الفصل 3
ومع تكرار تلك الضحكات بين فينة وأخرى والتي لا أعلم مصدرها أو من أي جهة تطلع علينا بتلك الهيئة المفزعة، استمرينا في السير وقد مضى على سيرنا وقت طويل أكاد أحسبه كسنوات عجاف، وفجأة برز من بين الخوص والذي يرتص عن يمين ويسار الطريق حيوان ذي أربعة أطراف يمشي عليها يرتفع عن الأرض بمقدار كبير يفتح فكه ويبرز أسنانه وتلمع عيناه – برغم الظلام الذي نعيش فيه – وبدأ يسير ناحيتنا وكأنه عازما على الشر لنا، ثم إنه قد سار مرة بجوار أبي تارة أمامنا وتارة بجواري وتارة أخرى من خلفنا أخبرني حينها أبي بأنه ذئب ولولا اشعاله السيجارة لانقض علينا حرص أبي على دوام إشعال السجائر الواحدة تلو الأخرى دون إطفاء لأحدها وأمسك بيدي كي لا أبتعد عنه وبعد مطاردة ذلك الذئب الشرس لنا لبعض الوقت الذي ليس بالقليل ذهب عنا مسرعا وهو ينظر ورائه وكأن شيئا يطارده.
نظر أبي ناحية ما كان ينظر إليه ذلك الذئب وإذا بإمرأة عجوز تنادي على أبي بصوت بحيح وتشير له بالقدوم ناحيتها، فتردد أبي للحظة ثم قرر الذهاب إليها متعجبا من أمرها، سمعتها تقول له امضي في طريقك أنت وولدك من غير الالتفات ورائكما وإلا سيأخذونكما من غير رجعة وستصل بإذن الله إلى نهاية الطريق في وقت قصير، سألها أبي من الذين سيأخذوننا ولماذا؟! .. ردت عليه بألا يسأل وألا يحاول ولو للحظة النظر من خلفه وإلا وقع المحظور ويحدث ما لا يحمد عقباه له ولولده فشكرها أبي ثم انصرفنا لنكمل مسيرتنا وبعد دقائق قليلة وفي أثناء سيرنا أحسسنا بمن يسرع الخطى ورائنا وأصوات أناس تلهث من الجري، هممت بأن ألتفت ورائي كي أبصر ماذا يحدث، ضغط أبي على كفة يدي بقوة وقال لي لا تلتفت ورائك أما سمعت قول العجوز؟ وكأنه قد صدق كلامها.