الفصل الثالث
"القافلة السوداء"
حين غابت الشمس خلف تلال الرمل، خرجت من البوابة الشمالية للمدينة قافلة من ستّ عربات مغطّاة بالقماش السميك، تجرّها خيول قوية، ويقودها رجالٌ لا يتحدثون كثيرًا، ولا يلتفتون حتى لمن يلوّح أو يسأل.
قال أحد الرعاة، وهو يرقبها من بعيد:
– تلك القافلة تمرّ كل خميس… لا أحد يعلم من فيها، ولا أين تنتهي.
ردّ شيخ بجواره، وهو يغمغم:
– لكننا نعلم ما تتركه وراءها… صمتًا في البيوت، ووسائد باردة بلا أطفال."
لم يكن في المدينة من يجرؤ على مساءلة القافلة، ولا أحد يعرف على وجه الدقّة من يُديرها. ولكن الأطفال… كانوا يختفون بعدها بأيام.
في هذه الليلة، لم تكن القافلة وحدها على الطريق.
كان هناك رجل، ظهر قبل الغروب بسويعات، في أطراف السوق الشرقي، يرتدي جلبابًا واسعًا بنيّ اللون، تغطّي وجهه عمامة تُخفي ملامحه إلا عينين متّقدتين يحملون هيبه ووقار لا يشبههما شئ رغم تخفي. قدماه حافيتان، وصوته هادئ حدّ الخوف.
فُتح بَسطة صغيرة أمام مسجدٍ مهجور، وعرض فيها بضع دُمى من قماش، وعصافير صغيرة منحوتة من الخشب، وأباريق فخارية. كتب على قطعة من القماش:
"لكل طفل يضحك. له هدية من طين الشمس"
اقترب منه طفلٌ يتيم، لا يتجاوز التاسعة، وعيناه مليئتان بالدهشة والخوف، وسأله:
– هل تصنعها بيدك؟"
أجابه الغريب دون أن ينظر إليه:
– نعم… لكن بعضها لا يُصنع، بل ينتظر صاحبه ليجده.
نظر الطفل إلى الدمية، ثم همس:
– هل هي تحمي صاحبها؟
قال الرجل بصوتٍ خافت:
– تحمي، إذا ضحكت لها بصدق. تريدها ان تحميك من من يا بني"
قال الطفل بتردد:
–من الأشرار الذين يخطفون الأطفال.
نظر له مطولا ولكن في تلك اللحظة، لمح الغريب على الطرف الآخر من السوق، رجلين يقودان جملاً بلا حمولة، ويتحدثان مع تجّار الخردة… بعينين تفحصان، لا تشتريان.
خفض صوته، وهمس لنفسه:
– العيون تتحرّك… وقلب السوق ينبض بالخوف.
ثم نهض، وجمع بضاعته، واختفى في الزحام لم يعلم حتي الطفل من اي طريق اختفي الرجل
"العيون التي لا تري"
في كوخٍ طينيّ بعيد عن مركز المدينة، اجتمع ثلاثة رجال في الظلمة، أحدهم ينفخ في نرجيلة صغيرة، والآخران يراقبان من ثقب في الجدار.
قال الأول بصوت خفيض:
– الرجل الجديد… لم يُخطئ طريقه.
أجابه الثاني:
– بل اختاره.
قال الثالث، وكان الأكبر سنًا:
– هذا ليس بائع دُمى… هذا رجل يعرف أكثر مما يقول.
صمتوا جميعًا.
لكن قبل أن يغادروا، سُمع صوت انفجار صغير، ليس في السماء، بل تحت الأرض.
ركضوا خارج الكوخ.
وحين عادوا، وجدوا الباب قد فُكّ من الداخل، ولم يكن هناك أحد.
على الطاولة، وُجدت دمية خشبية، تبتسم، وحول رقبتها وُضعت ورقة كُتب فيها:
من باع قلبًا… لن يجد روحه حين يحتاجها.
"قدوم الخطر"
في الليلة ذاتها، خارج حدود المدينة، توقّفت القافلة السوداء عند بئر قديم. أنزل الرجال الأغلفة، وفتحوا العربات.
كان بداخلها أطفال، مربوطي الأيدي، مكمّمي الأفواه، تتّسع أعينهم خوفًا، وتُسمع من بينهم شهقات مكتومة.
قال أحد الرجال:
– وصلنا أول المحطات. نترك اثنين هنا، ونأخذ البقية للحدود.
لكن قبل أن يفتحوا العربة الثانية، خرج صوت من العتمة:
– إن لم يفتح الباب من الداخل… فالنار ستفتحه من الخارج وستنال منكم جميعا
تجمّد الرجال، والتفتوا.
كان هناك رجلٌ واحد، يقف فوق تلّ رملي صغير، يحمل شعلة بيده، وعصًا في الأخرى.
صاح أحدهم:
– من أنت؟
أجابه الرجل، بنفس صوته الهادئ الذي لا يعلو:
– أنا ظلّ الذين لم يُولدوا بعد.
ثم رمى الشعلة على إحدى العربات المفرغة، فانفجرت بقوة، وتبعها صهيل الخيول، وارتباك الحُرّاس.
في لحظات، كانت اثنتان من العربات تحترقان، وفرّ بعض الرجال، بينما اقترب الرجل الغريب من العربة الثالثة، وفتحها، وفكّ قيود الأطفال.
قال لهم بهدوء:
– الطريق إلى البيت يبدأ بخطوة. خذوها… والباقي سأتمّه.
ركضوا الأطفال فارحين وظل هو واقفا يحدق فيهم ببتسامه واسعه
لكن أحد الرجال عاد، وفي يده قوس، وصوّبه نحو الغريب.
قبل أن يُطلق السهم، تقدّم طفل صغير لم يركض مع الأطفال وألقى بدمية خشبية نحو السهم، فانحرف الأخير وسقط جانبًا.
قال الغريب دون أن يلتفت:
– الضحكة الصادقة… تحرّف حتى الموت عن مساره شكرآ لك يا بني اسرع خطاك لتلتحق بالاطفال هيا
"عودة الابرياء"
في صباح اليوم التالي، استيقظت المدينة على مشهد لم يتوقّعه أحد.
أمام البوابة الرئيسية، اصطف عشرون طفلًا، تتقدّمهم فتاة صغيرة تحمل راية بيضاء مرسوم عليها طائرٌ ملوّن.
كانوا يمشون في صمت، ووراءهم عربات محترقة، وداخل إحداها… خريطة تُظهر طريق القافلة، ودوائر حمراء على مواقع "البيع".
عُلّقت فوقها ورقة:
"من لا يحمي أبناءه… لا يستحق أن يبني مملكته."
وصل الخبر إلى القصر في أقل من ساعة.
أما الرجل الغريب… فلم يُرَ في أي مكان.
لكن في زاوية السوق، تحت النافذة التي أطلّ منها الطفل اليتيم ذات يوم، وُجدت دمية أخرى، تبتسم… وتحمل نفس النقش:
"لكل طفل يضحك… حارس لا يُرى."
"قاعة العرش"
دخل الملك سليمان إلى القاعة، ووراءه القائد نزار، وأربعة من الحرس.
قال نزار:
– لم نجد أثرًا لهذا الغريب، لا بين القوافل، ولا في الطرق."
أجابه الملك، وعيناه ساكنتان:
– أحيانًا… لا يُطلب من الحارس أن يُرى، بل أن يُشعرنا بالأمان.
ثم نظر إلى الخريطة، وأضاف:
– ضع دائرة جديدة… في قلب المدينة. هناك، ظهر الأمل أول مرة.
ثم نهض، وأمر:
– افتحوا البئر… واعلنوا:
"لا تُباع الأجساد في ظلّ مملكة تعرف الله."
نزار يحني قليلا:
_السمع والطاعه يا مولاي
"عودة الظل"
في طرف الصحراء، جلس نفس الرجلٌ من جديد، يرتدي عباءة بلون التراب، وأمام خيمته الصغيرة… يضع دُمى، وحقيبة فارغة.
جاءه صبي، وسأله:
– من أنت؟
ابتسم الغريب، وأجابه دون أن يرفع عينيه:
– أنا من تحمله الريح… حين لا يجرؤ أحد أن يسير ضدّها.
ثم أشار إلى الأفق.
وقال:
– هناك، قافلة أخرى… لا تحمل سوى الأكاذيب. سأسبقها عود إلي منزلك ايها الصبي قبل ان يرأك احدهم ولم تخف
ثم نهض واختفى في الغبار