رواية تاج في الظل - الفصل الرابع - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

"قافلة الأكاذيب" كانت الصحراء في ذلك الفجر تُشبه صدرًا عظيمًا يزفر برودة الليل ببطء، لتفسح المجال لوهج النهار. امتد الطريق الموحل بالرمال كخيط منسوج على صفحة لا نهائية، وعلى بعد أميال، كانت القافلة التي تحدّث عنها الغريب تسير ببطء، متثاقلة تحت ثقل أسرارها. هذه المرة، لم يكن الغريب يرتدي عباءة التراب. ظهر بزيّ شيخٍ بدويّ، لحيته طويلة بيضاء، على كتفه عباءة منسوجة بخيوط حمراء وسوداء، وفي يده عصا محفورة بنقوش هندسية قديمة. وجهه مخفي جزئيًا بغطاء رأس، وعيناه تبدوان كمن قرأ كل الحكايات وحفظ نهاياتها. وقف عند بئر مهجور على مسار القافلة، يعبث بحبل الدلو، وكأنه مجرد عابر طريق ينتظر جرعة ماء. حين اقترب أول راكب من القافلة، أوقف حصانه وسأل بحذر: – أيها الشيخ… ما الذي جاء بك إلى هذا الطريق المهجور؟ ابتسم الغريب ابتسامة شبه ساخرة وقال: – جئت لأستقبل قافلة الأكاذيب. تبادل الرجال نظرات مرتبكة، قبل أن يضحك أحدهم بصوت مجلجل: – أي أكاذيب تتحدث عنها ايها الشيخ العجوز؟ نحن تجّار، اشراف نحمل البضائع. اقترب الغريب ببطء، وغرز عصاه في الرمل، ثم قال بنبرة جعلت الضحكة تتبخر: – أعرف البضائع التي لا تجرؤون على عرضها في السوق. وأعرف أنكم ستجدون من يشتريها… إن وصلتم أحياء من الأساس. ساد الصمت، ولم يسمع سوى صفير الريح وهي تدور حول فوهة البئر. "الماء المسموم" اقترب الغريب من أول جمل، حيث كانت قِرَب الماء معلّقة. أمسك إحداها، فتحها، وشمّها بأستياء قال ببرود: – حتى الماء الذين تحملونه… مسموم. من يشربه، يفقد قوته قبل أن يبلغ نصف الطريق. ارتبك أحد الرجال، وحاول انتزاع القِربة من يده، لكن الغريب كان أسرع، فأفرغها على الرمال، حيث انبعثت منها رائحة كريهة جعلت الجميع يتراجعون خطوة. ماذا فعلت ايها المجنون... صاح بها قائد القافلة مزمجرا رد الغريب وهو يخط على الرمل بعصاه دوائر متداخلة: – أريكم ما تفعلونه… تأخذون الماء النظيف من أفواه الضعفاء، وتعيدونه إليهم سمًّا بطئ يمرضهم حتي الموت، ثم تبيعون أبناءهم بحجّة أنهم عبء. اقترب أحد الحراس، واضعًا يده على مقبض سيفه، لكن الغريب لم يتحرك. بل رفع رأسه ببطء، وعيناه تشعّان ببرود الصحراء عند النهار وقال: – إن رفعته… فلن تهبط يدك ثانيا تردّد الحارس، ثم تراجع خطوة إلى الخلف كان يشعر برهبه خفيه تشع من الغريب الواقف امامه "انقلاب الرمال" قبل أن يستعيد الرجال شجاعتهم، دوّى صوت قويّ خلف القافلة.التفتوا، فإذا بسيل من الرمال ينحدر من التلّ القريب، كأنه موجة صفراء تزحف. من قلب الغبار، خرجت ثلاثة خيول بلا فرسان، مذعورة، فهبت الجمال وارتبكت الصفوف. استغل الغريب الفوضى، وأخرج من جرابه الصغير حبلًا طويلًا، بدأ يرميه على أقفال العربات المربوطة، ثم يجرّها بقوة، حتى تنفتح واحدة تلو الأخرى. كان في أول عربة ثلاثة أطفال، وفي الثانية خمسة، وفي الثالثة… صندوق حديدي مليء بالأساور والخلاخيل التي كان اللصوص يضعونها في أرجل الصغار حتى يهربونها نظر الغريب إلى الصندوق، ثم ركله بقدمه، فتناثر محتواه على الرمال. قال بصوت مرتفع، كأنه يوجّه الكلام للسماء: – قيود الأطفال… لا يُبقيها في الأرض إلا من باع قلبه. "المواجهة" حين بدأ الأطفال في النزول، أحاط خمسة رجال بالغريب، سيوفهم مرفوعة. قال القائد، وهو يضغط على أسنانه ويصدر ضحكه ساخرا: – لن تخرج من هنا حيًّا ايها الشيخ العجوز الخرفان ابتسم الغريب، وغرز عصاه في الأرض مجددًا، ثم قال: – ربما… لكنكم أيضًا لن تخرجوا تجّارًا بعد الان . وفي لحظة، انبعث دخان كثيف من فتحة البئر خلفه، كأن الأرض تلفظ أنفاسها الأخيرة. اختلطت الصرخات بصهيل الخيول، وحين انقشع الغبار بعد دقائق، لم يكن الغريب بينهم. ولم يكن الصندوق بمحتواه الذي تناثر على الرمال موجود حتي الأطفال… كانوا قد اختفوا أيضًا وظلُ هم واقفين لم يقدرون على الخطي "المدينة تستيقظ" مع شروق الشمس، كانت شوارع المدينة تضجّ بخبر غريب: الأطفال المفقودون قد عادوا… ومعهم شيخٌ مجهول، قادهم حتى أطراف السوق ثم اختفى. في الساحة الكبرى، وُجدت عصا محفورة عليها نفس النقوش الهندسية التي شوهدت قرب البئر، ومعها ورقة: "من شرب من الماء المسموم… لا يلوم العطش، بل من سمّم النبع." "داخل القصر" وقف القائد نزار أمام الملك، يروي له ما حدث، والخرائط أمامه. قال الملك بهدوء : – أغلقوا جميع الطرق التي تمر منها القوافل… حتي تصبح المملكة أكثر أمانًا في قلوب الجميع. ثم نظر إلى الأفق من نافذة القاعة، كأنه يتتبع ظلًا يعرفه، وأضاف بصوت خافت لا يكاد يُسمع: – لا بد أن يسبقهم… وإلا سبقونا نحن إلى هلاكنا. "أثر على الرمال" في عمق الصحراء، بعيدًا عن أعين المدينة، جلس الغريب على صخرة، يبدّل عباءته القديمة برداء أزرق مزخرف، ويضع فوق رأسه قبعة قماشية ذات حواف عريضة. أمامه خريطة صغيرة، وعليها علامات حمراء على عدة مواقع. قال بصوت منخفض: – وجهتي القادمة… الميناء. هناك تُباع الأكاذيب على أنها تذاكر سفر تُنهي حياة الضعفاء ثم مسح العلامة الأولى بأصابعه، ونهض، تاركًا على الرمال أثرًا لخطوط عصاه… كأنها توقيع لا يقرأه إلا هو.