قمر الدين بصوت خافت.
"لا أعرفه، لكن غالب يعرفه. يقول إنه نجم الدين بن راشد، قبطان سفينة مشهور، ورجل شجاع وكريم."
"نجم الدين... اسم جميل يليق به."
"أرأيتِ؟ أعترفتِ بأنه جميل!"
"لم أعترف بشيء! فقط قلت إن اسمه جميل."
كانت قمر الدين تحاول إخفاء اهتمامها، لكن عينيها كانتا تفضحانها.
"على أي حال، لدي خبر سيء قد يفسد يومك."
"ما هو؟"
"وصل الأمير معتصم إلى السلطنة، وهو الآن في قاعة الضيافة مع والدك."
سقطت تعابير الحلم من وجه قمر الدين، وحل محلها القلق والانزعاج.
"لا تقلقي يا سيدتي، فالأمير معتصم قد يكون أفضل مما تتصورين. وغالب أخبرني أنه رجل نبيل وشجاع."
"ولكنني لا أريده يا مرجانة! لا أريد أن أتزوج من شخص لا أعرفه، ولا أحبه."
"من قال إنكِ لن تعرفيه؟ من قال إنكِ لن تحبيه؟ ربما يكون وسيماً كالقمر، وطيباً كالعسل!"
"أو ربما يكون مغروراً كالطاووس، ومتغطرساً كالنمر!"
ضحكت مرجانة وقالت: "على الأقل انتظري حتى ترينه قبل أن تحكمي عليه!"
"الحكم مسبق في قلبي. أريد حرية اختيار من أحب، لا أن أكون صفقة بين سلطنتين."
قامت قمر الدين واتجهت نحو النافورة، حيث كانت قطرات الماء تتناثر في الهواء كاللآلئ.
"لا تسمحي لهم بسرقة أحلامكِ يا سيدتي. فالحياة مثل هذه النافورة، قد تبدو راكدة أحياناً، لكنها دائمة الحركة والتجدد."
التفتت قمر الدين إلى مرجانة مبتسمة: "شكراً لكِ يا صديقتي. أنتِ كالشمس التي تشرق في أيامي الغائمة."
"وهذا لأنني آكل جيداً! الحلوى تجعل القلب سعيداً! هاك تناولي قطعة من هذه الحلويات اللذيذة."
أخذت قمر الدين قطعة حلوى، وبدأتا تأكلان وتضحكان، وكأنهما تحاولان بإضحاكهما أن تطردا سحب القلق التي تجمعت في الأفق.
موائد السياسة:
في قاعة الضيافة الفاخرة بقصر سلطنة الريحان البهي، حيث الجدران المنقوشة بماء الذهب ، والأرضية مرصعة بالرخام الأبيض المنقوش، جلس السلطان فخر بن المنصور على كرسي العرش المُزخرف، وفي المقابل جلس الأمير معتصم بن حسان على كرسي أقل ارتفاعاً لكنه لا يقل فخامة.
"نشكركم على حسن الضيافة يا صاحب الجلالة، وقصركم يليق باسم الريحان البهي حقاً."
"مرحباً بك في سلطنتنا يا أميرنا الكريم، ونسأل الله أن تكون رحلتكم قد مرت بسلام."
تبادل الرجلان المجاملات الرسمية بينما كان الخدم يقدمون أطباق الفاكهة الطازجة وكؤوس العصير البارد. ثم بدأ معتصم الحديث في صلب الموضوع.
"يا مولاي، لقد أرسلتُ قبل أسابيع طلباً للزواج من كريمتكم الأميرة قمر الدين، ولم يأتنا ردٌ حتى الآن."
تناول السلطان فخر كوب الشراب ببطء، محاولاً كسب وقت للتفكير.
"الموضوع يحتاج إلى ترتيبات معينة يا أمير معتصم، فابنتي غالية وعزيزة، وأريد أن تكون سعيدة في حياتها الجديدة."
"وأنا كذلك أريدها سعيدة يا صاحب الجلالة. ولستُ هنا لفرض الأمر، بل لمعرفة رأيها ورأيكم."
"هي... موافقة في النهاية، لكن الفتيات يحتجن إلى وقت للاستعداد لمثل هذه الخطوة الكبيرة."
لم يقتنع معتصم تماماً بهذا التبرير، لكنه فضل عدم المواجهة المباشرة.
"لقد أحضرت معي هدايا تليق بمقام الأميرة ومقامكم."
أومأ معتصم بيده، فدخل الحراس يحملون صناديق من الخشب النادر والمعدن الثمين. صندوق من العطور النادرة، وآخر من المجوهرات المرصعة بالجواهر، وثالث يحمل سجاد فاخر.
"هدايا تليق بجمال الأميرة وعراقة أسرتها."
"شكراً لك يا أميرنا الكريم، وإنني أقدر هذه اللفظة الكريمة."
"وهناك هدية خاصة لكم يا مولاي - خيول عربية أصيلة من أفضل السلالات، ستضيف قوة لجيشكم."
"هذا كرمٌ كبير... حقاً إنكم تثبتون أنكم أهل للثقة والاحترام."
"وأنتم أهل للتحالف والمصاهرة يا صاحب الجلالة. فأنا لا أطلب يد الأميرة لمجرد الجمال، بل لأوحد بين سلطنتينا في وجه الأخطار المحدقة بنا جميعاً."
كان السلطان فخر يشعر بالحرج، فهو يعرف أن ابنته ترفض هذا الزواج، لكنه لا يستطيع أن يخيب ظن الأمير الشاب الذي أظهر كل هذا الاحترام والكرم.
"دعنا نستمتع بضيافتك هذه الأيام، ونتحدث في الأمور بروية وحكمة."
"كما تريدون يا مولاي. فأنا مستعد للانتظار ما دام ذلك في مصلحة الأميرة قمر الدين."
ثم أضاف معتصم مبتسماً: "ولكي أتعرف أكثر على سلطنتكم الجميلة، أود أن أخرج في جولة في أنحاء السلطنة، أتأمل جمالها وأتعرف على شعبها."
"حسناً يا أمير معتصم، سأصطحبك بنفسي في جولة..."
"لا داعي يا صاحب الجلالة" قاطع معتصم بلطف. "أود أن أتجول بمفردي، دون حراسة أو خدم. أريد أن أرى السلطنة بعيون الناس البسيطة، لا بعيون الأمير المحروس."
"لكن هذا قد يكون خطراً على سلامتك!"
"لا تخف عليّ يا مولاي، فالله خير حافظاً. أريد أن أتنفس حرية أراضيكم، وأعيش كما يعيش أهلها، ولو ليوم واحد."
أدرك السلطان أن إصرار الأمير على التجول وحده قد يكون فرصة لابنته كي تراه في هيئته الطبيعية، فربما يغير ذلك من رأيها فيه.
"كما تريد يا بني، فليكن ما تريد. ولكن عدني بأن تعود إلى القصر قبل غروب الشمس."
"أعدكم بذلك يا مولاي. سأكون عصراً في القصر."
غادر معتصم القاعة مبتسماً، تاركاً السلطان فخر في حيرة من أمره، متسائلاً إن كانت هذه الجولة ستكون سبباً في تقريب القلوب، أم أنها ستزيد الأمور تعقيداً.
لقاء غير متوقع:
في سوق السلطنة النابض بالحياة، حيث تتدافع الأصوات والروائح في تناغم حيوي، كانت ياسمين تتجول برفقة جارتها أم محمد. كانت الفتاة تحمل سلة من القش وتنتقل بين البسطات ببراءة وفضول، تتفقد البضائع بتلك العينين الزمرديتين اللامعتين.
"انظري يا أم محمد، هذه الألوان الجميلة! ألا تظنينها ستكون رائعة للرسم؟"
"بالفعل يا ابنتي، لكن دعينا نتفق على السعر أولاً."
كانت ياسمين تتفاوض مع التاجر بذكاء وبساطة، مبتسمةً بطريقة تذيب قلوب من حولها. وبعد أن اشترت ما تحتاجه من ألوان وأوراق، انصرفت مع جارتها وهي سعيدة بما حصلت عليه.
وفي زحام السوق، وبينما كانت تلتفت لتنادي أم محمد، اصطدمت بشاب وسيم يقف أمام إحدى البسطات، فسقطت سلتها وتناثرت محتوياتها على الأرض.
"آه! أنا آسفة جداً! لم أنتبه حيث كنت أسير!"
انحنى الشاب مبتسماً وهو يلمح ما سقط من ألوان وأوراق.
"لا بأس يا آنستي، أنا أيضاً لم أكن منتبهاً. دعيني أساعدك في جمع حاجياتك."
"شكراً لك، أنت لطيف جداً."
كان الشاب - هو الأمير معتصم في ثياب بسيطة - ينظر إلى ياسمين بإعجاب خفي. تلك العينان الزمرديتان، وتلك البراءة في صوتها، وذلك التواضع في تصرفها، كلها أمور أثارت اهتمامه.
"إنكِ تشترين مواد للرسم؟ أأنتِ فنانة؟"
"أحب الرسم قليلاً، لكنني لست فنانة محترفة. إنها مجرد هواية."
"أحياناً تكون الهواية أجمل من الاحتراف، لأنها تنبع من القلب."
شعرت ياسمين بدفء في صوت هذا الشاب الغريب، لكنها حافظت على حشمتها وأدبها.
"شكراً لك على مساعدتك، لا أعرف كيف أشكرك."
"لا داعي للشكر، فمساعدتك كانت شرفاً لي."
التقطت ياسمين سلتها وهي تنظر إليه بفضول خجول. "أراك غريباً عن مدينتنا، أأنت زائر؟"
"نعم، أنا زائر أتيت لأتعرف على جمال هذه السلطنة وشعبها الطيب."
"إذن أهلاً وسهلاً بك. ستجد في سلطنتنا كل ما يسر الخاطر."
تبادلا نظرة ودودة قبل أن تنصرف ياسمين مع جارتها، تاركة الأمير معتصم واقفاً يتأملها وهي تبتعد، وكأنه رأى في عينيها الزمرديتين نبضاً من الحياة لم يجده في قصوره وثرائه. ولم تكن ياسمين تعلم أن ذلك الشاب الوسيم الذي ساعدها بتواضع هو الأمير الذي جاء لخطبة أميرة السلطنة، كما لم يكن معتصم يعلم أن تلك الفتاة المتواضعة الجميلة هي أخت الرجل الذي قد يغير مصير خطته كلها.
دماء وصداقة:
بينما كان الأمير معتصم يسير في الأزقة الضيقة بالقرب من سوق السلطنة، غارقاً في أفكاره عن تلك الفتاة ذات العينين الزمرديتين التي أثارت إعجابه، لم ينتبه إلى الظلال الخبيثة التي تتربص به من زقاق مظلم. فجأة، خرج خمسة رجال بأوجه قاسية وملابس رثة، يحملون سيوفاً قصيرة وخناجر.
"توقف أيها الغني! أخرج نقودك وكل شيء معك!"
وقف معتصم في شجاعة، ممسكاً بسيفه الذي أخفاه تحت ردائه. "اذهبوا في سبيلكم ولا تتعرضوا لي، فلن تحصلوا على شيء."
ضحك زعيم اللصوص بسخرية. "كلمات شجاعة من رجل يقف وحيداً!"
قبل أن يهجم اللصوص، سمعوا صوتاً قوياً من خلفهم. "إنه ليس وحيداً!"
كان نجم الدين يقف بشموخ، وإلى جانبه العملاق مهيب الذي بدا كجبل شامخ، وصخر الذي كانت عضلاته الحديدية تتوتر استعداداً للقتال.
قال نجم الدين بصوته الهادئ الحازم: "اتركوا الرجل وشأنه، فهذه أرض الله ولا نسمح للظلم فيها."
رد زعيم اللصوص: "لا تتدخلوا في ما لا يعنيكم، فهذا ليس من شأنكم!"
أجاب نجم الدين: "ظلم الإنسان لأخيه الإنسان شأن كل مؤمن."
اندلعت المعركة فوراً. كان مهيب كالأسد يصد المهاجمين بضربات سيفه القوية، بينما صخر كان كالحصن المتين يحمي ظهور رفاقه. وقاتل معتصم ببراعة تدل على خبرة في فنون القتال.
خلال المعركة، قال معتصم لنجم الدين: "شكراً لك أيها الشاب، لم يكن عليك ذلك."
رد نجم الدين وهو يصد هجوماً: "نتخلص منهم اولاً ثم اشكرني كما تريد."
كانت الحركات متناسقة بين الرجال الأربعة وكأنهم تدربوا معاً لسنين. لكن فجأة، تسلل أحد اللصوص من الخلف وهمّ بطعن معتصم في ظهره. رأى نجم الدين الحركة بسرعة البرق، فدفع معتصم بعيداً وتلقى الطعنة مكانه في خاصرته.
"آه!" سقط نجم الدين على ركبتيه، بينما تدفق الدم من جرحه العميق.
"لا!" صرخ معتصم بحدة.
هجم مهيب وصخر كالبركان الثائر، مما جعل اللصوص يفرون مذعورين تاركين وراءهم زعيمهم جريحاً.
ركع معتصم بجانب نجم الدين، واضعاً يده على الجرح النازف. "لماذا فعلت هذا؟ كنت تستطيع تركهم يقتلونني!"
فتح نجم الدين عينيه بصعوبة، وقال بضعف: "الإخوة في الله لا يحتاجون إلى معرفة... الدفاع عن المظلوم فرض... والموت في سبيل الحق شهادة."
"لا تتحدث عن الموت! سننقذك بأي طريقة. فقط أخبرني ما اسمك أيها البطل؟"
"نجم... نجم الدين بن راشد."
صدم معتصم عندما سمع الاسم، فهو يعرفه كمغامر مشهور، لكنه لم يره من قبل.
"وأنا معتصم بن حسان، أمير سلطنة النجم الساطع."
ابتسم نجم الدين ضاحكاً متألماً: "إذاً... لقد أنقذت أميراً... دون أن أدري."
"لا تتحدث، يجب أن نوقف النزيف!"
"لا تهتم بي... حمداً لله أنك بخير أيها الامير..."
فقد نجم الدين وعيه بعد هذه الكلمات، بينما كان معتصم يحمل رأسه في حِضنه، ممتناً للرجل الذي ضحى بنفسه من أجل غريب لم يعرفه من قبل. كانت دماء نجم الدين تلوث ثياب الأمير، لكنها في نفس الوقت كانت تبني جسراً من الصداقة والإخلاص بين رجلين من عالمين مختلفين.
قال مهيب بصوت مرتجف: "علينا نقله إلى الطبيب فوراً!"
أسرع صخر ليجلب المساعدة، بينما كان مهيب يحمل نجم الدين برفق، ومعتصم يسير بجانبهما، عيناه لا تفارقان وجه المنقذ الذي أصبح أخاً له في لحظة واحدة.