الفصل الثاني: الريحان والنجم
النصيحة والمشورة:
في قاعة العرش الواسعة بسلطنة الريحان البهي، حيث تزين الجدران المنقوشة بماء الذهب، والسقف المرتفع يحمل نقوشات فنية فخمة، جلس السلطان فخر بن المنصور على عرشه المصنوع من خشب الأبنوس المطعم بالعاج، وكانت تبدو على محياه علامات القلق والتعب.
إلى جانبه وقف المستشار جابر بن زهير، يرتدي رداءً بسيطاً من الصوف الأبيض، وحول معصمه مسبحة من العقيق.
"جابر، لقد باتت قمر الدين تتهرب مني كالظل، كلما تحدثت معها عن زواجها من الأمير معتصم، أغلقت باب الحوار وتركت المكان."
"إنها في سن الأحلام يا مولاي، والفتيات في مثل عمرها يحلمن بالحب والرومانسية."
"وأنا لا ألومها يا صديقي، لكني كسلطان لا أنظر بعين القلب فقط، بل بعين العقل أيضاً. هذا الزواج سيحمي سلطنتنا من الأخطار المحدقة، وسيوحد القوى بين الريحان البهي والنجم الساطع."
"فهمت يا مولاي، لكن هل فكرت في تعزيز هذا التحالف بقوة إضافية تردع أي تفكير في العدوان من السلطنات المعادية؟"
"وما تلك القوة يا جابر؟"
"سمعت يا مولاي عن سيف أسطوري يقال إنه يمنح قوة لا تقهر لمن يحمله. لو حصلنا على هذا السيف بالإضافة إلى تحالف الزواج، لأصبحت سلطنتنا منيعة لا يقوى عليها أحد."
"خرافات وأساطير يا جابر، كم من رحلة انطلقت بحثاً عن ذلك السيف ولم تعد!"
"ولكن يا مولاي، ما الضير في المحاولة؟ وجود السيف مع تحالف الزواج سيجعلنا القوة العظمى في المنطقة، وسيردع الأعداء قبل حتى أن يفكروا في مهاجمتنا."
"ومن سيبحث عن هذا السيف؟ إنها رحلة محفوفة بالمخاطر، وقد تودي بحياة من يخوضها."
"أعرف قبطان شاب يدعى نجم الدين بن راشد، رجل شجاع وحكيم، يقود طاقماً من أمهر البحارة، وقد خاضوا غمار البحار وعرفوا طرقها."
"نجم الدين بن راشد؟"
"نعم يا مولاي، إنه الآن راسٍ في مينائنا، ورجاله معروفون بالشجاعة والإخلاص."
"ولكن كيف نضمن نجاحه في هذه المهمة المستحيلة؟"
"لا نضمن يا مولاي، لكننا نأمل. والأمل خير من اليأس. فإذا نجحنا في الحصول على السيف الأسطوري، فسيوفر لنا قوة ردعية هائلة تدعم تحالفنا مع النجم الساطع وتحمي سلطنتنا لأجيال قادمة."
"صديقي جابر، كلامك يحمل حكمة، لكن قلبي كأب يخاف على ابنته، وكسلطان يخاف على شعبه."
"أحياناً يا مولاي، تكون المخاطرة المحسوبة هي الطريق الوحيد للأمان."
"إذاً فليكن، ادعُ لي هذا القبطان نجم الدين، ولنرى إن كان أهلاً لهذه المهمة."
"سمعاً وطاعة يا مولاي."
غادر جابر بن زهير قاعة العرش، تاركاً السلطان فخر بن المنصور في صراع بين الأب الذي يريد سعادة ابنته، والسلطان الذي يريد حماية مملكته.
خطوات نحو السوق:
في جناح الأميرة قمر الدين، وقفت الأميرة الشابة أمام مرآتها الفضية تتأمل نفسها وهي ترتدي ثوباً بسيطاً من القطن الأبيض، وتلف على رأسها حجاباً رمادياً يخفي شعرها الجميل. إلى جانبها وقفت مرجانة ترتدي ثوباً مماثلاً، لكن عينيها تعكسان الخوف والتردد.
"يا سيدتي، ألا تخافين لا قدر الله يكتشف السلطان أمرنا؟"
"لا تخافي يا مرجانة، فوالدي منشغل بشؤون السلطنة، والحراس سينشغلون بتغيير المناوبة وقت الغروب."
"ولكن ألا ترين أن هذا مخيف بعض الشيء؟ الخروج من القصر دون حراسة!"
"بالعكس يا صديقتي، هذا ما طالما حلمت به. أن أمشي في الأسواق كأي فتاة عادية، أنظر الى البضائع، أتناول طعام الشارع، أتنفس هواء الحرية."
"ولكن الناس قد يعرفونكِ!"
"من سيعرفني وأنا بهذا المظهر؟ إنها المرة الأولى التي أخرج فيها بدون حراسي الشخصيين، وبدون تلك الملابس الفاخرة التي تلفت الأنظار."
"وأين سنذهب يا مولاتي؟"
"إلى سوق النحاسين أولاً، ثم إلى سوق العطارين، وأخيراً إلى سوق الحلوين. سمعت أن هناك حلوى لذيذة يبيعها رجل من وادي الكهرمان لا تُقاوم!"
"الحلوى! هذا ما يثير حماسي!"
ضحكت قمر الدين وهي تلملم بعض القطع النقدية في كيس صغير، "أعلم أنكِ تحبين الحلوى، واعدكِ بأن نشتري كل ما لذ وطاب."
انزلقت الأميرة ووصيفتها من الباب الخلفي للجناح، متسللتين عبر الممرات الجانبية للقصر، وخرجا إلى الشارع الخلفي حيث كانت أضواء المدينة تبدأ في الظهور مع اقتراب المساء.
وفي زحام السوق، بينما كانت قمر الدين تتفرج على بضائع العطارين، اصطدمت مرجانة برجل ضخم كان يحمل صندوقاً كبيراً.
"آسفة يا سيدي، لم أنتبه!"
رفع الرجل وجهه وكان هو غالب، فانشرح وجهه وابتسم ابتسامة عريضة.
"مرجانة! ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟ ولماذا ترتدين هذه الملابس؟"
احمر وجه مرجانة خجلاً، "أنا... نحن... في جولة تسوق!"
نظر غالب إلى الصديقة التي ترافق مرجانة، لكنه لم يتعرف على الأميرة، فقال: "اهلا بكم، لكن هذا السوق ليس آمناً لفتاتين بمفردهما. دعيني أرافقكما لحمايتكما."
تبادلت قمر الدين ومرجانة نظرة مضطربة، لكن مرجانة قالت بسرعة: "شكراً لك يا غالب، لكننا بخير!"
"لا انني أصر يا عزيزتي، فالشوارع مزدحمة وقد يسيء أحد إليكما. سأكون حارسكما الشخصي لهذا المساء!"
كانت قمر الدين تتابع الموقف بصمت، وهي تدرك أن وجود هذا البحار القوي سيمكنهما من التجول بحرية أكبر، فأومأت لمرجانة بالموافقة. وهكذا انطلق الثلاثة في أزقة السوق، حيث كانت المغامرة لا تزال في بدايتها.
لقاء محفوف بالحلوى:
في سوق العطارين المزدحم، وقفت قمر الدين منشغلة بتفحص أعشاب نادرة عند أحد الباعة، بينما انسابت مرجانة بعيداً قليلاً برفقة غالب نحو ركن هاديء تحت شجرة لوز كبيرة. كانت مرجانة بجسدها الممتلئ المتناسق، ووجهها المستدير الجميل الذي تزينه خصلات قليلة من الشعر الأسود تنساب من تحت حجابها، تسير بخطى خفيفة وكأنها تطفو على سحابة من السعادة.
قال غالب وهو ينظر إليها بإعجاب: "مرجانة، عندما تمشين تتمايلين كسفينة في نهر هادئ، تملئين المكان جمالاً وبهاء."
أجابت مرجانة وهي تضحك: "بل كسفينة ثقيلة تحتاج إلى بحار قوي ليقودها!"
"سأكون أنا ذلك البحار، وسأحملك إلى شواطئ السعادة!"
"أتعرف يا غالب، يقولون إن المرأة البدينة كالقمر المكتمل، تمنح الدفء والنور!"
"وأنتِ يا سيدتي القمر، بل أنتِ كل الأقمار! وقلبكِ ممتلئ بالطيبة!"
كانت مرجانة تتنقل بين البسطات القريبة وهي تشتري بعض الحلويات، بينما غالب يتبعها كظلها، يحمل عنها أغراضها ويحميها من زحام السوق.
قالت مرجانة وهي تقدم له قطعة حلوى: "هاك يا غالب، فالحلو للحلو!"
أخذ القطعة وأكلها بنهم، ثم قال: "والله إن حلاوتك تفوق كل حلاوة!"
"أما زلت تملك هذا اللسان المعسول؟"
"بل لساني يعجز عن وصف جمالك! أنتِ كالحديقة الغناء، كل ورقة فيها زهرة، وكل زهرة فيها قصة جمال!"
كانت مرجانة تستمتع بكلامه وتضحك من غرابته، بينما كان غالب ينظر إليها بعينين لا تريان في الدنيا سواها. وبينما هما يتجولان بين البسطات، كانت قمر الدين تراقبهما من بعيد، تبتسم لبراءة هذا الحب وتصغي إلى كلامهما الممتع.
ظل غالب ومرجانة يتجولان معاً، يتبادلان أطراف الحديث والنكات، وكأن الزمان قد وقف لهما في هذه اللحظات الجميلة. وكانت مرجانة تشعر أنها مع غالب ليست الخادمة البدينة، بل هي أميرة في عين فارسها.
السيف والعدالة:
تحت ضوء القمر المتوسط في سماء السوق، كانت مرجانة وغالب يستمتعان بلحظاتهما الهادئة، حين فجأة انقطع صفاء الجو بصراخ عالٍ ينبعث من زاوية قريبة. التفتا مسرعين ليجدا تاجراً غليظَ القسمات يمسك بقمر الدين من ذراعها بعنف، ووجهه يحمرّ من شدة الغضب.
"كيف تجرئين على اتهامّي بالغش، يا أيتها الفتاة الوقحة؟!"
كانت قمر الدين تحاول تحرير نفسها من قبضته، وهي تقول بثبات: "إنّ العسل الذي تبيعه مغشوش، وقد كشفتُ حيلتك!"
رفع التاجر يده ليصفعها، لكن فجأة توقف في منتصف حركته، إذ وجد نصل سيف بارداً يلامس رقبته. وكان نجم الدين واقفاً خلفه، عيناه الزمرديتان تشعان بحزمٍ شديد.
"أبعد يدك عن الفتاة، وإلا فلن تَرْفَعَها مرة أخرى!"
ارتعب التاجر وتراجع إلى الوراء، بينما كانت قمر الدين تنظر إلى المنقذ الغامض بعينين ممتلئتين بالدهشة والامتنان.
قال نجم الدين بصوته الهادئ لكن الحازم: "ما الذي يحدث هنا؟"
أجابت قمر الدين: "هذا التاجر يبيع عسلاً مغشوشاً ممزوجاً بالسكر، وقد كشفتُ أمره."
التفت نجم الدين إلى التاجر: "أهذا صحيح؟ أتغشّ المسلمين وتأكل أموالهم بالباطل؟"
"لا، لا... إنها تكذب!" تمتم التاجر مرتعباً.
في تلك اللحظة، وصل غالب ومرجانة مسرعين، فقام غالب بالوقوف إلى جانب نجم الدين، بينما أسرعت مرجانة إلى قمر الدين لتطمئن عليها.
قال نجم الدين: "إن كان العسل نقياً فلتجربْه بنفسك، وإن كان مغشوشاً فستعترف!"
تحت ضغط الموقف، اعترف التاجر بالحقيقة: "نعم... نعم مزجتُ العسل بالسكر، لكنّ الفقر والضرورة دفعَتاني إلى ذلك!"
قال نجم الدين: "الضرورة لا تبيح الغش، ولا تُبيح أكل أموال الناس بالباطل. الارزاق بيد الله... والآن إما أن تعوّض كل من غششتَه، أو سأذهب بك إلى قاضي المدينة."
أخذ التاجر يرتجف واعداً بتعويض جميع المتضررين. ثم التفت نجم الدين إلى قمر الدين، فقال: "أنتِ شجاعة في دفاعك عن الحق، وهذا شيء يُحمد. لكن لا تواجهي دون حذر."
همست قمر الدين وهي تخفي وجهها خلف حجابها: "شكراً لك... لقد أنقذتني من ظلمٍ شديد."
ابتسم نجم الدين: "لم أفعل سوى واجبي، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً."
وبينما كان نجم الدين وغالب يتفقدان أمر التاجر، التفتت مرجانة إلى قمر الدين وقالت: "لقد كان شجاعاً جداً، أليس كذلك؟"
أومأت قمر الدين برأسها، وعيناها لا تزالان تتابعان نجم الدين بإعجاب، بينما كان قلبها يدقّ بقوة، لا تعرف إن كان من رهبة الموقف أم من هيبة ذلك الشاب الغامض الذي ظهر فجأة لينقذها من براثن الظلم.
الهروب إلى العمل:
في مكتبة القصر الشمالي بسلطنة النجم الساطع، حيث تتراص مخطوطات العلوم والحسابات على رفوف من خشب الجوز، جلس الأمير معتصم بن حسان منحنياً على طاولة عمل واسعة، تنيرها مصابيح زيتية معلقة. كانت الأوراق المبعثرة حوله تحمل خرائط وتقارير عن شؤون السلطنة، وهو منهمك في كتابة تعليمات للقادة والولاة.
دخل السلطان حسان بن القاسم، والده، يرتدي رداءً مريحاً، وحمل في يده كوباً من الشراب الساخن. توقف قليلاً عند الباب يتابع ابنه وهو يعمل بجدٍ غير معهود، ثم تقدم نحو الطاولة.
"أتدير شؤون السلطنة أم تخطط لحرب يا بني؟"
رفع معتصم رأسه فجأة، وكأنه كان غائباً في عالم آخر. "آه... أبي! لا، إنها أعمالٌ عادية، لكني أحب أن أتابع كل شيء بنفسي."
"أعمال عادية؟ منذ متى أصبحت مراجعة حسابات المخازن من مهام الأمير المباشرة؟"
أخذ معتصم الكوب من يد والده بشكر، ثم أدار وجهه نحو النافذة. "أحب أن أكون على علم بكل كبيرة وصغيرة في السلطنة."
جلس السلطان حسان على الكرسي المقابل، ونظر إلى ابنه بنظرة حانية خبيرة. "هل تهرب بالعمل من التفكير في أمر الأميرة قمر الدين؟"
توقف معتصم عن الشرب للحظة، ثم وضع الكوب على الطاولة. "لماذا أهرب؟ الأمر بسيط... إن قبلت فالحمد لله، وإن رفضت فليس نهاية العالم."
"ولكنك لم تعد ذلك الأمير الواثق من نفسه. أراك تتجنب الحديث عن الزواج، وتنغمس في العمل وكأنك تبحث عن مبرر لعدم السفر إلى سلطنة الريحان البهي."
"أنا... أخشى أن أكون سبباً في تعاستها. لا أريد أن أفرض على قلب لا يرغب بي."
"من قال إنها لا ترغب بك؟ ربما تحتاج فقط إلى فرصة لتعرفك عن قرب."
"وما الضمان أن معرفتها بي ستغير رأيها؟ ربما تزداد كرهاً لي!"
ضحك السلطان حسان ضحكة هادئة. "أتعرف يا بني، أمك رفضت الزواج مني في البداية أيضاً."
"حقاً؟ لم تخبرني بهذه القصة من قبل!"
"نعم، كانت تظنني جاداً أكثر من اللازم، متزمتاً لا أعرف روح الدعابة. لكن عندما زارت سلطنتنا ورأتني في مختلف المواقف، غيرت رأيها."
"وماذا فعلت لتغير رأيها؟"
"كنت على طبيعتي، لم أتظاهر بشيء، أريتها جوانب مختلفة من شخصيتي، وأخبرتها عن أحلامي ومخاوفي. في النهاية، أحبت الإنسان قبل الأمير."
قام معتصم واتجه نحو النافذة المطلة على الجنوب. "ربما... ربما يكون السفر إلى سلطنة الريحان البهي فكرة جيدة بعد كل شيء."
"اذهب إليها ليس كأمير يطلب يد أميرة، بل كرجل يريد أن يعرف امرأة قد تكون شريكة حياته."
"ولكن ماذا لو رفضتني مرة أخرى؟"
"على الأقل ستكون قد حاولت، وهذه شجاعة أفضل من الهروب إلى العمل."
التفت معتصم إلى والده مبتسماً لأول مرة منذ أيام. "أنت محق يا أبي. سأعد للحملة وأسافر إلى سلطنة الريحان البهي خلال ايام."
"حظاً موفقاً يا بني. وتذكر، مهما كانت النتيجة، فأنت أمير يستحق الاحترام."
غادر السلطان حسان المكتبة، تاركاً معتصم يفكر في خطوته القادمة، بينما كانت الأميرة قمر الدين في سلطنة الريحان البهي لا تعلم أن قدرها يقترب منها بخطى سريعة.
الدفء الأخوي:
في بيت خشبي بسيط بالقرب الميناء، تطل نوافذه الصغيرة على البحر، كانت فتاة في ريعان الشباب تجلس في الفناء الصغير تنسج شبكة صيد بحركة متقنة. كانت ياسمين، أخت نجم الدين، ترث عيني أخيها الزمرديتين البراقتين، لكنها كانت تضيف إليهما بريقاً خاصاً من البراءة والحيوية.
فتح الباب بهدوء ودخل نجم الدين حاملاً عدة حقائب مليئة بالبضائع، فقفزت ياسمين مسرعة واحتضنته بحرارة.
"أخي! عدت أخيراً!"
"ياسمين، ها أنتِ تقفزين علي كأني غبتُ عنكِ سنوات!"
"بل كأنها سنوات حقاً! ماذا جلبتَ لي من السوق؟"
"أشياء كثيرة، لكن أولاً: هل صليتِ اليوم؟ هل أنهيتِ واجباتكِ؟ هل نظفتِ البيت؟"
"نعم ونعم ونعم! لكن دعك من الأسئلة وأرني ما في الحقائب!"
جلست ياسمين على الحصير مبتسمة بينما كان نجم الدين يفرغ محتويات الحقائب واحدة تلو الأخرى: ثوب جديد بلون أزرق، وحلوى اللوز التي تحبها، وكتاب عن تاريخ البحر، وأدوات نسج جديدة.
"لكن هذا كثير جداً! لقد أنفقتَ كل أموالك عليَّ!"
"أنتِ تستحقين أكثر يا ياسمين. أنتِ فرحتي الوحيدة في هذه الدنيا."
نظرت ياسمين إلى أخيها بنظرة حانية: "أخبرني عن رحلتك الأخيرة، هل واجهتُم عواصف؟ هل رأيتَ شيئاً جديداً؟"
"كانت رحلة هادئة، لكنني رأيتُ شيئاً جميلاً اليوم في السوق."
"ما هو؟"
"رأيتُ فتاة شجاعة تواجه تاجراً ظالماً وتدافع عن الحق."
"أهي جميلة؟" سألت ياسمين بعينين متلألئتين بالفضول.
"لم أر وجهها، لكنني رأيتُ شجاعتها، وهذا أجمل من كل جمال."
"أتمنى أن أكون مثلها يوماً ما!"
"أنتِ أفضل منها يا ياسمين، أنتِ كنزي الصغير."
كانت ياسمين تبتسم وهي تتفحص الهدايا، ثم قالت فجأة: "أخي، ألا تفكر في الزواج؟ ألا تريد أن تكون لك عائلة؟"
"عائلتي أنتِ، وهذا يكفيني."
"لكنني لا أريد أن أكون عبئاً عليك."
"اسمعي يا ياسمين، منذ رحل والدانا وأنتِ النور الذي يضيء حياتي. لا تتحدثي مرة أخرى عن كونك عبئاً، فأنتِ نعمة من الله."
احتضنها نجم الدين بحنان، بينما كان القمر ظهر في الأفق، ضوءه الفضي يدخل من النافذة الصغيرة، فيرسم على وجهي الأخ والأخت صورة من الحب والألفة تذكر بأن العائلة لا تقاس بحجم البيت ولا بوفرة المال، بل بقدر الحب الذي يملأ جنباتها.