الفصل الخامس
"ضباب والميناء"
كان الفجر يتسلل ببطء إلى الميناء، أشعة شاحبة تخترق ستائر الضباب الكثيف الذي غمر الأرصفة والسفن. البحر بدا كوحش نائم، تتنفس أمواجه الثقيلة بصوت عميق، يرسل تموجاته الباردة نحو الشاطئ، بينما كانت صرخات النوارس تتردد في الفضاء الرمادي كأنها رسائل غامضة من عالم آخر. اختلطت رائحة الملح والزيت والسمك الطازج برائحة الخشب الرطب والحبال المشبعة بماء البحر، حتى بدا وكأن الهواء نفسه يحكي قصة المكان.
على طول الرصيف، تحركت ظلال البحارة بين السفن، تتعالى أصوات الحبال وهي تُسحب، وصفير القباطنة الحاد، وصوت حديد يضرب على خشب. شتائم تُلقى في الهواء، وضحكات سريعة متقطعة تتلاشى في الضباب. ومن بين تلك الحركة الفوضوية، ظهر رجل يجر خطواته بثقل، كتفاه منحنية كمن اعتاد حمل الأثقال، يرتدي رداءً أزرق باهتًا مهترئ الحواف، وعلى كتفه سلة صغيرة مملوءة بأصداف البحر، وفي يده شبكة قديمة مثقوبة. وجهه أسمر، ملامحه حادة لكنها مخفية خلف انكسار التعب، لحيته قصيرة متفرقة، وعيناه تلمعان بنظرة من يعرف أكثر مما يقول. لم يكن سوى الغريب، ولكن هذه المرة متقمصًا شخصية صياد فقير
عند طرف الرصيف، كان صف طويل من الأطفال النحيلين يحملون صناديق خشبية ضخمة، أكبر من أذرعهم الصغيرة. أقدامهم الحافية كانت تنزلق على الخشب المبتل، وظهورهم تنحني تحت ثقل الصناديق، بينما يراقبهم حراس غلاظ، يحمل أحدهم سوطًا طرفه المعدني يلمع في الضوء الباهت.
توقف الغريب أمام صبي نحيل بالكاد يستطيع رفع الصندوق، وجهه شاحب، عيناه متورمتان من السهر والجوع. انحنى الغريب حتى صار على مستوى عينيه، وصوته خرج خافتًا لكنه ناعم حنون و حازم في الوقت ذاته:
– إلى أين تحمل هذه الصناديق يا بني؟
أجاب الصبي وهو يلهث، عرقه يسيل على جبينه:
– إلى السفينة السوداء… يقولون إنها ستأخذنا إلى أرض بعيدة، بها طعام وعمل ونقود… لكن من يذهب إليها، لا يعود أبدًا.
ظل الغريب ينظر في عينيه، وكأنه يزن صدق الكلمات، ثم أخرج من جيبه صدفة بيضاء لامعة، ووضعها في يد الصبي وهو يقول :
– إذا حاول أحدهم إجباركم على الصعود… ارِ هذه الصدفة للبحّار العجوز عند الجسر الخشبي. هو يعرف ما تعني، وسيجد لك طريقًا للعودة.
رمش الصبي بعينيه متعجبًا، وسأل بصوت ضعيف:
– لكن… من أنت؟
ابتسم الغريب ابتسامة هادئة وقال وهو يبتعد، صوته يذوب في الضباب:
– مجرد صياد… يحب أن يرى البحر يعيد أبناءه إلى الشاطئ مجددا.
ثم اختفى بين الرجال والحبال، تاركًا الصبي ممسكًا بالصدفة وكأنه يمسك طوق نجاة.
"كلمات العرش"
في القصر، انسكبت أشعة الشمس عبر الزجاج الملون، تلون أرضية الرخام بأشكال من الأزرق والأحمر والذهبي. الملك سليمان جلس على عرشه الفضي، مائلًا قليلًا للأمام، عيناه تتحركان بين لفائف الشكاوى الموضوعة أمامه. بجانبه القائد نزار، طويل القامة، صدره منتفخ بدرعه الحديدي، وملامحه جامدة كالصخر وحاده
انفتح باب القاعة ببطء، ودخل بلال بخطوات محسوبة، يرتدي رداءً حريريًا قاتم اللون، أكمامه مطرزة بخيوط ذهبية، وخاتم عريض يلمع في إصبعه. انحنى أمام الملك، ثم قال بنبرة تحمل الحزن والقلق المزيف:
– مولاي… أحمل إليك أنباءً ليست ككل الأنباء، كلمات تجرح الأذن قبل القلب.
رفع الملك رأسه، صوته حاد:
– تحدث يا بلال.تعرفني لا أحب المقدمات
اقترب بلال خطوة أخرى، وصوته ينخفض قليلًا:
– في الأسواق، وفي الأزقة، وفي الميناء… يتحدث الناس عنك بسوء، يقولون إنك تفضل الغرباء على أبناء المملكة، وإن الذهب الذي نكدّه بعرقنا يذهب إلى مدن لا يعرفها أحد، بينما يبيت أبناء هذه الأرض جائعين.
ضاقت عينا الملك بعدم تصديق:
– ومن هؤلاء الذين يجرؤون على هذا القول؟
خفض بلال صوته أكثر، وكأن الحديث أصبح اعترافًا خطيرًا:
– هم كُثُر، يا مولاي… لكنهم لا يجاهرون إلا في الظلام، وإذا لم نُسكتهم، فسيأتي اليوم الذي يصرخون فيه في وضح النهار.
تدخل القائد نزار، صوته يحمل غضبًا كامنًا:
– مولاي، هذه أكاذيب، لكن العامة لا يحتاجون إلى دليل إذا كانت الكلمة مغرية، والباطل ملفوفًا بالرحمة هذه فتنه سُم يدس في اذن الشعب لأثار الضوضاء
أطرق الملك رأسه وقال:
– علينا أن نبحث عن اليد التي تزرع هذا الشوك… قبل أن يزهر سمّه يوجد خائن يبث هذه الاكاذيب لهدف الانقلاب.
ابتسم بلال ابتسامة باهتة وهو ينحني، يخفي في عينيه بريقًا خفيًا، ثم تراجع ببطء خارج القاعة.
"مجالس الليل"
في الأزقة الخلفية والحانات، ومع غياب الشمس، ارتفعت الهمسات بين الجالسين. رجال بلال كانوا في كل مكان، وجوههم مخفية بلحى وعباءات قديمة. على طاولة خشبية، كان يجلس رجل نحيل وقال بصوت مسموع:
– الملك باع أراضي المزارعين … لن يبقى لنا تراب نزرعه!
رد عليه آخر:
– سمعت أنه يجبر أبناء الفقراء على الخدمة في قصره، مقابل كسرة خبز.
وثالث قال:
– بل يخزن الحبوب، ولا يبيعها إلا للتجار الكبار، ليصدروها إلى الخارج.
وكانوا جميعًا يختمون بعبارة موحدة:
– سمعناها من فم الملك نفسه، يوم طرد وفد من التجار الذين يبعون بضاعتهم للفقراء
"الغريب يلتقط الخيط"
في حانة مظلمة قرب الميناء، جلس الغريب في زاوية بعيدة، مائلًا على شبكة ممزقة يتظاهر بإصلاحها. أذنه كانت تلتقط كل كلمة، عيناه تتحركان بهدوء بين الوجوه.
رجل ضخم الجثة قال بصوت مرتفع، ويده تضرب الطاولة:
– لم يعد الملك يهتم بنا! يرسل خير المملكة لغيرنا ويستعبد ابنائنا
رد عليه آخر، وهو يميل للأمام:
– أخشى أن تكون أيامه معدودة، الناس سئمت الصمت."
تدخل ثالث، صوته مملوء بالمرارة:
– سمعت أن بعض الحراس أنفسهم بدأوا يتذمرون، وأن هناك من يعد العدة لليوم الذي يسقط فيه الملك.
رفع الغريب نظره قليلًا، تتبع ملامحهم، ثم قال في نفسه:
– هذا ليس كلام سكارى… هذه خطة تُنسج، خيطها الأول هنا، وآخره في قلب القصر يوجد بيننا خائن وسأعرفه قريبا
"العاصفة تقترب"
مع اليوم الثالث، علم الغريب أن السفينة السوداء ستغادر ليلًا، تحمل الأطفال والحمولات المشبوهة. وفي الوقت نفسه، وصلت إليه أنباء عن احتجاجات في العاصمة. جلس على حافة الرصيف، عينيه على الموج، وقال:
– إسقاط سفينة لن يوقف العاصفة… لكن ربما يؤخرها قليلًا.
"في القصر"
اندفع القائد نزار إلى القاعة، سريعا صوته عالٍ:
– مولاي، الأسواق تغلي، الجموع تهتف ضدك، يتهمونك بالخيانة.
الملك بمراره:
– لم أخنهم… لكن إذا صدقوا الكذب، فالخطر صار في قلوبهم.
نزار، بنبرة حاسمة:
– المعركة في القلوب أخطر من ألف سيف يا مولاي .
"ظل على الموج"
في الليل، كان الغريب يجدف مبتعدًا عن الميناء، وخلفه السفينة السوداء تلتهمها النار. الأطفال الذين أنقذهم كانوا على الشاطئ. نظر الغريب نحو القصر وقال بصوت خافت:
– أحيانًا، أخطر الأعداء هم الذين يجلسون قرب العرش.وليس خارجه"
ثم واصل التجديف نحو الظلام.