رواية تاج في الظل - الفصل الثامن - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن

الفصل الثامن

"طلب غير متوقع" كانت السماء في مملكة النور تتدرّج ألوانها مع انحدار الشمس نحو الأفق، وكأنها لوحة رسمتها يد فنان قديم يعرف تمامًا أين يضع كل خط من الذهب والنار. الهواء عليل، يحمل رائحة النهر الممتزجة بعبق أزهار الحديقة الملكية. في قاعة العرش، جلس الملك فهد على مقعده الكبير المصنوع من خشب الساج، والمطعم بعروق فضية دقيقة. كان أمامه مكتب عريض مغطى برسائل وختم ملكي، وبعض الخرائط التي تشير إلى طرق التجارة وحدود المملكة. أصوات الحرس في الخارج كانت تأتي خافتة من خلف الأبواب العالية. أما سليمان، فكان واقفًا إلى جانب إحدى النوافذ المقوسة، يطلّ منها على ساحة القصر، وقد بدا شارداً، عيناه تتابعان حركة الجنود أثناء تدريباتهم في الساحة. كان يرتدي درعًا خفيفًا فوق ثوبه، وبدا في هيئته مزيج من الجندي والقائد، لكنه كان يخفي في أعماقه ما لا يراه أحد. قطع فهد الصمت وهو يرفع نظره من على الرسائل: – أراك كثير الصمت في الأيام الأخيرة يا سليمان… وأعرف أن وراء صمتك ما يستحق أن يُقال. استدار سليمان ببطء، ووقف أمام العرش، وصوته يهبط درجة كمن يخشى أن تتسرب كلماته عن غير قصد: – هناك أمر… ليس من شؤون المملكة، لكنه من شؤوني أنا. أريده منك بشكل شخصي. مال فهد إلى الأمام، ملامحه تجمع بين الفضول والحذر: – أمر شخصي إذن؟ تحدث. أخذ سليمان نفسًا عميقًا، وعيناه تثبتان في عينَي فهد بثقة كاملة: – أريدك أن ترسل طلب لأستدعاء رجلا… يدعي نزار. كان قائدي وأمين لسري في مملكة اليمامة. أعرفه منذ سنوات، لم يخذلني في أصعب المواقف واثق به كما اثق بك الأن، وكنت أضع حياتي بين يديه. إن بقي هناك، تحت حكم بلال، فمصيره الخطر. أريده هنا… في أسرع وقت اخاف ان يتهور او يفقد السيطره على نفسه. ظل فهد ينظر إليه لحظة صامتًا، ثم رفع حاجبيه قليلًا وقال: – أنت لا تطلب مجرد رجلا… بل قطعة من ماضيك، وذراعك الإيمن. هل أنت مستعد لما قد يعنيه وصوله؟ ابتسم سليمان ابتسامة هادئة لكن خلفها تصميم واضح: – أعرف أن بلال قد يشك… لكن بعض المخاطر تستحق أن نخوضها، لأنها الطريق الوحيد للمستقبل الذي نريده. جلس فهد للخلف، وأخذ قلماً، وكتب على رق صغير أمرًا مختومًا بالشمع الملكي، ثم أعطاه لأحد الحراس: – ليغادر مبعوثنا الليلة إلى مملكة اليمامة. ليكن سريعًا، وليعود ومعه القائد نزار بشكل عاجل. "قصر اليمامه في يد بلال" كانت أضواء المشاعل الكثيرة تجعل الليل في قصر اليمامة ساطعًا على نحو مزيف، وكأن الظلام طُرد بالقوة. الحرس بوجوه جامدة يملؤون الممرات، وأبواب القصر مغلقة بإحكام، وكأن المكان يتهيأ لعدو يقترب. على العرش جلس بلال، يرتدي عباءة ثقيلة بلون القرمز، وحزامًا عريضًا مرصعًا بالأحجار الكريمة، وتاج كبير مرصع بالاحجار الكريمه اللامعه يعلو رأسه، وعيناه تلمعان بمزيج من الكبرياء والريبة. حوله بعض المستشارين الجدد، وجوههم متملقة، يضحكون لأي كلمة تخرج من فمه. اقترب أحد الخدم بخوف وخضوع يده ترتجف قليلا ليضع كأس الشراب أمامه، فسقط قليل منه على السجادة. أمسك بلال الكأس، ورماه على الأرض بقوة: – تعلّموا كيف تخدمون ملككم… أو ارحلوا من القصر للأبد. وقف نزار بين صفوف القادة على يمين القاعة، طويل القامة، عريض المنكبين، لحيته السوداء مقصوصة بعناية، وعيناه الحادتان التي تملئهم الغضب لا تفارقان المشهد. قال أحد المستشارين: – مولاي، الضرائب التي فرضناها على القرى الشرقية أتت بثمارها، الخزائن تمتلئ كما أردت. ابتسم بلال نصف ابتسامة، وأخذ رشفة من كأسه: – إذن… زدوا الضرائب مرة أخرى. ليعرفوا أن عهد التراخي قد انتهى. اعترض مستشار آخر بحذر: – مولاي، لقد ضربهم الجفاف، و… قطع بلال كلامه وهو يضع الكأس بقوة على الطاولة: – ومن لا يحتمل… فليترك أرضه لغيره. الأرض لا تحب الضعفاء. في زاوية القاعة، انقبض فك نزار، لكنه لم ينطق. كان يعرف أن كلمة واحدة قد تعني نهايته… لكنه في داخله كان يزداد تصميمًا على أن هذا الحكم لن يدوم. دخل مبعوث يرتدي عباءة سفر رماديه انحني أمام بلال ثم قال: – رسالة من مملكة النور… إلى القائد نزار يامولاي رفع بلال حاجبه عندما قرأ محتوي الرساله. ألقى بلال نظرة فاحصة على نزار، ثم قال ببطء: – هذه لك، اذهب… لكن تذكّر أن من يخرج من قصر الملك، يعود إليه… أو لا يعود أبدًا. "اصوات الشعب" في أسواق مملكة النور، حيث تمتزج رائحة الخبز الطازج بصوت الباعة وصهيل الخيول، كان الناس يتهامسون عن القائد الجديد الذي ظهر فجأة بين الجنود. في الحانة القديمة قرب الميناء، جلس بحّار عجوز يتحدث لرفاقه: – رأيته، والله رأيته… يرفع صخرة كانت تسد طريق القرية، وحده، دون أن ينتظر مساعدة. أي قائد يفعل هذا؟ وفي ساحة الحبوب، كانت امرأة تزن القمح وتحدث جارتها: – هذا القائد الجديد دفع لي ثمن ما أخذ مرتين، وقال: البائعون حماة الأرض مثل الجنود. لم يقلها أحد قبل ذلك. الجارة: _يا له من قائد عادل. وعند مزرعة الزيتون، كان طفل صغير يخبر والده بحماس: – علّمني القائد كيف أمسك العصا لأطرد الثعابين عن الحقل… قال لي إن الفلاحين جنود الحقول. كل قرية كان لها حكاية عنه… وكل حكاية تزيده غموضًا واحتراما في اعين الشعب "حديث الصديقان" في إحدى ليالي القصر، جلس سليمان وفهد قرب المدفأة، وألسنة النار تلوّن وجهيهما بألوان متراقصة. قال فهد وهو يبتسم: – أسمع أن الفلاحين يتحدثون عنك كثيرًا يا سليمان، حتى إن بعضهم يراك منقذًا. أجاب سليمان بهدوء: – المنقذ الحقيقي هو من يجعلهم قادرين على حماية أنفسهم. – لو لم أعرفك جيداً… لظننتك تسعى لما هو أكبر من منصب قائد. ابتسم سليمان ابتسامة خفيفه مشاغبه: _ربما.. ثم ضحكا الاثنان بشده... "غفران تراقب" في صباح يغطيه الضباب، كان سليمان يتفقد الحقول، يسير بخطوات بطيئة بين أشجار الزيتون. من بين الأشجار ظهرت غفران، تحمل سلة زيتون. وقفت أمامه وقالت: – الناس بدأوا يتحدثون عنك… بعضهم يراك منقذًا، وبعضهم يراك غريبًا له غاية لا نعرفها. ابتسم سليمان وقال: – وما رأيك أنتِ؟ – أرى رجلاً يحاول أن يكون مختلفًا… لكنني لا أثق بالغرباء حتى أعرف سرهم. وانا حتي لم اعرف لك اسما حتي الأن. – أعدك… حين يحين الوقت، سأخبرك، اسمي نصر الدين . ابتعدت وهي تنظر إليه من فوق كتفها، كأنها تحاول أن تفك شفرة ملامحه وملامحها قد انفرجت قليلا من حدتها "وصول القائد نزار" عند الغروب، وصلت فرقة جنود إلى بوابة قصر النور، تتقدمهم خيل قوية يمتطيها رجل بملامح صارمة. في الساحة الداخلية، كان سليمان واقفًا، ينتظر. وما إن ترجل الرجل وكشف رأسه، حتى عرفه: – نزار! ثم اخذه ودخل به إلي داخل القصر. ركع نزار على ركبة واحدة: – مولاي… كنت أعلم أنك لم تمت سررتُ كثيرا عندما رأيتك بخير. رفعه سليمان من كتفيه، وعانقه: – قلت لك يا نزار… نحن لا نموت بسهولة. وقف فهد يراقب المشهد، ثم قال مبتسمًا: – الآن اكتملت قطع اللوحة… فلنرَ ماذا سترسمان معًا. التفت نزار إلى فهد، وانحنى احترامًا: – شكرًا لك لأنك حفظت له الأمان، يا مولاي. ضحك فهد وهو يصفق بيده على كتف نزار: – مرحبا بك بيننا… يبدو أن هذا القائد لديه أسرار أكثر مما توقعت. وقف الثلاثة معًا، والنار في المدفأة تشتعل، وكأنها تعكس شرارة تحالف جديد… تحالف قد يغير مصير الممالك. "همسات في اليمامه" كان المساء يهبط ببطء على أسوار مملكة اليمامة، والسماء تتلوّن بحمرة داكنة كأنها دموع الشمس قبل أن تغيب. في الأسواق الضيقة، وبين الأزقة التي تتشابك كخيوط العنكبوت، انتشرت همسات عن "الغريب" الذي مرّ من هنا، ثم اختفى كما جاء، تاركًا خلفه قصصًا لا يتفق عليها اثنان. في السوق الكبير.... حيث تختلط رائحة التوابل الحارة برائحة الخبز المخبوز في التنور، وقف شيخٌ يبيع الحبوب وهو يقول لجاره: – أتذكر ذاك الرجل الغريب؟ جاء في يوم عاصف، وأعاد ترتيب بضائعي بعدما سقطت في الوحل، دفع لي ثمن كيسين من القمح وهو لم يأخذ سوى حفنة! لم يفعلها أحد قبله. ابتسم جاره بسخرية: – أنت دائمًا تحب المبالغة يا عمران… أنا سمعت أن الرجل كان محاربًا جاء يبحث عن شخص ما، لا تاجرًا للقمح! في الميناء النهري.... حيث تصطف القوارب الخشبية، جلس بحّار عجوز يصلح شباكه وهو يحكي لمجموعة صغار: – ذلك الغريب هو الذي أنقذني من الغرق يوم جرف التيار قاربي. مدّ يده وسحبني كأنني طفل! لكنه لم يذكر اسمه، فقط قال: حافظ على القارب… فهو حياتك. ثم رحل. قاطعه أحد الصغار بعينين واسعتين: – لكن أبي يقول إن هذا الرجل كان جاسوسًا جاء ليتجسس على الملك بلال! ضحك العجوز حتى اهتزت لحيته البيضاء: – جاسوس؟ الجواسيس لا ينقذون أحدًا من الموت هذا خطأ . في سوق الحدادين... وقف رجل قوي البنية يطرق الحديد، ويمسح العرق عن جبينه وهو يقول لتلميذه: – " ذلك الغريب هو الذي أمسك بالمطرقة يوم أصبت في يدي، وأكمل ضرب الحديد حتى لا يفسد. قال لي وقتها: السيوف التي تنكسر قبل أن تُستعمل… دليل على يد ضعيفة. كلامه بقي في رأسي حتي الأن . هزّ التلميذ كتفيه: – ربما كان حدادًا في شبابه. – أو ربما كان شيئًا أكبر من ذلك." في مقهى صغير قرب باب المدينة.... جلس ثلاثة رجال يتجادلون، وأمامهم أكواب القهوة المرة. قال الأول: – أنا متأكد أنه كان قائدًا في جيش الملك السابق… لقد رأيت نظرة عينيه حين تحدث عن الحرب وحين تصدر للقوافل وانقذ الأطفال حين ذاك. رد الثاني: – لا، لا… سمعت من امرأة في السوق أنه كان مجرد بائع اعشاب وشفي لها طفلها من مرض عظمي ، وتوقف هنا إيضا قليلا لأن قدمه كانت مصابة. أما الثالث، فهز رأسه ببطء وقال: – أياً كان… لقد ترك بصمة في كل مكان مرّ به. الفلاحون يتحدثون عنه، البحارة، الحدادون، وحتى الأطفال في الأزقة. لكن السؤال الذي يحرق صدري الأن… لماذا رحل؟" لماذا اختفي ولم يأت مجددا. وفي آخر الزقاق... جلست عجوز تبيع الحلوى، تراقب الناس وهم يتجادلون، ثم تمتمت بصوت بالكاد يُسمع: – الذين يأتون ليغيروا شيئًا… لا يمكثون طويلًا. ربما سيرجع حين يحين الوقت. سكتت قليلًا، ثم ابتسمت وكأنها تعرف سرًا لا يعرفه أحد.