الفصل السادس
" the writer Aridj "
.
.
قبل شهر من الآن، في تلك الليلة المشؤومة، يوم الأربعاء 2025، عند منتصف الليل .
كان يقف في الممر، صامتًا، منتظرًا وصول خالة ليان . أخبرها مسبقًا أن شقيقتها بحاجة إليه، وهي في المستشفى مع ابنتها، فشحن هاتفها نفذ وطلبت منھ التواصل معها. صدقت بسرعة وأخبرته بأنها في طريقها مع زوجها، لكنه أصر على أن تأتي وحدها، معللًا أن هذا طلب شقيقتها. استغربت قليلاً، لكن لم يكن الوقت للتساؤل. الحقيقة أنه لم يرغب أن يسمع أي شخص آخر ما سيدور بينهما، حتى خالتها لن يخبرها بكل شيء، سيحكي لها ما يلزم سماعه فقط لتوقيع أوراق تغيير الهوية.
لقد تصرف بطريقة حذرة، عبر عدة اتصالات، ووجد أن الأوراق مكتملة، لا ينقصها سوى توقيع الخالة ، فوفق ما رأى في وثائقها القديمة، والدها كان قد نقل كفالة ابنته قبل شهرين إلى شقيقة زوجته.
كان يبدو كما لو أنه كان مستعدًا لكل هذا، لطالما سبقت الزمن بخطوة ياسلمان...
وصلت الخالة، فأشار إليها بيده ليرشدھا اليھ، لكنها هرعت نحوَ باب الغرفة . وقبل أن تصل لھ وتفتحھ منعه قائلاً بصوت هادئ لكنه مُلزم /ياخالتي، لازم تسمعيني شوي. اللي راح أحكيه لك يمكن ما تصدقيه، بس لازم تسمعيني.
ارتجفت وبنبرة قلق، قالت /يا دكتور، وش صاير عليهم؟ فيهم شي؟
اقترب منها بخطوات محسوبة، وقال /خالتي، أحسن نتكلم في مكتبي، وما نزعج المرضى.
قادها بهدوء نحو الممر ، ثم اتجها معًا إلى المكتب. جلست على كرسي، وجلس هو في المقابل، وعيناه مليئتان بالجدية والثقل. أخذ نفسًا عميقًا وقال /أعرف أن اللي راح أحكيه الحين صعب شوي، بس هاذي الحقيقة. وأحتاج مساعدتك في حماية ليان.
صُدمت، لم تستوعب ما يقصده، وسألت بارتباك /ما فهمت، يادكتور… كيف نحميها وليش أمها وأبوها ما يحموها؟
رفع رأسه نحو السقف للحظة، ثم أعاد النظر إليها، كما لو كان يستجمع شتات نفسھ ليخبرها بما حدث /للأسف… أختك وزوجها صار لهم حادث، وماتوا فيه. والوحيدة اللي نجت هي ليان. الله يصبركم.
رأى الصدمة في عينيها، وبدأت دموعها تتساقط على خديها، رفعت طرف حجابها الذي تغطي بھ شعرھا ومسحت دموعھا المنھمرة محاولةً التماسك. في تلك اللحظة فهمت ما كان يقصده بـ"حماية ليان"....عليها أن تحميها فهي آخر ما تبقى لها من رائحة شقيقتها الراحلة تلك الأخت التي كبرت بصحبتھا وتقاسمت معھا كل ھموم الحياة .
رفعت رأسها إلى وليد وقالت، بصوت مرتجف لكنه حازم /وش مطلوب منا، يادكتور؟
بدأ وليد يشرح لها ضرورة تغيير هوية ليان لحمايتها، وأن زوج شقيقتها كان له بعض المشاكل في عمله، وأن الاستفسار لا ينفع الآن .
حاول استخدام كل طرق الإقناع، مزيج من الحقيقة والأكاذيب المدروسة، كي لا تعرف أكثر من اللازم، وإلا ستصبح أيضًا خطرًا على ليان.
اقتنتعت الخالة أخيرًا ووقعت على الأوراق، ثم غادرت متجهة نحو غرفة ليان. وقبل ان تبتعد لحقھا وليد وقال لھا بصوت منخفض /ياخالتي، نسيت أقولك عن حالة ليان… هي في غرفتھا بالعناية المركزة ، وقد تطول الغيبوبة لوقت طويل، بس إن شاء الله تقوم بالسلامة. وكمان، لا تسمحي لأي أحد غريب يقرب منها، حتى لو كانت ممرضة. لو في أي شك، ناديني. رقمي سجلته لك في الورقة، وأتمنى تتواصلي معي لو صار اي شيء .
ابتسمت الخالة، وأومأت برأسها قبل أن تكمل سيرها، مستعدة لبدء رحلة انتظار محفوفة بالمخاطر، رحلة ستظل محفورة في قلبها إلى الأبد.