الفصل السادس: الهمس الذاخلي
جلستُ على الكرسي بخجل، ووضعتُ يديّ حول طبق الحساء الساخن، كانت رائحته وحدها كفيلة بأن تُذيب ما تبقّى من البرد في داخلي، طلبت مني المرأة أن آكل دون تردّد، وقالت إنني بأمان هنا، رفعتُ الملعقة بيدٍ مرتجفة وتذوّقت أول رشفة، وفجأة شعرتُ بشيءٍ ينهار في صدري، لم يكن الحساء وحده دافئًا، بل النظرات، والصوت الهادئ، والطاولة التي لم تطلب مني شيئًا سوى أن أكون طفلة، أكلتُ بصمت بينما كانت سمر تجلس قربي وتراقبني بابتسامة خفيفة،
بعد أن انتهيتُ من الطعام، شعرتُ بتعبٍ ثقيل يهبط على جسدي دفعة واحدة، وكأن كل ما حدث تلك الليلة قرّر أن يظهر أثره أخيرًا، طلبت مني المرأة أن أرتاح، وأشارت إلى غرفة صغيرة أُعدّت لي، دخلتُها بخطوات متردّدة، كان السرير بسيطًا لكنه دافئ، تمدّدتُ عليه وغطّيتُ جسدي جيدًا، وما إن أغمضتُ عينيّ حتى بدأ الصمت يعلو من حولي، صمتٌ لم يكن مخيفًا بقدر ما كان كاشفًا، وسمعتُ صوت الريح تعصف خلف النوافذ، تطرق الزجاج بعناد، فانسابت دموعي دون استئذان، وضعتُ يدي على صدري وهمستُ في داخلي: لو كنتِ موجودة يا أمّي، لكنا معًا الآن، أنا وأنتِ وأبي، لما وصلتُ إلى هذا المكان، ولما خفتُ من الليل ولا من البرد، كنتِ ستحضنينني بدل هذا الغطاء، وتقولين لي إن كل شيء سيكون بخير، لكنكِ رحلتِ، ومع رحيلكِ تفرّقنا، أبي لم يعد أبي، والبيت لم يعد بيتنا، وبقيتُ أنا أبحث عنكِ في كل دفءٍ غريب، ومع كل هبّة ريح خلف النافذة، كنتُ أشعر أن قلبي هو الذي يرتجف، لا الزجاج.