في كنف الجد .......ملاذ الطفولة
" the writer Aridj "
.
.
.
بعد أن أطفأت الحياة أنوار حضن أمه آمنة رضي الله عنها، وتركته يتيمًا صغيرًا لا يملك سوى براءة عينيه وصفاء قلبه، سار قَدَمُه الصغير نحو حياة جديدة، نحو دارٍ تضم بين جدرانها دفءَ الحكمة وطمأنينة الحماية. كان ذلك اليوم حين التقط جده عبد المطلب يد حفيده، فتعلّق قلبه الصغير بملامح الرجل الكبير، الذي حملت عينيه أثر الزمان وتجاعيد التجارب، لكنه كان ملاذًا آمنًا يلوذ إليه يتيمٌ صغير لا يعرف سوى الحزن والحنين.
في بيت جده، كان كل شيء جديدًا بالنسبة له؛ رائحة الدار القديمة، صوت الأبواب وهي تُفتح وتُغلق برفق، وخشونة الأرض تحت قدميه الصغيرة. لكن قلبه الصغير شعر بالطمأنينة، كما لو أن هذه الجدران كانت تعرفه منذ الأزل، وكأنها تحتضنه كما تحتضن الشمس شعاعها الأخير قبل الغروب.
كان عبد المطلب يراه بين الحين والآخر جالسًا عند قدميه، يُسرد له قصص مكة، عن الكعبة، عن الأجداد، عن الأيام التي كانت تمر على قلوب الناس بالحب والخوف والرجاء. وفي كل قصة، كان النبي ﷺ يسمع بعينيه المفتوحتين وقلبه النابض، فيستوعب معانيها البسيطة والعميقة في الوقت نفسه.
كانت أيامه مع جده مزيجًا من الرقة والانضباط، من الحنان والصبر، من الحب والتوجيه. تعلم النبي ﷺ كيف يكون قلبه صافيًا ونقيًا، وكيف تكون الطاعة والاحترام شعاعًا يضيء الطريق، وكيف أن الأمن والأمان يمكن أن يُولد حتى بعد أصعب الخسارات.
وفي ليالي مكة الطويلة، عندما يهدأ صوت الأسواق ويغمر الدار صمت الليل، كان النبي ﷺ يستلقي على فراشه الصغير، يستذكر وجه أمه، ويجد في حضن جده ملاذًا آمنًا يحميه من برد الوحدة. كانت تلك الليالي دروسًا في الصبر، وفي الثقة بأن الله سبحانه وتعالى لا يترك أحدًا وحيدًا مهما صغرت سنه أو كبرت محنته.
وهكذا، بين دفء الجد، وصبر الأيام، وبسمة الحنان التي لا تفارق قلبه، نما النبي ﷺ، يتعلم معاني الرحمة، ويشعر بقوة الروابط الأسرية، ويستعد لرحلة الحياة الطويلة التي سيضيء فيها العالم كله بنوره، مستقبلًا أعظم البشر، لكن لا يزال قلبه الصغير يحتفظ ببراءة الطفولة وروعة البراءة الأولى.