الفصل السابع
"رحيل في الليل"
كان الليل يبتلع أطراف المدينة رويدًا رويدًا، والرياح الباردة تعصف بأزقة العاصمة كأنها تحمل أنين البيوت النائمة. في فناء القصر الخلفي، حيث لا يدخل أحد إلا بإذن، وقف الملك سليمان يحدق في السماء، يراقب غيمة ثقيلة تمر أمام القمر، فتخفيه لحظة، ثم تكشفه ثانية.
ارتدى عباءة داكنة ثقيلة تخفي كامل جسده، وغطى رأسه بغطاء من الصوف، تاركًا فقط عينيه تلمعان في العتمة. على كتفه حقيبة جلدية صغيرة، لم تحوِ إلا ما لا يمكن الاستغناء عنه: خنجر ورثه عن أبيه، خريطة رسمها بيده، وبعض قطع الخبز اليابس ولحم مجفف يكفيه يومين.
كان الفرس الأسود الذي اختاره ينتظر بصبر عند البوابة الجانبية، أنفاسه تتصاعد كأعمدة بخار بيضاء في الهواء البارد. مد سليمان يده وربت على عنق الحصان هامسًا:
– رحلة طويلة يا صديقي… لا تعرفها إلا أقدامك.
صوت ارتطام حوافر الفرس بالأرض الحجرية بدا مرتفعًا في هذا الليل الصامت. ومع كل خطوة يبتعد فيها عن القصر، كان يشعر وكأن خيطًا غير مرئي ينقطع من قلبه.
في أعماقه، تمتم:
لن يعرفوا أني رحلت… ليس الآن. سأعود حين يكون للعودة معنى... لا هروب… بل انسحاب لأجل العودة. لا أترك الأرض… بل أبحث عن حليف يعرف قيمتها.
"على حدود مملكة النور"
ثلاثة أيام من السير، عبر خلالها وديانًا موحلة بعد أمطار الليل، وغابات كثيفة حجب فيها ضوء الشمس حتى بدا النهار مثل الغروب. ومع فجر اليوم الرابع، لاح أمامه مشهد يبعث الدفء في القلب: حقول واسعة من القمح تمتد بلا نهاية، تلمع سنابلها الذهبية تحت شمس الصباح، تتمايل في الريح كبحر هادئ.
في الأفق، ظهر سور حجري عريض، تحيط به أبراج مراقبة عالية. أسفل السور، يتلوى نهر عريض يعكس زرقة السماء، وعلى ضفته جسر خشبي يربط الطريق ببوابة ضخمة.
اقترب سليمان حتى أصبح أمام الحراس. كان قائد الحراس رجلاً ضخم الجثة، بشرته سمراء بفعل الشمس، وشاربه كثّ يغطي نصف فمه. نظر بعين فاحصة إلى الغريب أمامه وقال بصوت جاف:
– من أنت؟ وما غايتك من دخول مملكة النور؟
أمسك سليمان بغطاء رأسه، ورفع طرفه قليلاً حتى بدت عيناه فقط، ثم قال:
– أخبروا ملككم أن رجلاً من الماضي يريد لقاءه… سيعرفني حين يلتقي بعيني.
حدّق الحارس فيه لحظة، ثم أشار إلى أحد جنوده:
– أسرع إلى القصر… وأبلغ الملك فهد.
"لقاء الأصدقاء القدامي"
كانت قاعة العرش في مملكة النور مهيبة، أعمدتها من المرمر الأبيض اللامع، والجدران مغطاة بنسيج أزرق مزخرف بشعارات الشمس والسنابل. نافذة عالية خلف العرش سمحت لأشعة الشمس بالانسكاب على الأرضية الرخامية.
جلس الملك فهد على عرشه الذهبي، جسده العريض يكسوه درع فضي خفيف فوق عباءة أرجوانية، اصلع الرأس واسع الجبهه ولحيته السوداء تتخللها خطوط من الشيب. كانت عيناه بنيتين عميقتين، فيهما دفء، لكنهما لا تخفيان حدة قائد يعرف الحرب
عندما دلف سليمان إلى القاعة، توقف فهد لحظة يحدق فيه، ثم نهض بسرعة وخطا نحوه بعرض ذراعيه.
– سليمان… بحق السماء، أأنت مازلت حي يرزق يا رجل؟
ضحك سليمان بخفة وقال:
– حيّ… لكنني أحمل معي رائحة المعارك والخيانة.
عانقه فهد بقوة، ثم تراجعا وجلسا. أشار الملك بيده للخدم:
– شراب من عنب هذا العام … لأفضل ضيف.
بعد أن ارتشفا، انحنى فهد للأمام وقال بنبرة فضولية:
– أنت لم تأتِ للزيارة، أليس كذلك؟ عيناك تقولان شيئًا آخر.
أطرق سليمان للحظة، ثم قال بهدوء:
– أتيت طالبًا الستر. أريد أن أبقى هنا مجهول الهوية، بلا تاج، بلا حاشية. فقط جندي بين جنودك.
رفع فهد حاجبيه بدهشة:
– سليمان… جندي؟ أنت الذي قادت جيوشًا غزوات لا تُحصى من أجلك ومن أجل مملكة اليمامه الأن تريد ان تصبح جندي!
أجابه:
– أفضل أن أكون جنديًا في مملكة صديق عزيز … من أن أكون ملكًا في عرش محاط بالثعابين
ظل فهد صامتًا لبرهة، ثم ابتسم نصف ابتسامة وقال:
– لم تكن جنديًا يا صديقي؟! بل ستكون قائدًا. لا أحد يعرفك إلا أنا، وسأعطيك اسمًا جديدًا.
– لكن اوعدني ألا تكشف أمري... قال سليمان متوسلا
–اقسم لك بالله وبعرش مملكتي... لم يعرفك أحد حتي تقولها أنت بنفسك.
"بين الحقول"
بعد أسبوع، كان سليمان يسير في ممر ضيق بين أشجار الزيتون، يتفقد بعض المعسكرات الريفية. كان يرتدي درعًا من الجلد، وخوذة معدنية في يده، وسيفًا بسيطًا على خصره.
الهواء معطر برائحة الأرض المبتلة، وأصوات العصافير تتداخل مع حفيف أوراق الزيتون. فجأة، شعر بنظرة خلفه. استدار بسرعة، يده على مقبض سيفه.
ظهرت فتاة في منتصف الثلاثينات، بشرتها بيضاء تميل إلي القمحي، شعرها الأسود الطويل مربوط للخلف، وملابسها بسيطة لكنها عملية، كمن اعتاد العمل الشاق. في يدها سيف صدئ، لكنها تمسكه بثبات يدربه الجوع أكثر من المعارك.
رفعت السيف نحوه وقالت بلهجة حادة:
– توقف! من أنت؟ ولماذا تتجول بين حقولنا ؟
ابتسم سليمان بخفة، رافعًا يديه قليلًا:
– قائد جديد من جيش الملك فهد."
حدقت فيه بعينين عسليتين فيهما مزيج من التحدي والحذر:
– قائد؟ القادة لا يمشون وحدهم في حقول الفقراء.
اقتربت خطوة، وصوتها صار أشد حدة:
– أنا غفران… وهذه الأرض أرضنا. ومن يدخلها غريبًا، عليه أن يرحل… أو اجعله يرحل بطريقتي.
تأملها سليمان لحظة، ثم قال بابتسامة صغيرة يملئوها الأعجاب:
– تحرسين الأرض وحدك إذن؟
أجابته بثقة:
– إذا لم أفعل، فلن يفعل أحد.
ظل السيف مرفوعًا بينهما، والهواء مشحون بصمت ثقيل… وكأن الحقول كلها تمسك أنفاسها في انتظار الخطوة التالية.
"ظلال قصر النور"
كان الليل قد غطّى أرجاء مملكة النور بردائه الأسود، بينما أضاءت المشاعل جدران القصر العالية، فتكسرت الظلال على الحجارة العتيقة. جلس الملك فهد في مجلسه الفسيح، أمامه مائدة عامرة بالفاكهة واللحم المشوي، ورائحة البهارات الشرقية تعبق في الجو.
دخل سليمان – بصفته القائد الجديد – مرتديًا درعًا من الفولاذ المصقول، وخوذة تحت ذراعه، ملامحه ثابتة لكن في عينيه يقظة حذرة. نهض فهد من مقعده مرحبًا، وابتسامة الصديق القديم لا تفارق وجهه:
_هذا هو نصر الدين...او بالأحري قائد الجنود الجديد
ابتسم سليمان بخفةوهو ينحني قليلا :
– في خدمتك يا مولاي
جلسا معًا، وأمر فهد الخدم بالمغادرة. ألقى نظرة حادة إلى سليمان وقال:
– لم أخبر أحدًا عن هويتك كما طلبت، لكنك تعلم أن القصور لها آذان… ربما أكثر من الأسواق.
رد سليمان بنبرة ثابتة:
– لهذا أحتاج أن أبقى بين الجنود، أراهم وأختبرهم بنفسي. أريد أن أعرف قوة هذه المملكة من قلب صفوفها.
فهد، وهو يميل للخلف في مقعده:
– الجنود يحترمون القادة الذين يسيرون معهم في الطين قبل أن يأمروهم بالسير فيه… لكن احذر، بعضهم سيرى فيك غريبًا أخذ ما لا يستحق.
صمت لحظة، ثم أضاف:
– وأنا… أرى فيك ملكًا يهرب من عاصفة، لكنه لا يزال يحملها في قلبه واحرص ايضا ان هيبتك كا ملك تستطيع ان تكشف أمرك انها واضحه في عيناك اكثر من وضوح الشمس
تبادل الصديقان نظرة صامتة، فيها اعتراف بما لا يُقال. ثم نهض سليمان مودعًا، متجهًا إلى ساحة التدريب حيث ينتظره فجر آخر مع جنود لا يعرفون من هو حقًا.
"نار في العيون"
كانت الشمس تشرق على الحقول الذهبية خارج أسوار المملكة، حيث يمتد القمح كبحر ساكن تلامسه الرياح. خرج سليمان وحده، مرتديًا درعه الخفيف وسيفه على جنبه، ليتفقد أطراف المملكة. خطواته كانت هادئة، لكن عينيه تراقبان كل تفصيلة: الفلاحون المنحنون فوق الأرض، وجوه الأطفال المتسخة، وأصوات الدواب في البعيد.
وبينما كان يعبر ممرًا ضيقًا بين أشجار الزيتون، شعر بظلال تتحرك خلفه. توقف، وبحركة سريعة سحب سيفه، لكن الصوت جاءه من الأمام. خرجت غفران من بين الأشجار، هذه المرة بثوب داكن يلتصق بجسدها، وحزام جلدي يلتف حول خصرها تتدلى منه خناجر قصيرة.
قالت بابتسامة ساخرة:
– ظننتك قائدًا… لكنك تمشي كمن يبحث عن شيء ضاع منه.
رفع حاجبه، وأجاب بثبات:
– وربما وجدت ما أبحث عنه أأنت مجددا.
اقتربت منه، خطواتها ثابتة، وعيناها لا تبتعدان عن عينيه:
– قلت البارحة إنك تستطيع حماية الأرض… واليوم أرى جنود الملك فهد يصادرون غلال قريتنا بحجة الضرائب. هل هذه هي الحماية التي وعدت بها؟
شعر سليمان بانقباض في صدره، لم يكن يعلم بهذا الأمر. قال بجدية:
– لم آمر بهذا… وسأعرف من فعل وعد بأن من فعلها سينال عقابه.
ضحكت بمرارة:
– القادة يقولون دائمًا إنهم لا يعلمون.
اقترب خطوة أخرى حتى صار على بعد ذراع منها، نظر في عينيها مباشرة وقال:
– أنا لستُ مثلهم، وإن كنت تكذبين عليّ… فلن أكون مثلكِ أيضًا.
ساد الصمت لثوانٍ، لم يسمع فيه سوى حفيف القمح. ثم أعادت غفران سيفها إلى غمده وقالت:
– سأمنحك فرصة واحدة… لكن إن خذلتنا، فسأكون أول من يطعن هذا السيف في قلبك مباشرة
ثم استدارت وسارت مبتعدة، تاركة خلفها وعدًا وتهديدًا في آن واحد، بينما بقي سليمان واقفًا في الحقول، يشعر أن الصراع القادم لن يكون فقط مع أعدائه… بل مع من يسعون لاختبار صدقه كل يوم. ليبتسم ويرحل