بيننا خيط لا ينقطع - الفصل الثالث والستون - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث والستون

الفصل الثالث والستون

" the writer Aridj " . . . ما إن توقفت السيارات أمام المبنى حتى خفَتَت الأصوات داخلهم، وحلّ مكانها صمتٌ ثقيل، صمت يشبه الوقوف أمام امتحان لا تُعرَف أسئلته. ترجّلوا تباعًا، رفعت أماني رأسها نحو الواجهة الزجاجية الشاهقة، تنفست بعمق، ثم تقدّمت بخطى ثابتة. دخلوا البهو، حيث البرودة المصقولة، والوجوه العابرة، وكل شيء يوحي بالهيبة والانضباط… إلا القلق الذي تسلل إلى صدورهم. توجهوا نحو المصعد، ضغطت أماني الزر، فصدر صوته المعدني وكأنه إعلانٌ لبداية مرحلة جديدة. دخلوا المصعد. انغلقت الأبواب ببطء، وبدأ الارتفاع. ساد صمت قصير، قطعه خالد وهو يحاول التخفيف /أحس المصعد أرحم من اللي فوق. ابتسمت أماني بخفة، بينما قال رعد بنبرة هادئة لكنها مشدودة /ركّزوا… اللي جاي مو سهل. ارتفع المصعد طابقًا بعد آخر، وكل رقم يضيء كان يضاعف التوتر في صدورهم، حتى توقّف أخيرًا. فُتحت الأبواب.....ممر طويل، جدرانه رمادية، وصوت خطواتهم يتردد فيه بوضوح. توقفت أماني أمام باب مكتب سلطان ولكن ھذھ المرة لم تدخل مباشرة ؛ طرقت طرقات خفيفة، فجاء صوته من الداخل ببرود /ادخلوا. دخلوا. كان سلطان جالسًا خلف مكتبه، ظهره مستقيم، ونظرته ثابتة كأنها تزنهم واحدًا واحدًا. لم ينهض، لم يبتسم، فقط رفع عينيه ببطء. قال بنبرة متعمدة الاستفزاز /أها… المجموعة الكاملة. توقعت واحد منكم يتأخر… أو ينسحب. لم يرد أحد. ابتسم سلطان ابتسامة جانبية وقال /حلو. هذا أول اختبار… الصمت. وقف، اقترب منهم خطوة خطوة، ثم توقف أمام خالد /إنت… شكلك متحمس زيادة. الحماس الزائد عادةً ينتهي بخيبة. ثم التفت إلى رعد /وأنت… هدوءك هذا؟ يا إما قوة… يا إما خوف متقن. وأخيرًا نظر إلى أماني، طويلًا /أما إنتِ… فلا زلتِ مقتنعة إنو مكانك هنا؟ رفعت أماني ذقنها وقالت بثبات /أنا هنا لأنكم قبلتوني. ضحك سلطان ضحكة قصيرة بلا مرح /نشوف كم يطول هذا القبول. أشار بيده نحو الباب /اتبعوني. خرجوا خلف سلطان عبر ممرٍ جانبي، وما إن فُتح الباب الحديدي حتى اندفعت إليهم هواء بارد بعض شيء...... ساحة تدريب مفتوحة، واسعة، قاسية الملامح. أبراج عالية تتدلّى منها الحبال، جدران تسلّق متفاوتة الارتفاع والخشونة، منصّات للرماية مصطفّة بدقة، ومضمار عسكري طويل مليء بالعوائق، الرمل، الحفر، والحواجز. وقف سلطان في منتصف الساحة، أدار لهم ظهره لحظة، ثم استدار فجأة وقال / ھذا المكان اللي يكشف الحقيقة… هنا ما ينفع الذكاء لوحده، ولا القوة لوحدها. أشار بيده إلى الأبراج /نبدأ بالتسلق. واحد واحد. تقدّم خالد أولًا. كان الحبل يهتز تحت يديه، وسلطان يراقبه بنظرة باردة، ثم قال فجأة /لا تعتمد على سرعتك… لأنك إذا طحت، ما راح ألحقك. زاد توتر خالد وغضبھ من استصغار سلطان لھ، لكنه أكمل، حتى نزل أخيرًا، يلهث. ثم جاء دور رعد. تسلّق بهدوء، حركة محسوبة، دون تسرّع. علّق سلطان بصوت مسموع /الهدوء ممتاز… بس لا يتحول لجمود. نزل رعد دون رد. وأخيرًا أماني. ما إن أمسكت الحبل حتى قال سلطان بنبرة تحمل استفزازًا متعمدًا /إيه صح… نسيت. إنتِ متدربة من قبل، صح؟ توقفت لحظة، ثم قالت بثبات /نعم. ابتسم ابتسامة جانبية /ممتاز… يعني أعيد تدريبك من الصفر، عشان أتأكد إنك ما نسيتي. بدأت التسلق، خطواتها واثقة، جسدها يعرف الحركة، لكن سلطان لم يتركها. /أسرع… لا، أبطئي… ركزي… أنهت النزول دون خطأ، لكن التعب كان واضحًا. انتقلوا بعدها إلى جدران التسلّق. غيّر سلطان التعليمات فجأة، مرة يطلب تغيير المسار، مرة يأمرهم بالتوقف منتصف الجدار. كان يقيس ردّات فعلهم، لا قوتهم فقط. الآن... الرماية. وقف خلفهم واحدًا واحدًا، يهمس بكلمات تشكك في التركيز /إيدك ترتجف… شكلك متوتر… تفكيرك مشتت. ومع كل محاولة، كان يبدّل الهدف فجأة. وأخيرًا المضمار العسكري. ركض، زحف، قفز، تسلق، سقوط، نهوض. الغبار علق بملابسهم، والعرق أثقل أنفاسهم، وسلطان يسير بمحاذاتهم دون أن يتعب. قال وهو يراقبهم /التعب اللي تحسون فيه الآن؟ هذا اختبار نفسي قبل ما يكون جسدي. تبادل الثلاثة نظرات سريعة، صامتة، لكنها مليئة بالإصرار. عرفوا أن سلطان لا يدرّبهم فقط… بل يحاول كسرهم. لكنهم، رغم الإرهاق، أكملوا حتى النهاية. وقف سلطان أخيرًا أمامهم، وقال ببرود متعمّد /مو سيئين… بس لسه ما اقتنعت. ثم استدار مبتعدًا، تاركًا خلفه ساحةً مفتوحة، وثلاثة متدربين يدركون أن هذا المكان لن يمنحهم شيئًا بسهولة… لم يمنحهم وقتًا لالتقاط أنفاسهم...... توقّف على بعد خطوات، ثم التفت فجأة وكأنه تذكّر شيئًا متأخرًا، وقال بنبرة باردة /على فكرة… اللي خلص التدريب ما يعني إنه نجح. تبادلوا نظرات سريعة، قبل أن يشير بيده إلى طرف الساحة حيث تتقاطع المسارات /نرجع نعيد… لكن بطريقة مختلفة. اقترب من لوحة معدنية مثبتة على عمود، ضغط زرًا، فاشتغلت صافرة قصيرة حادة. قال /من الآن، كل واحد فيكم لحاله. تجمّد خالد قليلًا. قال رعد بهدوء /يعني بدون ترتيب؟ ابتسم سلطان ابتسامة خالية من أي طمأنينة /يعني بدون دعم… بدون تشجيع… وبدون أخطاء. وجّه خالد نحو مسار مليء بالحواجز المنخفضة والزحف تحت الأسلاك. قال له وهو يشير بيده /إنت تبدأ هنا. وأي تردد… محسوب عليك. ثم التفت إلى رعد /أنت الرماية المتحركة. الأهداف ما راح تثبت، مثل الحياة. وأخيرًا نظر إلى أماني، نظرة أطول من اللازم /وأنتِ… برج الحبال والجدار مع بعض. رفعت حاجبيها وقالت بثبات /مع بعض؟ قال ببرود /إيه. خلينا نشوف تدريبك السابق كم باقي منه. تحرّك كل واحد نحو مساره. لم يعد في مقدورھم ان يبقو قريبين من بعضھم ، لكنهم كانوا يتبادلون نفس الشعور ....الإصرار ،العزيمة والإرادة. خالد كان يزحف، الرمل يدخل عينيه، وصوت سلطان يأتيه من الخلف /أسرع… العدو ما ينتظر أحد. كان يخطئ، يعيد، يتعثر، ثم ينهض، وكل مرة ينهض أسرع. رعد وقف أمام بندقية الرماية.الأهداف تتحرك، والريح تغيّر اتجاهها. وقف سلطان خلفه وقال بصوت منخفض /لو ترددت ثانية زيادة… راح تضيع الفرصة. شدّ رعد على نفسه، ركّز، تجاهل الصوت، وأصاب الهدف. لم يعلّق سلطان… وهذا كان أكثر إزعاجًا من أي انتقاد. أما أماني… كانت تتسلّق الحبال، تنتقل مباشرة إلى الجدار، عضلاتها تصرخ تعبًا، وذاكرتها تستعيد تدريبات القديمة. قال سلطان من الأسفل /واضح إنك فاكرة نفسك أقوى من غيرك. ردّت وهي تواصل الصعود، أنفاسها متقطعة لكن صوتها ثابت /واضح إنك تحب تستفز. ساد صمت قصير، ثم قال /انتبهي… الغرور أول طريق السقوط. أنهت المسار، ونزلت، قدماها بالكاد تحملانها، لكنها وقفت مستقيمة. جمعهم سلطان مرة أخرى في منتصف الساحة. تأملهم واحدًا واحدًا، ثم قال /تعرفون وش اللي شفته؟ لم يرد أحد. قال /شفت ناس متعبين… لكن لسه ما انهاروا. اقترب خطوة /وهذا يزعجني. رفعت أماني نظرها إليه، وقالت بهدوء /مو مطلوب نرضيك… المطلوب نثبت نفسنا. توقّف لحظة. ابتسامة خفيفة مرّت على وجهه ثم اختفت سريعًا. قال /لسه بدري على الإثبات. نظر إلى ساعته، ثم أشار إلى بوابة الساحة /توقف اليوم. بكرة نكمل. استدار وغادر، تاركًا خلفه ساحة صامتة، وقلوبًا تخفق بقوة. جلس خالد على الأرض وهو يلهث /إذا هذا تسخين… وش بيكون التدريب الجدي؟ ابتسم رعد ابتسامة خفيفة وقال /نفسه… بس أقسى وأوحش نظرت أماني إلى السماء، ثم قالت بهدوء /ما راح ننهزم. وفي تلك اللحظة، كانوا يعرفون أن سلطان لم يعد مجرد مدرّب مستفز… بل اختبارًا مستمرًا، وأن كل يوم قادم سيطلب منهم أكثر مما يتوقعون.