كنت أنا وأنفاسك - الفصل الخامس | روايتك

اسم الرواية: كنت أنا وأنفاسك
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس

الفصل الخامس

" the writer Aridj " . . . اقتربتُ منها متعثّرةَ الخطى، كأن الأرض خانتني في تلك اللحظة. ما إن لمحتها حتى خارت قواي، ولم أستطع الوقوف أكثر، فسقطتُ على ركبتيّ قرب سريرها البارد. لقد يأس الأطباء من إفاقتها السريعة؛ فقد فقدت كميةً كبيرة من الدم، وكأن الحياة انسحبت منها قطرةً قطرة، تاركةً جسدًا هشًّا يتشبث بخيط رفيع من النجاة. دنت خالتھا إليھا ، وطبعتُ قبلةً طويلةً على جبينها، قبلةً مشبعةً بالخوف والدعاء والعجز، ثم حدّقت فيها بعينين مثقلتين بالدموع. كيف لي أن أحمي هذه الصغيرة؟ وكيف لي أن أكون السور الذي يصدّ عنها قسوة هذا العالم؟ وكيف ......كيف لي أن أخبرها بوفاة والديها؟ توقفت فجأة. نعم…. لقد أكّد وليد أن الصدمة قد تُدخلها في نوعٍ من النسيان المرحلي، لكنه نسيان مؤقت، سرعان ما تتسلل الذاكرة من جديد، كجرحٍ يُعاد فتحه بلا رحمة. حاولت ليان فتح فمها لتتحدث، لكن الصوت خانها، لم يخرج شيء. تساءلت في ذهول داخلي: هل أصبحت بكماء؟ أم أن الصدمة عقدت لساني كما عقدت روحي ؟ .كانت خالتھا تراقب المشهد بعينين مرتابتين، وما إن انتبهت لحركتها الصامتة حتى ازداد قلقها، فاستدارت نحو وليد الذي كان يقف خلفها، وقالت بصوتٍ متهدّج /يا ولدي، شوف وش فيها. اقترب وليد بخطواتٍ ثقيلة، وكل خطوة كانت تؤكد خوفه. نعم… ما خشيه كان حقيقة. لقد استيقظت، لكنها استيقظت محمّلةً بأضرار جسدية لا تُرى بالعين وحدها. انحنى قربها، ووضع يده برفق على رأسها، ثم بدأ يرتّل آياتٍ من القرآن بصوته العذب الرجولي، صوتٍ امتلأت به الغرفة، فبدّد فراغها وسكونها، وكأنه يحاول أن يعيد ترتيب الفوضى التي سكنت الأرواح. كانت الدموع تنحدر من عينيها ببطء، كحبات ندى تتساقط من جفنٍ متعب. لم تكن تدري ماذا تفعل، ولا أين هي، ولا لماذا لم يأتِ والدها بعد ليطمئنا عليها. أكمل وليد تلاوته، ثم جلس أمامها، ولاحظ أن أنفاسها بدأت تهدأ. نظر إليها بعينين مثقلتين بالقلق، وقال بلطفٍ حاول أن يخفي ارتباكه /ليان، كيفك الحين؟ التفتت نحوه، وفي عينيها رجاءٌ صامت. تمنت لو يفهمها دون أن يطلب منها جهدًا إضافيًا. أشارت إلى فمها، ثم حرّكت إصبعها نفيًا. لا صوت… لا قدرة. اشتدت قبضة وليد، وغضبه المكتوم اشتعل في صدره. سحقًا… لن تستطيع الآن أن تخبره بأي شيء. وكيف لها أن تفعل، وهي التي رأت والديها داخل تلك السيارة؟ من حسن حظها، ومن لطف الله بها، أنها استيقظت الآن، ولم تبقَ في غيبوبتها عامًا كاملًا كما أكّد بعض الأطباء، بل إن آخرين قالوا إن الغيبوبة ربما تطول أكثر من ذلك. نهض وليد فجأة، لم يعد قادرًا على الجلوس. الأفكار تتصارع في رأسه، والمسؤولية تهوي على كتفيه بثقلٍ لا يُحتمل. يجب أن يجد حلًا. يجب أن يعرف كيف يحمي هذه الفتاة. فهذه المهمة لم تعد خيارًا، بل قدرًا سقط على عاتقه، وعليه أن يحمله بكل جوارحه، وأن يكون لها درعًا من كل ما تبقّى من قسوة هذا العالم.