رواية تاج في الظل - الفصل الثاني - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

"السكون المائل" كان الليل يُلقي بظلاله على المدينة كغلالة مبلّلة بالخوف، لا هو بالسكون التام، ولا بالضجيج المألوف. في القصر، غطّت جدرانه هالة من الهدوء المُصطنع، كأنما تهمس الزوايا بأسرار لا تجرؤ على الخروج. وفي إحدى الزوايا النائية من المدينة، كان حيُّ "الكرّادين" يُشبه كتلة من الغضب النائم. الأزقة ملتوية، الروائح مختلطة، والأعين تراقب بلا ثقة. لا حرس، لا سلطة، لا شيء سوى فقرٍ لا يتكلّم. في وسط السوق، بجوار فرنٍ طُمست ملامحه، جلس رجلٌ غريب. ملامحه غير لافتة، لكنه بدا ثابتًا كصخرة. أمامه عصًا خشبية قديمة، وأصابعه تتحرّك على التراب ترسم دوائر وأشكالاً غير مفهومة. كان يهمهم بصوتٍ خافت، لا يُدرى أهو دعاء أم غناء أم شيء آخر. اقتربت منه امرأة ثلاثينية، تحمل بين ذراعيها طفلًا خامد الجسد. لم يتحرك، لم يفتح عينيه، لم يصدر عنه حتى أنين. قالت بتردد: – يا سيدي… سمعت أنك تُعين من ضاقت به السُبل… وهذا ابني، لم يعد ينهض. الأطباء قالوا: لا مرض فيه. لكنه لا يمشي، لا يأكل… فقط ينظر ولا يقول." لم يُجبها في البداية. مدّ يده إلى جبين الطفل، برفقٍ بالغ. ثم وضع أذنه على صدره كمن يُصغي لهمسة من عالم آخر. قال بصوتٍ واهن، لكنه واضح: –قدماه ليستا مريضتين. لكن ما يسري فيهما… أضعف من أن يحملهما. نظرت إليه باستغراب، وهمست: – كيف؟ ما الذي تقصده؟" أجاب دون أن ينظر إليها: – منذ متى لم تشربوا ماءً نظيفًا؟" تردّدت، ثم تمتمت: – منذ أُغلاق البئر. ولم تعد القوافل تأتي. قالوا إن الطرق لم تعد آمنة…" سكت برهة، ثم قال: – حين يُغلق النبع، لا تجفّ الأجساد فقط… بل الأرواح أيضًا. الطفل لا يمشي… لأن الطريق نفسه متحطم سكتت، وضمّت ابنها كأنها تخاف أن تتسرّب روحه من بين يديها. في هذه اللحظة، اقترب رجل ضخم الجثة، وقال بشكّ: – من أنت؟ وكيف تتحدث وكأنك تعرف كل شيء؟ من أرسلك؟" أجاب آخر بنبرة أكثر حدّة: – نحن لا نحب الغرباء. السوق له أهله، والسحر له ثمن. لم يتحرك الغريب. فقط قال بهدوء: – إن كنتم تخافون من الحكمة… فقد نسيتم ما الذي كُسر أولًا أنا لا اُريد منكم شيئا ولا جئت لا اتلصص انني مجرد بائع يشفي من حوله توقف الرجلان، لكنهما لم ينصرفا. فجأة، خرج من بين الظلال شيخٌ ضرير، حقيقي يتكئ على عصا مائلة. وجهه متجعّد، وثوبه قديم، لكن صوته كان ثابتًا: – اصمتوا جميعًا… هذا الرجل، لا أعرفه، لكن روحه… أعرفها. اقترب ببطء، ثم أضاف: – من أعطى بركته لطفل في عزّ الجفاف… لا يُسأل عن اسمه. بل يُشكر، ويُصمت الجميع." انكمش الجمع. أما الغريب… فقد نهض فجأة، وترك عصاه، واختفى كما جاء. لم ينتبه أحد إلى أين ذهب، فقط تبقّت آثار دوائره على التراب… تتلاشى مع الريح. "أجتماع تحت الأرض" في قبوٍ متهالك أسفل الإسطبل الملكي، اجتمع أربعة رجالٍ حول طاولة حجرية، يتوسطها بلال، ينفث الدخان من أنبوبٍ صغير، وأمامه خريطة متهالكة محروقة الزوايا. أشار بإصبعه إلى زاوية معينة، وقال: – هنا… بين الجناح الشرقي والمخزن القديم. هناك ممرّ لا يعرفه سوى من عملوا في الترميم الأخير. عند منتصف الليل، تنطفئ المشاعل. ونبدأ. سأله أحدهم: – وماذا عن الحرس؟ ابتسم بلال بسخرية: – نصفهم معنا… والنصف الآخر سيكون مشغول بالنار. تردّد آخر، ثم قال: – وإن ظهر هو؟ قال بلال، وعيناه تضيئان بحقد: – إن ظهر… فليكن أول من يسقط. وإن غاب… ندفن تاجه قبل طلوع الشمس. "النيران الخائنة" عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، انطفأت المشاعل كما خُطط تمامًا. انتشر الصراخ. ركض الحرس. اشتعلت نار في أحد المخازن. لكن قبل أن يكتمل الهلع، اخترق الصمت صهيلٌ قويّ، تبعه وقع حوافر غاضبة على الحجر. امتطى الملك سليمان جوادًا أبيض، بلا تاج، بلا راية، عيناه تلمعان كوميض في عاصفة. صرخ بصوتٍ آمر: – لا تُطفئوا النار… بل احصروها في من أشعلها ليكون عبره لكل خائن في دقائق، سُيطر على الحريق، واعتُقل رجلان. لم تُذكر أسماؤهما. وقف القائد نزار بنظره تحمل الدهشه والانبهار، يراقب الملك، ثم همس لنفسه: _ظهر قبل أن يُطلب… كأن النار نفسها خافته وخضعت لأوامره لكن الملك ما لبث أن اختفى بين الظلال مرة أخري "الصندوق" في صباح اليوم التالي، اجتمع القادة والوزراء في قاعة العرش. دلف الملك إلي القاعه بخطوات ثابته ووُضع صندوق خشبي صغير على المنصة. فُتح ببطء، وأُخرجت منه: 1. خريطة محروقة الحواف. 2. وثيقة بختم قديم فُقد منذ سنوات. 3. ورقة مكتوب عليها: "يدفن التاج الليلة" قال الملك : – لم نضع هذا الصندوق لنسمي خائنًا… بل لنُذكّر من خانه قلبه… أن الصدق أثقل من الذهب. ساد الصمت. لكن بين الجالسين، من بدأ جسده يرتجف… دون أن يُسأله أحد. "المسافر" عند الغروب، جلست نفس اليد التي رسمت الدوائر في التراب، أمام مرآة قديمة نحاسيه. أُخرج رداء جديد، وحقيبة صغيرة. لا هوية فيها… ولا سلاح. قيل إن هناك قوافل تُهاجم، وأطفال يُباعون في الخفاء. قال الصوت في الظلّ: – ليس كل عدو ينتظر أمام الباب… بعضهم يتسرّب من الصمت. ثم أُغلقت باب الغرفة خلفه. وظلّ الظل يتقدّمه… كما لو كان يعرف الطريق أكثر من صاحبه.