الفصل التاسع والأربعون
" the writer Aridj "
.
.
.
كانت الساعة تشير إلى الثانية ليلاً، وهم يجلسون على حافة الطريق، يتنفسون هدوء الليل الذي يلف المدينة بضبابه الهادئ. لم يعد بھا بعد إلى المنزل، فاتصل بوالدتها و طمأنها أنهم بخير، وأن تنام ولا تنتظر عودتهما.
كان يشعر بسعادة غامرة لأن قلبها كان مطمئنًا وسعيدا بعض الشيء ، وكأن هذا الشعور طمأنه قليلاً عن موضوع رحيم الذي ظل يشغله.
ظل يراها وهي تقص عليه مغامراتها مع مروى، ابنة خالها، تلك المغامرات التي سمع عنها للمرة الأولى. ابتسم وهو يستمع، وقال بدهشة مصطنعة /ومتى سويتو كل ذا واحنا ما عندنا علم؟
أماني بابتسامة عذبة /لا تخاف، كانت معنا ريھام وزوجها.
رسيم بلهجة ساخرة /أفا، بكبرهم يسايروكم أنتم، يا العيال!
أماني تتدارك الحديث قبل أن يقاطعها /يلا يلا، خليني أكمل، لا تقاطعني.
كان يتابع سردها، يضحك أحيانًا ويمثل الغضب أحيانًا أخرى، ويدرك في قرارة نفسه أن قلبه الصغير ينبض بحب هذه الأخت الغالية. همس في قلبه: يارب ابعد عنها كل لي يأذيها.
التفت إليها، وقد توقفت عن الحديث لتمسك بظهرها، وتذكر المكان الذي صدمتها فيه الأريكة بسبب رحيم. اقترب منها بقلق، وقال /أماني، لازال ظهرك يعورك؟
أماني بابتسامة مصطنعة لتطمئن قلبه /شوي فقط وراح يزول، لا تخاف.
تذكر أيضًا يدها التي كانت سجينة بين قبضتي رحيم. فرفع ذراع الهودي الذي ترتديه لتظهر آثار الاحمرار الذي سببته قبضة رحيم . أعاد تعديل سترتها وجلس، يمرر يده على شعره بغضب:
ما الذي فعله هذا الأحمق؟ ألا يتذكر ما بيننا من عشرة؟ ألم يحترمني، أو يمنح قيمة لأن من ضربها هي ابنة خاله؟
لكن رغم كل هذا، كان يعرف أن غضبه شديد الضرر. التف إلى أماني وقال /والله ماراح أقولك ليش رحتي لعندهم، بس ليش ما خبرتيني؟ أنا حجر قدامك، أنا أخوك، ھذھ لمرة عدت، بس مرة ثانية أنا أول واحد تعلمينه.
أماني بابتسامة مصممة /فهمت يا أخي، نفخت قلبي، بس لا تخاف، راح أخذ حقي منّه، وما راح أتراجع، ولا أيش بيصير.
عاد لينظر إلى الفراغ، مستغرقًا في التفكير /لازم أخذك للمستشفى، تعملي أشعة، لازم أطمن عليك، ويحطون لك مرهم على إيدك.
أماني بملل /لا، ما في داعي.
رسيم بمزيج من الحزم والقلق /أمانييي!
أماني، بعزمها الصامت /خلاص، سوي لي اللي تبي. الأهم عندي أن ما ترجعين للبيت، لأني ودي أروح على طول للقر وأقدم شكوتي وهم يجيبونه قدامي.
ابتسم رسيم من فكرة أن رحيم سيعتذر بعد أن يتلقى الجزاء، ليقطع حبل أفكاره رنين هاتفه للمرة الألف. أخرج الهاتف من جيبه ورأى أن المتصل هو عبد الرحمن. ضغط على زر الرد، وهو يعلم أنه لن يتوقف عن الاتصال ان لم يرد عليھ.
رسيم بحدة /وش فيك يا رجال، راح تحرق الجوال باتصالاتك!
عبد الرحمن بقلق /وينكم ياخي، أنا جاي مع رحيم عند أماني، هو ندمان على لي سواھ.
رسيم، بصرامة /لا، مشكور أنت وهو، ما نحتاج شي. وخبر رحيم إن أماني ما راح تسامحه، ولا أنا بدي أشوف وجهھ لهيك يا خوي ما تتصل مرة ثانية.
اغلق الخط دون ان ينتظر لسماع الرد .
وفي الجهة الأخرى، كان الجو مشحونًا بين عبد الرحمن ورحيم. ضرب عبد الرحمن المقود بقبضته، وهو يصرخ بغضب /أنت غبي يعني ولا بإيش تفكر؟ كيف تمد يدك على بنت، وبزيادة، هذه بنت خالك وتربت معنا، هذه أختنا، يا رحيم!
رحيم مترددًا /ياخي خلتني أعصب، وش راح أسوي، استفزتني.
عبد الرحمن متنهّدًا /لا حول ولا قوة إلا بالله.
رحيم يتململ /يااااا، خلاص ما صار عليها شي، وكمان الضربة مو قوية.
عبد الرحمن يصرخ بتحذير /لا تخليني أصير قاتل أخوھ، انطم أحسن لك، وراح تعتذر منها، أنت عورت البنت، ورسيم ما عاد بدو يشوف وجهك، وأكيد ما راح يسامحك أبدًا!
تنهد رحيم، تنھدا مملوء بالندم لما فعله. لم يتصور نفسه يومًا أنه سيمد يده على أماني. كان يعلم أنه عليه تصحيح خطأه، لكن يبدو أن هذه المرة، لن تكون المسامحة سهلة، وقد تمحو اسمه من حياتها إلى الأبد.