ابنة المافيا ( الغريبة السادسة ) - الفصل التاسع - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: ابنة المافيا ( الغريبة السادسة )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع

الفصل التاسع

المطار في جنيف كان في حالة استنفار هادي، الطيارة الخاصة هبطت في مكان بعيد عن عيون الناس والزحمة. الأجواء كانت باردة، وضباب الصبح مغطي المدرج، لحد ما انفتح باب الطيارة وظهر هو. فؤاد الغريري نزل بخطوات واثقة، رزينة، خطوات رجل عارف إن الأرض اللي بيدوس عليها ملكه. كان لابس بدلة فخمة مخططة وقميص أبيض بياقة عالية، ملامحه فيها وقار السنين وقسوة التجارب، ونظراته حادة ومركزة. كان شايل حقيبة سفره الجلد بإيده، وبصورة تعكس هيبته وشموخه كواحد من كبار المافيا. أول ما وصل لنهاية الممر، لقى قدامه سيباستيان، رجل ثقته وصديق عمره اللي مبيفارقوش، واقف قدام العربية السوداء الفخمة. سيباستيان انحنى بخفة وأخد منه الشنطة بتقدير "حمد لله على السلامة يا فؤاد بيه.. نورت جنيف، طمني الرحلة كانت عاملة إيه؟" فؤاد رسم ابتسامة هادية على وشه، ابتسامة نادرة مبيشوفهاش غير المقربين منه، ورد بصوته العميق "الله يسلمك يا سيباستيان، الرحلة كانت كويسة.. طمني، إنت أحوالك إيه؟" ركب فؤاد في المقعد الخلفي للعربية اللي مفيش مخلوق غيره بيركبها، وقبل ما سيباستيان يدور المحرك، التفت له وقال "فؤاد بيه.. التليفون اللي في العربية مبطلش رن طول الأسبوع." كان يقصد التليفون القديم اللي فؤاد مخبيه من سنين جوه العربية دي بالذات. سيباستيان ناوله التليفون، ورغم إن فؤاد بيغير موبايلات كتير، إلا إن الرقم ده كان "حالة خاصة" جداً بالنسبة له. فؤاد فتح التليفون ولقى مكالمات كتير من رقم مجهول، بس هو كان الوحيد المتسجل في القائمة دي. بص للرقم وسرح لثواني، وكأنه عرف خلاص مين اللي بيحاول يوصله بعد كل السنين دي. سيباستيان بدأ يتحرك بالعربية في هدوء تام، متجه للقصر الكبير، حيث الكل في حالة طوارئ؛ عائلة الغريري، ورجاله، والخدم كلهم واقفين في انتظار "البوص" . ______ في أوضة التوأم، الأجواء كانت هادية بس فيها لمسة من التوتر المكتوم. ليون كان متسطح على سريره، الموبايل في إيده مش راضي يسيبه لحظة، وكان خلاص جهز نفسه ولبس أفخم ما عنده استعداداً لوصول "البوص". على الناحية التانية، نيكس كان قاعد في عالمه الخاص قدام الحاسوب، السماعات محطوطة على ودانه كعازل بينه وبين العالم. ورغم بروده المعهود، إلا إنه لاحظ حاجة غريبة؛ ليون كل شوية يضحك ضحكة "هبلة" وبلا سبب، وكأنه فايق ورايق بزيادة. نيكس بصله بنظرة جامدة ومن غير ما يتكلم كأنه بيقوله "في إيه ؟" ليون أول ما حس بنظرات أخوه، ضم الموبايل لصدره بسرعة زي اللي خايف على كنز، ولسه الابتسامة منورة وشه "مفيش.. مفيش حاجة." نيكس هز راسه بقلة حيلة ورجع لحاسوبه تاني بلا اهتمام، بس فجأة لقى ليون واقف فوق راسه. ليون من النوع اللي لو فرح بحاجة لازم يوريها للكون كله، مبيعرفش يشيل السعادة لوحده. شاور لنيكس بإيده عشان يشيل السماعات، ونيكس شال واحدة وهو مستني يسمع الحكاية. ليون بملامح كلها حماس وأدرينالين واصل للسما، قال بصوت واطي ومتحمس "عشان إنت توأمي وحبيبي، هشاركك كنزي الجديد." نيكس بصله ببرود، الادرينالين عنده مبيتحركش أصلاً، بس سكت عشان يشوف ليون شايل إيه. فتح ليون الموبايل وبدأ يوريه الصور اللي صورها لـ "كاريل" امبارح وهي بتقيس الهدوم في المول. كانت صور عفوية جداً، أغلبها كاريلا مكنتش واخدة بالها فيها، وصور تانية كانت ليهم هما الاتنين مع بعض وهما بيضحكوا. نيكس كان بيبص في الصور بجموده المعتاد، بس أول ما شاف صورتها وهي لابسة الفستان "التايجر" الرقيق والقميص الأبيض، عينيه برقت للحظة. ملامحها البريئة والمسالمة كانت غريبة على عينيه، وكأنه أول مرة يشوف "كائن" بالرقة دي في عيلة الغريري. بس بسرعة البرق، نيكس أشاح بوجهه ودارى نظراته. ليون مأخدش باله من صدمة أخوه، وفضل يتكلم بابتسامة واسعة عن يومهم في التسوق "شوفت يا نيكس؟ البنت دي لو كانت أطول شوية، كانت قدرت تبقى عارضة أزياء مشهورة زيي، ملامحها فعلاً فوتوجينيك!" نيكس ماردش، رجع السماعة لودنه تاني ورجع لوضعه "المبرمج" قدام الشاشة، بس الحقيقة إن خدوده الشاحبة كانت احمرت شوية ، وصورتها وهي لابسة البالطو الوردي والبيريه أو حتى إطلالتها الرسمية بالشعر الطويل كانت لسه محفورة في دماغه، رغم محاولته إنه يبان مش مهتم. _____ في الفندق، كاريلا كانت زي النحلة اللي محبوسة في قفص، رايحة جاية في الأوضة وعينيها مش بتفارق الباب، مستنية أي خبر يبرد نار قلقها. كانت لابسة ومجهزة نفسها، بتفكر في "فؤاد الغريري"؛ هل هيقابله عائلته الحقيقية الأول؟ أكيد ! وأصلاً هل هو يعرف إن ليه بنت اسمها كاريلا؟ إزاي نسيت تسأل أمها "حياة" السؤال ده؟ لو كان عارف، ليه مسألش عنها كل السنين دي؟ مجرد الخاطر ده حسسها بنغزة في قلبها وكأن روحها بتتعصر. أما ديمتري، فمن ساعة ليلة المتجر المرعبة مظهرش، وهي نامت من كتر التعب ومحستش بحاجة، وتوقعت إنه أكيد راح يستقبل فؤاد، لأنه بيعتبره والده هو كمان. في اللحظة دي، عربية فؤاد الغريري السوداء كانت بتقتحم بوابة القصر بهيبة تخلي الحجر ينطق. سيباستيان وقف العربية قدام المدخل الرئيسي، ونزل فؤاد بخطواته اللي ليها رنة مميزة على الرخام. أول ما رجله لمست الأرض، كل الرجال الواقفين، من أول الحرس لحد البستاني، وطوا رؤوسهم باحترام ورهبة، والترحيب كان "همس" مهيب يليق بمكانته. دخل فؤاد بهيبته المعتادة لبهو القصر، وهناك كانت العيلة كلها "رصة واحدة" زي لوحة مرسومة بالمسطرة. زوجته الجميلة ماريا كانت واقفة في النص بكبرياء، وجنبها "الكتيبة"؛ ماركوس بهدوئه المرعب، كاسبار بابتسامة الانيقة سيلفان، والتوأم ليون ونيكس اللي كانوا في قمة شياكتهم. الخادمات كانوا واقفين على الأطراف زي التماثيل، مفيش نفس بيطلع. أجواء الاستقبال كانت مزيج غريب بين الاحترام العسكري والحب المكتوم. فؤاد بدأ يسلم عليهم واحد واحد، ولما وصل للتوأم، حضن ليون ونيكس مع بعض بحنان أبوي حقيقي، فهما "آخر العنقود" وتوأمه العزيز. لكن فجأة، فؤاد بعد ما سلم عليهم، عينيه مسحت المكان وسأل بصوته الرخيم "أومال ديمتري فين؟" في اللحظة دي، "الكهرباء" قطعت في المكان. الكل بدأ يبادل بعضه نظرات حيرة وفضول ، ما عدا ماركوس اللي فضل وشه "خشب" ورد بكل هدوء "قال إنه هيتأخر شوية بس زمانه على وصول يابابا" ماريا، زوجة فؤاد، ملامحها اتغيرت لثانية وظهر عليها عدم الرضا، بس بسرعة رسمت ابتسامة مزيفة؛ هي دايماً بتحس إن فؤاد مهتم بديمتري زيادة عن اللزوم، وكأنه واحد من ولاده بالظبط، وده بيحرق دمها. فؤاد هز راسه بتفهم مريب، وأشار ليهم كلهم يتحركوا ناحية غرفة الجلوس الرئيسية اللي كانت متجهزة بأفخم أنواع الضيافة، والكل مشي وراه في صمت، والأسئلة بتنهش في دماغهم عن اللي هيحصل لما ديمتري يوصل.. ولما "السر" الكبير يتكشف. _____ القعدة في الصالة كانت فخمة وليها هيبة، والكل كان بيشرب من "شاي الغريري" الخاص، وده شاي سويسري بخلطة سرية مبيطلعش غير في المناسبات التقيلة والزيارات اللي ليها وزنها. الخدامين كانوا بيتحركوا زي الساعة، بيملوا الكؤوس في صمت تام وسط أحاديث العيلة اللي بدأت تتفتح واحدة واحدة. ليون طبعاً مكنش قادر يمسك نفسه، وبدأ يتكلم بزهو عن صوره اللي نزلت في المجلات العالمية وإنجازاته كعارض أزياء. أبوه فؤاد بصله بابتسامة فخر ممزوجة بسخرية وقال له "والله يا ليون أنا فخور بيك وبصورك دي، بس يا ريت تفرحني السنة دي وماتسقطش في الجامعة زي كل مرة." الكلمة جت على الوتر الحساس عند ليون، فمط شفايفه وربع إيده بضيق طفولي وكأنه اتظلم، وده خلى الصالة كلها تضحك عليه ماعدا مامته اللي كانت تدلعه علا طول . فؤاد لف وشه لنيكس اللي كان قاعد جنب أخوه بصمته المعتاد وسأله "وأنت يا نيكس؟ أخبارك إيه يا ابني؟" نيكس رد بكلمة واحدة "كويس"، وده الرد اللي العيلة كلها حافظاه ومعتبرينه "بيان رسمي" منه. الكلام انتقل لكاسبار، اللي كان لسانه هيزلق ويتكلم عن المصيبة اللي عملها ليون امبارح بالبطاقة الذهبية في الشوبينج مع كاريلا. كاسبار كان لسه هيقول "البطاقة خلصت"، بس افتكر إن "كاريلا" لسه سر، فلحق نفسه في آخر لحظة وغير الكلام، وبص لماركوس بنظرة اعتذار سريعة وكأنه بيقول له "ستر ربنا". ماركوس بذكائه المعهود لم الدور بسرعة وغير مجرى الحديث، وفؤاد لاحظ الحركة دي فابتسم بخفوت وسكت، وكأنه فاهم إن فيه حاجة بتتطبخ وراه. بعد شوية، فؤاد قام وخرج للبلكونة (الشرفة) الواسعة اللي بتطل على جنينة القصر الأسطورية. طلع سيجارة وبدأ يدخن وهو بيسرح في الأفق. فؤاد عارف إن مراته ماريا بتكره العادة دي عشان صحة قلبه اللي بدأت تتعب، بس التدخين بالنسبة له هو "المهرب" الوحيد؛ هو مبيشربش، فالسجائر هي اللي بتخليه يهرب من ذكريات قديمة بتطارده ومش قادر ينساها مهما مرت السنين. مفاتش وقت كتير، ولحقه ماركوس للبلكونة. ماركوس كان عارف إن دي اللحظة المناسبة، وإن فيه كلام كتير وتقيل لازم يتقال ... _______ ماركوس وقف جنب والده على السور الرخامي، الهوا البارد كان بيخبط في وشهم بس الجو بين ماركوس وفؤاد كان أبرد بكتير بسبب الكلام اللي ماركوس شايله. ماركوس بص لوالده بكل أدب وقال "بابا.. لو تسمح لي بدقايق من وقتك، فيه موضوع مهم محتاج أناقشك فيه." فؤاد نفخ دخان سيجارته لبعيد وهو باصص للجنينة وقال بصوت هادي وفيه بحة مزح "يا ماركوس، لو الموضوع بخصوص الشغل والاعمال المعتادة . فأنا واثق فيك وفي دماغك، ومعاك ديمتري سيفك الباتر.. اتصرفوا وحلوا أي عقبة تقابلكم، وسيب الراجل العجوز ده يرتاح شوية من وجع السفر." واشر على نفسه ماركوس ابتسم ابتسامة خفيفة بس ملامحه اتحولت للجدية التامة في ثانية، وبص لعيني والده مباشرة وقال بنبرة واضحة "الموضوع المرة دي مش شغل يا بابا.. على الأقل مش النوع اللي إحنا متعودين عليه." فؤاد استغرب النبرة دي، نزل السيجارة من بؤه والتفت لماركوس ببطء، عينيه بدأت تضيق بتركيز وسأله "أمال موضوع إيه اللي يخلي ماركوس الغريري قلقان كدة؟" ماركوس أخد نفس عميق وقال "فيه بنت وصلت جنيف الأسبوع ده.. ديمتري هو اللي استقبلها بطريقته، وهي حالياً تحت حمايتي في الفندق." فؤاد رفع حاجبه باستنكار "بنت؟ وإيه علاقتنا بيها؟" ماركوس كمل وهو بيراقب رد فعل والده بدقة "البنت دي ماجتش هنا بالصدفة ، البنت دي جت تدور عليك شخصيا ..." فؤاد صمت ، للحظة فكر في احتمال لكنه استنكره علا طول خصوصا أنه عارف انها مستحيل تسمح أنه يتشكل رابط تاني معاه ماركوس أخد نفس عميق، وبص لوالده اللي السيجارة كادت تتحرق بين صوابعه وقال له الكلمة اللي هزت كيانه "البنت دي اسمها كاريلا.. كاريلا الغريري. وبتقول إن والدتها هي الست 'حياة'." فؤاد، اللي كان صامد زي الجبل، فجأة ملامحه اتغيرت، ولمعة لهفة غريبة وعنيفة ظهرت في عينيه، وسأل ابنه بصوت فيه رعشة مكتومة "إنت افتكرتها ياماركوس ؟" ماركوس طبعاً فهم قصده، واللحظة دي رجعته 20 سنة لورا؛ لما كان طفل عنده 12 سنة، وأبوه أخده في رحلة سرية بعيد عن جنيف لمدينة صغيرة هادية. ماركوس فاكر كويس لما فؤاد وقف العربية فجأة وفضل يراقب من بعيد ست "عادية" جداً، الفرق بينها وبين والدته "ماريا" زي الفرق بين السما والأرض، بس الست دي كانت ماسكة إيد طفلة صغيرة يادوب بتتعلم تمشي خطواتها الأولى. وقتها ماركوس سأله ببراءة: "إنت تعرفهم يا بابا؟"، وفؤاد بصله بنفس نظرة اللهفة دي وقاله: "تقدر تحفظ سر لبابا؟" وماركوس وافق فوراً عشان يثبت لوالده إنه راجل ويستحق قربه. ماركوس رد على والده دلوقتي وقال "أنا مكنتش هعرفها بالشكل يا بابا، بس اتأكدت منها بكل الطرق.. الأوراق، الملفات، وحتى بحثت في عنوانها القديم. كاريلا قالت إنها مكنتش تعرف إنك عايش أصلاً، كانت فاكراك ميت، والصدفة والقدر هما اللي رموها في طريق ديمتري." فؤاد تمتم بصوت واطي وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة ومستغربة "يعني قدرت تعارض حياة وتكسر كلمتها وتيجي لحد هنا؟". ماركوس استغرب الابتسامة دي، ومافهمش إن فؤاد شاف في كاريلا "عناد الغريري" اللي مبيقفش قدامه حاجة، وده أكد له إنها بنته فعلاً من غير أي شك. فجأة، فؤاد رمى السيجارة وتحرك بقوة وقال لماركوس "تعال معايا." ماركوس استغرب "على فين يا بابا؟ إنت لسه واصل!" فؤاد رد وهو بيغادر البلكونة بخطوات سريعة "على الفندق.. طالما هي جت وقطعت كل ده عشان تدور عليا، يبقى لازم اروح ليها." ماركوس مشي وراه وهو مش مصدق رد الفعل، وأول ما دخلوا الصالة، "ماريا" وقفت بصدمة وهي شايفة جوزها اللي لسه واصل من السفر خارج تاني فوراً ووشه عليه علامات مش مفهومة. أما بقية الأبناء؛ كاسبار، سيلفان، وليون ونيكس، فتبادلوا نظرات صمت تقيلة.. كلهم كان في راسهم فكرة واحدة بس "البوص عرف بوجودها..." _____ كاريلا كانت قاعدة في أوضتها بالفندق، العشاء قدامها وصمت قاتل محاوطها. حاطة إيدها على خدها وبتاكل بملل، وهي مقتنعة إن اليوم ده خلاص ضاع، وإن فؤاد الغريري أكيد مشغول مع "عيلته الحقيقية" ومش هييجي يشوفها النهاردة. أخدت قضمة لحم بعنف خفيف، وهي حاسة إن كل التجهيزات والتوتر ده راحوا بلاش. وفجأة.. الباب اتخبط. وقبل ما تلحق تبلع الأكل اللي في بؤها عشان ترد، الباب اتفتح بهدوء.. وظهر هو. كاريلا من الصدمة وقعت حتة اللحم من إيدها، وعينيها اتسعت لآخرهم وكأنها شافت شبح. فؤاد الغريري دخل بهيبته اللي بتملا المكان، وماركوس فضل برا وقفل الباب عشان يديهم خصوصية، خصوصاً إن موبايله بدأ يرن وكانت "ماريا" مامته اللي أكيد بتسأل هما فين في وقت العشاء ده. فؤاد كسر السكوت وقال بابتسامة هادية "من رد الفعل ده.. باين إنك عرفتيني." كاريلا مقدرتش تنطق، اكتفت بإنها هزت راسها بالإيجاب؛ هي فعلاً شافت صوره ومقابلاته كتير وهي في القطار وهي جاية جنيف. فؤاد بص للصينية وقال "تسمحي لي أشاركك العشاء؟ أنا كمان مالحقتش آكل لسه." كاريلا قامت فورا بارتباك وقالت "طبعا.. اتفضل " قعد فؤاد الأول، وهي فضلت واقفة ثواني لحد ما أشار لها تقعد، فقعدت وهي بتفرك في صوابعها بكسوف. فؤاد رفع عينيه وبدأ يتأملها بتركيز؛ دي أول مرة يشوفها من سنين، كانت آخر مرة وهي طفلة عندها 8 سنين. قال بابتسامة خفيفة "الوضع غريب شوية.. مش كدة؟" كاريلا ردت بابتسامة مرتبكة، وفؤاد بدأ الكلام "الحقيقة مكنتش متوقع إنك هتيجي وتدوري عليا." هنا كاريلا سألت السؤال اللي كان هيموتها "يعني إنت كنت عارف بوجودي؟! " فؤاد هز راسه بهدوء، بس نظراته كانت حذرة جداً. كاريلا عينيها بدأت تدمع وقالت بغصة "طيب ولما كنت عارف.. ليه مجيتش سألت عليا؟ عشان ماما كانت مراتك التانية؟ عشان عندك عيلة تانية أهم؟ أنا بقالي أيام بفكر في السبب وملقتش غير ده." فؤاد سكت لحظة وسألها "هو ده اللي مامتك قالتهولك؟" كاريلا ردت بضيق واضح "ماما مقالتش حاجة خالص." فؤاد اتنهد وقال "إذن.. خلينا نعتبر إن الأمور كانت كدة فعلاً." كاريلا مفهمتش قصده، وقبل ما تسأل غير الموضوع وسألها عن أحوالها في جنيف، وإنه سمع من ماركوس إن طريقة دخولها لعالمهم كانت "غريبة" وصعبة عليها. كاريلا فهمت إنه يقصد العنف والقتل اللي شافته لأول مرة. سألها باهتمام "هما بيعاملوكي كويس هنا؟" كاريلا مأرادتش تشتكي من ديمتري، مش حباً فيه، بس خوفاً من غضبه، وعشان متفسدش اللحظة السعيدة دي بذكر "السفاح". قالت له "ماركوس وليون طيبين جداً معايا، وأنا خرجت أتسوق مع ليون امبارح." بدأوا ياكلوا، وفؤاد بدأ يسألها عن دراستها. قالت له "أنا اتخرجت من الثانوية السنة دي وطلعت الأولى." فؤاد عينيه وسعت بإعجاب، بس ملامحه اتغيرت للألم فجأة لما شاف وشها "اتخطف"؛ هي افتكرت "ليز" والواسطة اللي ضيعت عليها المنحة وحلمها. بس بسرعة مسحت الفكرة وشربت رشفة عصير وابتسمت، هي مش عايزة تبان إنها جاية عشان "مصلحة" أو طمع، هي جاية عشان شعور "الأبوة" وبس. بدأت تحكي له عن مواقف ليون المضحكة في المول وانفجرت في الضحك بتلقائية. فؤاد سرح فيها.. ملامحها، ضحكتها، تعابير وشها اللي كانت عادية بس مميزة جداً لأنها كانت نسخة طبق الأصل منها ... كاريلا مكنتش واخدة أي حاجة من ملامح "الغريري" التقليدية ، كانت مختلفة عن اخواتها ... كاريلا انتبهت إنه باصص لها أوي، فسألته بكسوف "في حاجة؟"، فهز راسه بابتسامة وقاله "مفيش.. كملي." _____ الوقت سرقهم، وبالنسبة لكاريلا الساعتين دول مكنوش كفاية عشان يعوضوا سنين الحرمان، بس هي بقلبها الطيب كانت حاسة برضا غريب. قعدة فؤاد معاها، وكلامه الهادي، وصوته الرخيم، كل ده أنساها المعاناة اللي شافتها والندم اللي نهش قلبها أول ما دخلت عالم "الغريري" المظلم. حست إن الرحلة دي، رغم دمويتها، كانت تستاهل عشان اللحظة دي بس. فجأة، ماركوس دق الباب بهدوء، وفتح جزء بسيط منه وشاور لوالده بالموبايل وهو عامل تعبير بوشه كأنه بيقوله "الحقني". فؤاد فهم فوراً إن "ماريا" صرعت دماغ ابنها من كتر الاتصالات، وعايزة تعرف هما فين وليه فؤاد ساب القصر في أول ليلة لعودته. كاريلا فهمت إن وقت "البوص" خلص وإن لازم يمشي، ومكنتش ممانعة، كانت شايفة إن الليلة دي لوحدها "جائزة" كبيرة. بس قبل ما يقوم، كان لازم تسأل السؤال اللي شاغل بالها، سؤال المصير "طيب ... أنا مصيري إيه دلوقتي؟" فؤاد سكت لحظة، وبدأ يفكر بعمق؛ القرار ده مش سهل، ده هيغير خريطة حياتها للأبد. بص في عينيها وقال بجدية "مصيرك في إيدك إنتي يا كاريلا.. لو قررتي تعيشي هنا، أنا هعلنك رسمياً 'ابنة الغريري'، وده حقك الشرعي ومحدش يقدر يمنعه، وهتعيشي في القصر مع إخواتك." كاريلا فركت إيدها بتوتر وسألت بصوت واطي "ولو قررت أرجع؟" فؤاد رد بمنتهى الهدوء "تقدري ترجعي لحياتك، وهيفضل اسمي واسمك مربوطين ببعض، وهفضل والدك اللي تقدري تشوفيه في أي وقت، ومش همنعك عن إخواتك.. رغم إن الموضوع ممكن يكون صعب عليهم في الأول، بس أنا هظبطه." وقبل ما كاريلا تتسرع وترد، حط إيده على كتفها بحنان وقال "ماتديش قرارك دلوقتي.. فكري، وخدي وقتك، ولو حابة تتناقشي مع والدتك في الموضوع ده، ناقشيها." كاريلا كشرت خفيف وعقدت حواجبها بتمرد بسيط؛ هي شايفة نفسها دلوقتي كبيرة ومسؤولة ومحتاجة تاخد قرارها بنفسها بعيد عن خوف والدتها الزايد. فؤاد قام، عدل البالطو بتاعه، وبصلها نظرة أخيرة فيها لمعة فخر وقال "تصبحي على خير يا كاريلا.. ليلة سعيدة." وخرج وسابها مع أفكارها اللي بدأت تتضارب، بين حياة "الأميرة" في قصر الغريري، وبين حياتها "العادية" البسيطة اللي سابتها وراها.