الفضول رحلة بين العوالم ج1 - مقدمة - بقلم سعد الجرموني | روايتك

اسم الرواية: الفضول رحلة بين العوالم ج1
المؤلف / الكاتب: سعد الجرموني
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: مقدمة

مقدمة

لم يكن آشر شابًا عاديًا كما قد يظنه من يراه لأول مرة، بل كان يحمل في أعماقه هدوءًا نادرًا، كأنما استقى روحه من سكون البحر في الصباح الباكر، قبل أن توقظه الشمس بصخبها. شاب نحيل، يتحدث قليلًا، لكنه حين يتكلم، تنبع كلماته من عقلٍ ناضج يفوق سنه بكثير. اعتاد السير وحيدًا، يرافقه كتاب أو سماعات أذن، بعيدًا عن ضجيج الرفاق ومشاكسات الأزقة. كانت حياته بسيطة، رتيبة ربما، لكنها كانت تعج بالأمان، وذلك النوع من الطمأنينة الذي لا يعرف المرء قيمته إلا حين يفقده. يقيم مع أسرته الصغيرة في حيّ هادئ، حيث يعرف الجيران بعضهم، وتغفو المدينة باكرًا. كانت أيّامه تمر بين مقاعد الدراسة، ومباريات كرة القدم في الحي، وساعات طويلة أمام التلفاز. لم يكن يبحث عن المغامرة، ولا يشتهي التغيير. كان راضيًا بتفاصيله الصغيرة، مكتفيًا بعالمه الضيق. حتى جاء ذلك المساء الذي قلب حياته رأسًا على عقب. كان جالسًا في غرفته، يراجع دروسه تحت ضوء خافت، حين دخل والده بخطى مترددة. جلس أمامه، ثم تنحنح قليلًا وقال بنبرة حاول أن يخفي ارتجافها: "آشر... علينا أن ننتقل. لقد حصلت على عمل جديد، لكننا سنضطر للانتقال إلى حيّ آخر." رفع آشر رأسه ببطء، وحدّق في والده كأنما لم يفهم ما سمعه. سأله بصوت خافت: "إلى أين؟" أجاب الوالد مترددًا: "إلى حي مولاي رشيد." سكت آشر طويلًا. حي مولاي رشيد؟! الاسم وحده كان كافيًا ليزرع القلق في القلب. فالحي معروف، بل سيئ السمعة، يشتهر بالعنف، وتجارة المخدرات، والانفلات الأمني. على النقيض تمامًا من الحي الهادئ الذي نشأ فيه. فقط ظلّ جالسًا، يحدّق في الجدار وكأنما يحاول أن يتخيل كيف ستكون الحياة هناك. لكن ما جدوى الاعتراض؟ لم يكن القرار بيده. جاء يوم الرحيل، رماديًا كما لو أن السماء تعاطفت معه. حزم أغراضه بصمت، ألقى نظرة أخيرة على غرفته، سريره، نافذته التي كان يشاهد منها الغروب كل مساء، ثم غادر. ركبت العائلة السيارة، ومع كل كيلومتر يبتعد عن الحيّ القديم، كان يشعر بشيء ما يُنتزع من داخله. كأنه يُقتلع من جذوره. عند مدخل حي مولاي رشيد، تغير كل شيء. شوارع ضيقة، مكتظة بالبشر، أصوات صاخبة، موسيقى تخرج من نوافذ المنازل بلا استئذان، جدران مغطاة بالكتابات ورسوم الغرافيتي، ووجوه شاحبة بعضها مريب، وبعضها غارق في الحزن. قال في نفسه: *"هذا عالم آخر... وأنا غريب فيه." وصلوا إلى المنزل الجديد، في زقاق جانبي. لم يكن سيئًا تمامًا، لكنه بلا روح. جدرانه باردة، ونافذته تطل على جدارٍ آخر. قضوا بقية اليوم في ترتيب الأثاث، وكل تفصيلة في المكان تذكره بما فقده. في صباح اليوم التالي، استيقظ باكرًا. ارتدى ملابسه على مضض، وتوجه رفقة والده إلى الثانوية الجديدة: *ثانوية مولاي إدريس*. كانت قريبة من المنزل، لكنها بدت له بعيدة كأنها في عالم آخر. استقبلهم المدير بابتسامة رسمية، وأنهى إجراءات التسجيل. ثم تركه والده وغادر، فبقي آشر واقفًا في الساحة، وسط عشرات الطلبة الذين لم يعرفهم، ولم يعرفوه. كانوا مختلفين في كل شيء: لهجتهم، أسلوبهم، نظراتهم. بدأ يمشي ببطء بين الأقسام، عينه تراقب، وأذنه تلتقط همسات متناثرة هنا وهناك. أحس بأنه في غابة، لا يعرف قوانينها، ولا من يسكنها. قال في سره: *"حسنًا... عليّ أن أكون يقظًا. هذا ليس مكاني بعد."* لكن في أعماقه، كان هناك نور صغير، خافت لكنه حاضر، يقول له: *"ربما... هنا ستبدأ قصتك الحقيقية."* ربما كان عليه أن يضيع أولًا، ليجد نفسه. وربما، خلف هذا الركام، ستولد حكاية لم يكن يحلم بها يومًا. مرت الأسابيع الأولى في الحي الجديد ببطء ثقيل، كأن الزمن قرر أن يعاقب آشر على انتقاله. لم يكن سهلًا عليه أن يتأقلم مع الوجوه الغريبة، ولا مع الأحاديث التي لا تشبهه، ولا حتى مع الضحك العالي في الممرات. كان يحضر دروسه، يجلس في المقاعد الخلفية بصمت، ثم يغادر فور انتهاء الحصص دون أن يلتفت كثيرًا. لم يكن خائفًا، لكنه لم يجد بعد شيئًا يُشبهه، أو أحدًا يفهمه. ذات صباح، وبينما كان يتنقل بعينيه بين الوجوه كعادته، استوقفت نظره فتاة لم يرَها من قبل. كانت واقفة تحت شجرة في ساحة المدرسة، تحمل كتابًا صغيرًا وتقرأ، بينما كانت ضحكات الطالبات من حولها تملأ المكان. لم تكن تضحك، ولم تكن منعزلة أيضًا. كانت كأنها تنتمي إلى عالم مختلف… عالم يشبهه هو. اسمها *مريم*، علم بذلك لاحقًا. فتاة هادئة، أنيقة دون تكلّف، وذات حضور لا يُنسى. أعجب بها على الفور، ليس لأنها كانت جميلة فقط، بل لأنها بدت وكأنها تعرف طريقها وسط الفوضى، بينما هو لا يزال تائهًا. لكنه لم يتحدث إليها أبدًا. لم يجد الجرأة، ولا المبرّر. كان يكتفي بأن يراها من بعيد، أن يراقب كيف تقلب صفحات كتابها، أو كيف تنظر إلى السماء في لحظة شرود. وفي إحدى الحصص، كان جالسًا كعادته خلف الجميع، حين جلس بجانبه شاب طويل القامة، نحيل، بعينين مليئتين بالفضول. بادره بالحديث قائلًا: — "هل تقرأ؟" تفاجأ آشر من السؤال، لكنه أجاب بصوت خافت: — "أحيانًا… لماذا؟" ابتسم الشاب وقال: — "لأنك تبدو كمن يهرب إلى الكتب، لا إلى الناس." ضحك آشر، ربما للمرة الأولى منذ قدومه إلى الحي، وقال: — "ربما." كان ذلك الشاب يُدعى *حمزة*. طالب جديد هو الآخر، لكنه بدا أكثر جرأة، وأكثر تصالحًا مع التغيير. كان يحب القراءة، خاصة الروايات الفلسفية، ويتحدث عن كتّاب لم يسمع آشر بأسمائهم من قبل. تحدثا طويلًا في ذلك اليوم، ومنذها بدأت صداقة غير متوقعة تنمو بينهما. كان حمزة مختلفًا عن باقي التلاميذ. لا يهتم بالمظاهر، ولا يعير القيل والقال اهتمامًا. لكنه كان ذكيًا، حاد الملاحظة، وقادرًا على اختراق الصمت الذي يحيط بآشر. كان يطرح أسئلة لا يطرحها غيره، ويستمع كما لو أن كل كلمة تقال تستحق أن تُحفظ. مع مرور الوقت، أصبح لآشر ملاذ. لم يعد وحده. كانت أحاديثه مع حمزة متنفسًا، وساعات المطالعة المشتركة متنفسًا آخر. لكن شيئًا ما ظلّ معلقًا في قلبه… مريم. يراها كل يوم، وتراه. أحيانًا تلتقي أعينهما لثوانٍ، لكنها تسرع بصرف نظرها، دون أن تبتسم أو تُبدي أي اهتمام. أما هو، فكان يكتفي بالسكوت… وفي قلبه كلام كثير.