رواية تاج في الظل - الفصل الأول - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الأول

الفصل الأول

"حين يتكلم الظل" ما إن غادرت الشمس عرشها خلف الجبال البعيدة، حتى ارتدت المدينة ثوبًا من العتمة المحملة برائحة التعب… وهدأ كل شيء، إلا العيون التي لم تنم بعد. الأسواق أغلقت أبوابها منذ زمن، لكن الأزقة الضيقة ظلت تحتضن بقايا الخطى… عابرون بلا أسماء، وضجيج لا يزال عالقًا في الهواء، كأن اليوم لم يشأ أن يُنسى. في أحد أركان الحي العتيق، جلس شيخ يرتجف، التفَّ بعباءةٍ خشنة تشبه رداء النُسّاك، وعلى عينيه لفافة سوداء تُعلن العمى دون أن تؤكده. بدا كجزء من المكان، كأن الجدار استعاره لحظات ثم نسيه هناك. صمت طويل خيّم على الجوار، لم يقطعه سوى وقع خطوات صغيرة تسير بتردد. كانت طفلة لا تتجاوز العاشرة، تحمل في يديها سلة بها قطعة خبزٍ بائتة، ومدّت بها يدها نحوه بخجلٍ لا يشبه فقرها. قالت بصوتٍ خافت: – وجدت هذه في الفرن… لا أحد يراقب الآن. خذها، أنت تبدو جائعًا. رفع رأسه ببطء، كأن الزمن نفسه يثقله، ثم مال نحوها هامسًا: – حين يمنح الفقير… يغتسل الكون من قسوته. ثم دسّ في يدها شيئًا لامعًا. كانت قطعة ذهبية، صغيرة ولكنها تساوي في عيني الطفلة عمراً من الأمن. شهقت، لم تصدّق، تراجعت خطوة، ثم نظرت إليه بدهشةٍ ممزوجة بالخوف… لكنه كان قد أشاح بوجهه، كمن لا يريد أن يُرى. ركضت، وقد نسيت أن تشكره. مرت دقائق، مرّ خلالها شاب ضخم الجسد، حادّ النظرات، توقف أمام الشيخ وقال بتهكم: – ألا زلت تتسول أيها الضرير؟ كم من العيون تسكن خلف قماشك الأسود؟ لم يرد. فقط ابتسم كمن سمع شيئًا معتادًا، ثم قال بهدوءٍ لا يخلو من الحكمة: – الأعمى من لا يرى الظلم… حتى إن أبصر كل شيء سواه. ارتبك الشاب للحظة، ثم تمتم بشيءٍ لم يُسمع، ومضى. حين سكن الليل تمامًا، وتحولت العتمة إلى كفن، قام الشيخ. وخطا نحو زقاق خلفي ضيّق، خفيّ عن العيون تماما، تكسوه رائحة الطين والرطوبة. مدّ يده بين جدارين متلاصقين، ففتح بابًا صغيرًا كُتب عليه الغبار. دخل. الداخل كان أشبه بعالم آخر. غرفة صغيرة، في باطن الأرض، بها مرآة نحاسية شاحبة، ومغسلٌ من الحجر الرمادي، وسيف قديم مُعلّق على الجدار… هناك، خلع الشيخ عباءته، وأسقط القماش عن عينيه. لم يكن ضريرًا. كان وجهه مهيبًا، ناظرًا في المرآة بنظرة لا يشوبها انكسار… بل صمت الملوك. كان هو… سليمان، ملك مملكة اليمامة. في كل ليلة، كان يتقمص وجهاً جديدًا… تارة متسولًا، وتارة تاجرًا، وأخرى طبيبًا أو شاعرًا… لا ليتسلّى، بل ليبصر بعينٍ أخرى، ليتفقد ويسمع بما لا تقوله المجالس ولا يُكتب في التقارير. قال لنفسه وهو يغسل وجهه من غبار التنكر: – العدل لا يُرى من فوق العرش… بل من عيون الجائع حين يشبع. ثم جلس. لم يكن يرتدي تاجًا، ولا عباءة ملك، لكن كل شيء فيه نطق بهيبة الملوك دقّ الباب من الخارج، ثلاث طرقات متتالية. دخل رجلٌ بملابس الحرس، انحنى دون أن يرفع عينيه. – مولاي… القائد نزار يطلب لقاءك غدًا، يقول إن هناك تحركات مريبة من الممالك المجاورة. أومأ سليمان بهدوء، ثم قال دون أن ينظر إليه: – الرماح لا تقلقني إن كانت في أيدي أعدائي… بل حين أحسّ صليلها في قلب مملكتي." ثم أدار عينيه نحو المرآة من جديد. كان يرى فيها أكثر من وجهه… كان يرى ظلالًا تقترب. "مائدة من رماد" ما إن بزغ الصباح، حتى ارتدت القلعة الملكية هيبتها. عطر البخور ينساب من مشاكي الطين، وجلبة الخدم تملأ الأروقة، وكل حجر في القصر يُنذر بأن يومًا جديدًا قد بدأ… لكنه يوم لا يشبه غيره. جلس القائد نزار في قاعة العرش، مكانٌ لا يجلس فيه غير الملوك، لكنه لم يكن جالسًا على العرش، بل عند حافته، يضم كفيه فوق رقبتيه كمن ينتظر عاصفة. فُتح الباب، ودخل سليمان. لا تاج، لا موكب، لا استعراض… فقط خطواته كانت كافية ليقوم الجميع دون أمر. قال نزار وهو يقف: – مولاي… تحرّكات حدود الشمال لا تبشّر بالخير. مملكة الغساسنة أرسلت تعزيزات، وقافلة الأسلحة التي أرسلناها لقوات الجنوب… لم تصل. جلس سليمان دون أن يُظهر انزعاجًا. نظر نحو الخرائط الممدودة أمامه وقال: – الغساسنة لا يتحركون وحدهم… هناك أصابع خفية تعبث داخل جدران اليمامة. ثم التفت نحو نزار: – منذ متى لم يجتمع المجلس الداخلي؟ قال القائد بعد تردد: – ثلاثة أسابيع، يا مولاي. رد الملك، والبرودة تتسلل إلى صوته: – إذًا، ربما لم يبقَ مجلس من الأساس. "مجلس تحت السكين" في المساء، عُقد اجتماع مغلق في القاعة الحجرية السفلى. القادة الثلاثة الكبار، وبعض المستشارين، اجتمعوا حول طاولة طويلة تتوسطها شمعة واحدة فقط. بعضهم تحدث بصراحة، وبعضهم بصوت مكسور. لكن من كان يجلس في الظل، لم يتحدث. القائد بلال، أصغرهم سنًا، وأكثرهم مكرًا، مال بجسده قليلًا إلى الأمام وهمس: – مولاي… اسمح لي أن أقول… الملك لا يسمع إلا نفسه هذه الأيام. ارتفعت همسات مترددة. أحد المستشارين حاول التهدئة، لكن بلال تابع: – لم نعد نعرف عن المملكة إلا ما تقوله لنا عيناه المتخفّيتان في الليل. قال آخر: – أهو ملك؟ أم شبح؟ وقف نزار فجأة، قبضته تهتز على مقبض سيفه: – احذروا… أنتم لا تعرفون من تخاطبون." لكن سليمان لم يكن حاضرًا. ولم يكن غائبًا. ففي الزاوية البعيدة… حيث الظل أكثر كثافة، كان هناك رجل يستمع. "الحليف القديم" بعيدًا عن القصر، في مملكة تُدعى النور ، جلس ملكٌ أصلع الرأس، ضاحك العينين، واسع الجبهة، يُدعى الملك فهد. كان رجلًا يعرف سليمان منذ الصبا، ومن القلائل الذين شهدوا حروبه الأولى. دخل عليه مبعوث مسرع، يحمل رسالة مختومة بالشمع الأسود. كسر الختم، قرأ، ثم قال بصوتٍ مرتفع: – الملك سليمان… يُحذّرني من الخيانة… إذًا، قد بدأت. ثم نهض، ولوّح بيده: – أعدّوا جناحي الشمالي. مَن يطلب العون من فهد… لا يُرد. "أنذار بالعاصفة" في الليلة نفسها، تسلّل رجل إلى برج الحراسة في الجهة الشرقية من القصر. كان يحمل وثائق… وخريطة… وخاتم. وعلى عتبة البرج، التقى بآخر يرتدي عباءة من لون الليل. همس المتسلل: – لقد وقف بلال… والجنود الخمسة على البوابة السادسة معنا. كل شيء جاهز. رد الآخر، بصوت غليظ: – ليُدفن تاج اليمامة الليلة. ثم اختفوا كما ظهروا… صمتٌ بعده ريح. "السيف القديم" وقف سليمان في خلوته، أمام المرآة النحاسية القديمة. لم يكن يرتدي شيئًا ملكيًا. فقط قميص أبيض بسيط، وسيف مغطى بالقماش على ظهره. نظر إلى نفسه طويلًا. كانت عينيه حادتين، لكن خلف الحدة… خيبة، وحزن، وشعلة لا تزال تحترق. قال لنفسه: – العدو ليس مَن يعبر الحدود… بل مَن يعبر جدرانك بقلبٍ أسود بارد ثم التفت نحو السيف، وكشف عنه. سيف قديم… اسمه "هامس الصباح". حمله في حروبه الأولى. وسيحمله من جديد.