1️⃣
في بعض بقاع صحراء مصر القاحلة دائما ما كنا نجلس ليلاً بعد يوم عمل مرهق في حفر التربة واستخراج بعض العينات منها يبدأ المتخصصين منا في فحص تلك العينات أثناء الليل والبعض الآخر يذهب ليغط في النوم بعد الإعياء الذي حل به من عناء العمل أما الآخرين والذين ما زال فيهم رمق العيش بأجساد بطولية تتحمل السهر يجتمعون سويا بجوار مخيمات المبيت مع خفر الحراسة الذين يوقدون لنا النار للتدفئة والتي تساعد أيضا على الإنارة للسمر حولها ثم يحضر البعض الآخر منهم العشاء في أواني ضخمة تستوعب ما يملأ بطون هذا العدد المتجمع.
أمر قائد الحراسة لدينا بعض جنوده القائمين على إعداد الطعام بأن يحضروا العشاء كي ننعم به في هذا الجو السامر، فانصاعوا له وبعد أقل من دقيقتين قدم إلينا أحدهم يهرول وعيناه تملئهما الرعب وهو يلهث ويتحدث بكلمات سريعة توهمك وهو يصدرها مختلطة مع أنفاسه الهائجة كأنه يتحدث بلغة النوبة أو بأحد اللغات القديمة فأقدمنا عليه وحاول كل منا تهدئته حتى استجمع شتات نفسه وقال لنا إن “حلة الطعام” – يعني القدر – قد اختفت، عندها أخذ بعضنا يضحك يظنه يتصنع الأمر فأخذ يقسم بالأيمان المغلظة بأن الحلة قد اختفت فعلا، سأله قائد الحراسة وهو ينهره: “كيف تختفي حلة الطعام، من المؤكد أن أحدا من الموجودين قد أخفاها كي يمزح معك ومعنا”.