الفصل الواحد والسبعون
" the writer Aridj "
.
.
.
كانت وعد تجلس على الأريكة كعادتها، لكن بطريقة مختلفة هذه المرة. أسندت قدماھا الى ظھر الأريكة ورأسھا مقلوب على الحافة ، فيما شعرها على الأرض.
تالين /يابنت، أنا من ساعة أتكلّم مع مين؟
وعد /والله ما سمعتك، بالي مع رعد، ما جا للحين؟
تالين /أكيد عندهم شغل، اعتقي رجال!
ابتسمت وعد ابتسامة صغيرة، ثم صمتت للحظة. حاولت تالين كسر الصمت الذي غلف المكان، محاولة تغيير مزاج تلك الرفيقة ،قالت /أشوفك لابسة بيجامتك! ههههه، من كثرة جلستنا هنا، صرت أحسبه بيتنا!
ابتسمت وعد مجددًا، ابتسامة قصيرة تمثل كل ما تبقى لها من شجاعة في مواجهة الواقع. قالت في هدوء/إن شاء الله نطلع منه سالمين غانمين.
لكن أفكارها كانت في مكان آخر، في مكان عميق في عقلها، حيث لا يعكر صفوها شيء سوى الذكريات. تدريباتها الطبية التي لم تكملها بسبب ما حدث، حال والدتها ووالدها، شقيقها .....الشق الثاني منھا والذي بات بعيدا عنھا وھي لم تعتد على ان تفارقھ طويلا ........والكثير من الأفكار المعلقة.
قالت تالين، محاولة إبعادها عن أفكارها المزعجة /وعودتي، وش تقولين نلعب أونو؟
وعد /بلي خلقك وأنا أختك، ما لي خلق ألعب!
تنهدت تالين، فقد كانت تعرف أن مزاج وعد قد عبثت به كل تلك الأفكار المختلطة .
لكن الأوضاع تبدو قد تغيرت فجأة. رنَّ هاتف وعد، مزعزعا صمت الغرفة، وفتح الباب في اللحظة ذاتها. فزعَت وعد وسقطت من الأريكة على الأرض، كما لو أنها خطفت من عالمها الصامت. هذه الأصوات التي كانت مباغتة لها، أخذتها فجأة إلى الواقع.
تسارعت خطوات فهد وتالين نحوها. قال فهد بقلق /وعد، أنتي بخير؟!
رفعت وعد رأسها بصعوبة، نهضت ببطء بمساعدتهم، جلست مستقيمة هذه المرة، ثم أمسكت برقبتها في حركة عفوية، وقالت /أحس انو رقبتي انخلعت.
فهد /مادري وش بلاك، جالسة بهذيك الطريقة، في إنسان عاقل يسوي كذا؟ وش رايك تروحين تعملين أشعة؟
ابتسمت وعد وقالت /لالا، ما يحتاج، أنا بخير.
تالين /متأكدة؟ يابنت، إحنا في المستشفى، يعني ماراح تتعبين ولا تعبينا.
كان فهد يراقب بترقب، لكن وعد أجابت بكل هدوء ممازحة /أوووه، وش فيكم؟ كاني ساقطة من قمة جبل! والله أنا بخير، مافيني شيء.
نظر اليھا بقلق ثم إلتفت الى اختھا التي تقف على يسارھ /بشوفت عينك يا تالين، هي لي ما ودها تروح.
ضحكت وعد، لكن في نفس الوقت تذكرت أن هاتفها قد رن منذ قليل. اتجهت إليه، ورفعته من على الطاولة. تفاجأت، حيث كان الرقم غير مسجل في هاتفها. قررت أن تعاود الاتصال به لتكتشف من كان المتصل.
اتصلت.....الھاتف يرن ..... وعندما جاء الصوت المعتاد في الطرف الآخر، ذلك الصوت الذي لطالما أزعجها، تذكرت كيف حاول التقرب منها مراراً، لكنها كانت ترده دائماً باحتراف. ابتسمت، فهو لم يستسلم ولن يتوقف. استغرب فهد ابتسامتها، ليلقي نظرة استفسار على تالين التي رفعت كتفيها، مشيرة إلى أنها لا تعرف شيئًا عن الأمر.
أما وعد، فقد قررت أن تتعامل بلطف وتغضّ النظر عن الماضي هذه المرة. قالت بهدوء، دون أن تظهر أي ارتباك /وعليكم السلام... مشكور يا راكان، ما قصرت... أيوه إن شاء الله يطلعون بالسلامة، وأرجع أكمل معاكم...... لا ما أحتاج شي، إخواني معايا، مشكور، هذا من طيب أصلك........ يلا سلام، وبلغ تحياتي لكل الطاقم.
أنهت المكالمة ووضعَت الهاتف على الطاولة، ثم رفعت رأسها لتجد نظرات كل من فهد وتالين مسلطة عليها.
فهد /هذا الاتصال ما ينتظر لبكرة!
فهمت وعد ما يرمي إليھ فهد، فقالت له بهدوء /هذا راكان، زميل شغل، ومتدرب معايا في نفس المستشفى. اتصل يطمن على أحوالي بعد ما سمع اللي صار.
فهد، بسخرية /لا ما قصر.
انزعجت وعد من نبرة فهد، لكن مزاجها الآن لا يسمح لها بالمزيد من النقاش مع أي شخص. التفتت إلى تالين وقالت /مو كنا راح نلعب أونو؟
تالين، مبتسمة /أيوه... بس أشوف عيونك تنغلق من كثرة التعب.
ابتسمت وعد وقالت /والله إنك انتي لي تفهميني، يا بعدي، يا روح الروح.
ثم التفتت إلى فهد /اتصل فيك رعد لو لا؟
فهد وبعض من القلق يعلو ملامحھ /ما اتصل رعد، بس حكيت مع خالد وقال إنو بصعوبة إذا تمكنوا يطلعوا. ضغطين عليهم حيل.
فكرت وعد قليلاً......من سيبقى مع والدتها إذا لم يعد رعد؟
صمتت للحظة، وعادت تقول /تالينوش،اذا تقدرين أطلعي لفوق، هليلة عند أمي، ما عندها حد. وأنا ما أقدر أترك أبوي.
ابتسمت تالين، وقالت بهدوء /أساساً كنت طالعة لعندها، لا تفكرين في شيء. نامي ورتاحي.
ابتسمت وعد، ابتسامة مسالمة، وكأنها تقول للطيف الذي يحيط بها: "من أين تأتي الراحة في هذا المستشفى؟"
وفي تلك اللحظة، كان هناك شخص آخر في الغرفة، يتأمل جمالاً أمامه فلو قالوا إن فيكِ عيباً، لقلت لهم: "العيب في أبصاركم!"
كانت أنثى تُشبه الرغبة حين تكون مهذّبة، والشغف حين يختار أن يكون جميلًا لا فوضويًا. شعرها البني اللامع ينساب طويلًا على ظهرها كاعترافٍ صامت، كل خصلةٍ فيه تعرف طريقها إلى العين قبل القلب، وكأن الضوء يعشق الاستقرار فيه. عيناها بنيتان، لكنهما ليستا لونًا؛ إنهما دفءٌ خالص و كأن العين خُلقت لتُفتن لا لتُشاهد فقط. قصيرة القامة، لكنها إذا اقتربت أربكت المسافة، وإذا مرّت خلّفت خلفها توقًا لا يُفسَّر. خدودها المحمّرة تشي بأنثى خجولة تعرف قوتها، وتخفيها عمدًا، فتكون أكثر فتكًا. فيها نعومة تجعل الشغف يبطئ احترامًا لها، وفيها جرأة صامتة، تلك التي لا تُعلن نفسها، بل تُشعر من يراها أنه اختير دون غيره. هي أنثى إذا نُظِر إليها أُحبّت، وإذا أُحبّت صارت فكرة، وإذا صارت فكرة… لم تغادر