الفصل الثالث: وشاح في العتمة
كنتُ أمشي بلا اتجاه، قدماي تحملان جسدي فقط لأن التوقف كان يعني السقوط.
الشارع طويل،والمصابيح القليلة فيه ترتجف كما كنت أرتجف.الشتاء كان قاسيًا،
ريح باردة تعصف بمعطفي الخفيف،وأصابعي فقدت الإحساس بها.تعبت…
فجلستُ على الرصيف،وضممتُ ركبتيّ إلى صدري كطفلة تحاول أن تصغر
حتى لا يراها العالم وفجأة…
شعرتُ بشيء دافئ يلتفّ حول كتفيّ
ارتجفتُ،
رفعتُ رأسي بخوف،
فإذا بامرأة تقف أمامي،
ملامحها هادئة،
وعيناها مليئتان بالدهشة والقلق
قالت بصوتٍ منخفض: «ماذا تفعلين هنا في هذا الليل؟أليس لديكِ منزل؟إنه شتاء…»
لم أعرف ماذا أقول الخوف شد لساني،لكن شيئا ما في داخلي…كان متعبًا جدًا من الصمت همستُ، وصوتي كان أضعف من الريح: «أبي…أبي أخرجني من المنزل.»
تغيّر وجهها لم تشكك،لم تسأل كثيرا،فقط قالت بحزم ممزوج بالرحمة: «تعالي معي.
لا يجوز أن تبقي وحدكِ هنا الليل موحش…والناس لا ترحم.»تراجعتُ خطوة.
الخوف عاد ينهشني.كيف أصدق امرأة لا أعرفها؟كيف أذهب معها وأنا بالكاد أجرؤ على الثقة بالعالم؟قلتُ بسرعة: «لا… لا أريد…»ابتسمت ابتسامة صغيرة،
لم تقترب كثيرا،وكأنها تحترم المسافة بين خوفين. قالت: «لا تخافي.
لن أؤذيكِ لديّ طفلة صغيرة مثلكِ…ولو كانت مكاني،لتمنّيتُ أن تجد من يحميها.»
ثم فعلت شيئًا لم أكن مستعدة له…اقتربت،وضمتني إلى صدرها كان العناق دافئًا،
صادقا،وكأنني عدتُ—للحظة قصيرة—طفلةً لها أم لا أعلم كيف توقّف خوفي،
ولا متى توقفت عن الارتجاف،ولا كيف نهضت معهاومشيتُ بجانبها
نحو مكان لم أكن أعرفه.
كل ما أعرفه…أنني في تلك الليلة،لم أنقذ من البرد فقط،بل من الضياع.