الفصل 2
ضحك السائق وقال: أنا لم أقف لأنزل أحدا معي ولم ينزل من الحافلة أحد، لقد توقفت رأفة بك وبصغيرك حينما أشرت إليّ. تملك أبي الذهول المختلط بالغضب مما قال ذلك السائق فطلب منه في الحال النزول وأشار إليّ كي أنزل معه، توقف السائق بعد أن أخذ يضحك بسخرية من أبي وقال له: إذا نزلت لن تعود إلى منزلك الليلة.
نزلنا من الحافلة وقد أخذ أبي الضجر وأنا قد أخذني الرعب لأن الطريق كان حالك للغاية مشوب بالضباب حتى أننا لا نكاد نرى بعضنا، مشينا دقائق حتى مررنا بقنطرة صغيرها يتجمع عندها بعض القرويين الذين أشعلوا النار بالحطب وأخذوا يتسامرون، سلمنا عليهم وسألهم أبي عن الطريق فأخبروه بأنه إذا انتهى من ذلك الشارع الذي نحن فيه فسيجد طريقا تمر منه السيارات المتجهة إلى مدينتنا أما حاليا فما من سبيل كي يقطع ذلك الشارع إلا سيرا على الأقدام، سألتهم أنا عن طوله رد علي أحدهم وهو يضحك بشكل غريب بأنه أمامنا عشرون من الكيلومترات كي نقطعها سيرا. حينها فقط أبصرت حمرة في عيني ذلك الرجل تلمع بشكل غريب فالتفت إلى زملائه فوجدت بهم نفس الأعين الأمر الذي جعلني أحث أبي على الذهاب سريعا.
بدأنا في السير وأنا قد أصبحت في غاية التعب والإرهاق الممتزج بالرعب من حلكة طريقنا ومع هبوب رياح باردة تأتي من خلفنا لها صرير وصفير عاتٍ كأنها ألف شبح يطاردنا بدأ جسدي يرتجف ليس من البرد فحسب ولكن من أصوات قد بدأت تطرق مسامعي، قد ميزتها أذناي عن صوت الرياح وبدت لي كأنها صوت ضحكات شامتة من حالنا تصدر من عجوز خبيثة – كمثل ضحكات الساحرة الشريرة في أفلام الكرتون – قلت في نفسي من المؤكد أنني أتوهم فسألت أبي عن ما إذا كان يسمع تلك الضحكات مثلي، شرد بذهنه برهة من الزمن وأحسست بتغير لونه مع ما ظهر من ملامحه لي من خلال ضوء السيجارة والتي أشعلها قبل ذلك ووضعها في فمه في تلك اللحظات، ثم استدرك وكأنه يحاول طرد فكرة رهيبة قد دارت في ذهنه موجها إليّ اللوم على أني أعيش في الوهم.