الفصل الأول
" the writer Aridj "
.
.
.
في زوايا الزمن البعيدة، حيث تتشابك أغصان الأشجار كأيدٍ عملاقة، تلتف حول بعضها البعض في عناقٍ أزلي، كانت هناك مدينة مظلمة، تغرق في أسرار لا تنتهي. كانت المدينة تُدعى "آرلوس"، مدينة قديمة كما لو أنها وُلدت من رحم الظلام ذاته، ولم تخرج منه قط. كانت تضج بالحياة في نهاراتها، ورغم ذلك، كان هناك شيء غير مرئي يعصف بأرواح سكانها، يربكهم في كل لحظة، شيء غريب لا يمكن تفسيره. أما في الليل، فكانت تختفي المدينة في الظلال، كما لو أن الأرض نفسها كانت تبتلعها. وعندما يأتي الظلام، كان كل شيء يصبح شبحًا، حتى الأصوات نفسها تُمحى في عتمة الليل.
كيف بدأت؟ومتى اختفت ؟
لا أحد يعرف.
كان الزمن يلتف حول نفسه، مثل خيوط من العنكبوت التي تنسجها الرياح، ويظل الجميع في حالة ترقب، في حالة غموض أبدي. وفي الأيام التي تلت، أصبح اسمها مجرد همسات بين الشفاه، همساتٍ تُقال في الظلام، بين أولئك الذين علموا أن هذا المكان هو مفتاح لغز لا يجب على أحد أن يحله.
آرلوس كانت مدينة مُسكونة، لكن ليس بالأرواح التي تُرى، بل بالأرواح التي لا تُحس. أرواحٌ قديمة، جثث لا تستقر في قبورها، ولكنها لا تزال تُحارب في صمت عميق. كان كل شيء في المدينة مترابطًا بطريقة غير مرئية، كما لو أن كل حجر، كل نافذة، كل ركن مظلم كان يحمل روحًا حية تشبع الهواء بآلام الماضي. وكان السؤال الذي يطرحه الجميع، هل كانت الأرواح هي التي خلقت المدينة؟ أم أن المدينة هي التي أوجدت الأرواح، هل كانت الأرواح جزءًا من المدينة أم كانت المدينة مجرد قفص للأرواح؟
كانت الجدران القديمة تتحدث بصمت، مخفية وراء طبقات من الطحالب والنباتات العتيقة، وكأنها حلم ضائع يريد أن يُدفن مع الزمن. كانت الغابة السوداء التي تحيط بالمدينة، مثل حارس صامت، يعانقها من جميع الجهات، يشكل حاجزًا بين الواقع والخيال، بين الزمان والمكان. غابة مظلمة، لا تشرق الشمس فيها أبدًا، كانت أشجارها تقف كالظلال، تنحني تحت وطأة التاريخ الذي يحاول الهروب منها.
ويقال إنه كان هناك سر مخفي في المدينة، سر مقدس، قد لا يكون من المفترض أن يكتشفه أحد. وكانت تلك الأرواح القديمة تحميه. كانت تراقب كل من يدخل إلى آرلوس، كل من يجرؤ على اختراق حدودها، وكل من يحاول أن يلمس ما هو محرم. الظلام في هذه المدينة كان خادعًا. كان يعرف، مثلما عرف كل من دخلها من قبل، أن هناك حقيقة مخبأة في كل زاوية، في كل حجر، في كل شجرة. وكان الظلام نفسه أكثر رعبًا من كل ما يمكن أن يُقال عنه. لأنه إذا اختلطت الأرواح بهذا الظلام، لم يعد هناك عودة.
مرت السنوات، والأجيال تلو الأجيال، واختفت المدينة عن الذاكرة، لكن ليس عن القلوب. كانت آرلوس تحت الأرض، تحت طبقاتٍ من التراب والذكريات المخبأة. والظلال التي كانت تخيم عليها لم تختفِ، بل بقيت تنبض في الأركان المظلمة، في الجدران المتآكلة، في النفَس الأخير لأهلها. ومع مرور الوقت، بدأ الخراب يسري في كل شيء. كانت المدينة تموت، ولكن في صمت. كانت الأرواح تنسحب واحدة تلو الأخرى، ولكن دون أن تُغادر. أما الحياة، فقد اختفت كما تختفي النجوم خلف سحب كثيفة.
أما من دخلها، فقد اختفى، ولم يُعثر على أحدٍ أبدًا. كان هناك من يذهبون للبحث عن ثروات مدفونة، آخرون جاءوا لاكتشاف أسرار الماضي، ولكن لم يعد أحدهم حياً ليروي القصة. كان الظلام يبتلعهم، وكأن المدينة نفسها تُسحبهم إلى أعماق جحيمها، ليصبحوا جزءًا من أسطورتها المظلمة، جزءًا من لغزٍ لا نهاية له.
ورغم كل هذا، كان هناك من يعتقدون أن آرلوس لم تختفِ في الحقيقة، بل خُلِدت في مكان آخر، تحت طبقات الزمن. الأرواح القديمة لم ترحل، بل كانت تنتظر. كانت تهمس في الظلام، تطلب العودة، تبكي الزمن الضائع، وتنادي لمن سيتجرأ على مواجهتها.
لكن، كان هناك من يعتقدون أن المدينة ليست فقط مكانًا يجب ألا يُكتشف، بل سرًا مدفونًا في أعماقها. شيء مقدس، شيء لا يجب على البشر أن يلمسوه، شيء لا يجب أن يُكشف أبدًا.
وفي اللحظة التي بدأ فيها أهل العلم يقفون عند حدود الغابة السوداء، كانوا يقفون على أعتاب المجهول، حيث كان كل شيء غير مرئي، وكل شيء مغلف بالغموض. كانت الحقيقة أمامهم، ولكن هل سيستطيعون كشفها؟
أم أن المدينة ستظل مفقودة، كما كانت دائمًا، عميقة في الظلال، تبتلع كل من يقترب منها؟
هل ستكون الحقيقة أكبر من أن تُقال؟
ما الذي سيكتشفه أولئك الذين دخلوا؟
هل ستبقى "آرلوس" مدينة أبدية، أم أن ظلامها سيبتلعهم كما فعل مع آخرين؟وھل ماسمعناھ ھو مجرد خرافة تحكى لتخيف الأطفال ؟ام ھي حقيقة تنتظر من يرفع عنھا الستار ؟؟؟؟